ذو النون بن ابرهيم المصري الاخميني، ابو الفيض احد ارجال الحقيقة. قيل: اسمه ثوبان، وقيل: الفيض، وقيل: ذو النون لقبه، واشتهر بذلك. وقد ذكره في حرف الذال ابن عساكر وغيره.
وكان احد العلماء الورعين في وقته، نحيفًا، تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية، وكان ابوه نوبيًا، فيما قيل.
[ ٢١٨ ]
سئل عن سبب توبته، فقال: - خرجت من صمر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق، في بعض الصحاري. ففتحت عيني، فإذا انا بقنبرة عمياء، سقطت من وكرها على الارض، فأنشقت الارض، فأنخرجت منها سكر جتان: واحدة ذهب والاخرى فضة، في احداهما سمسم، وفي الاخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا، وتشرب من هذا، فقلت: حسبي، قد تبت. ولزمت الباب إلى ان قبلت ".
مات يوم الاثنين، سنة خمس، وقيل: ست واربعين ومائتين، ودفن بالقرافة الصخرى. وعلى قبره مشهد مبني، عليه جلالة، ومعه قبور جماعة من الاولياء.
ومن كلامه: سقم الجسد في الاوجاع، وسقم القلوب في الذنوب. فكما لا يجد الجسد لذة في الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع ذنبه ".
وقال: " من لم يعرف حق النعم سلبها من حيث لا يعلم ".
وقال: " الانس بالله من صفاء القلب مع الله ".
[ ٢١٩ ]
وقال: " الصدق سيف الله في ارضه، ما وضع على شيء الا قطعه ".
وسئل عن التوبه، فقال: " توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة ".
وقال: " ثلاثة موجودة، وثلاثة مفقودة: العلم موجود، والعمل به مفقود؛ والعمل موجود، والاخلاص فيه مفقود؛ والحب موجود، والصدق فيه مفقود ".
وقال: قال الله: " من كان لي مطيعًا كنت له وليًا، فليثق بي، وليحكم علي، فوعزتي لو سألني زوال الدنيا لازلتها عنه ".
وقال: " لم ارْ شيئًا ابعثُ لطلب الاخلاص من الوحدة. لانه اذا خلا لم يرْ غير الله، فاذا لم يرْ غيره لم يحركه الا حكم الله. ومن احب الخلوة فقد تعلق بعمود الاخلاص، واستمسك بركن كبير من اركان الصدق ".
وقيل له: " هل للعبد إلى اصلاح نفسه من سبيل؟: فقال:
قد بقينا مذ بذ بين حيارى نطلب الصدق ما اليه سبي
فدواعي الهوى تخف علينا وخلاف الهوى علينا ثقيل
[ ٢٢٠ ]
وقال: " ما اكلت طعام امرئ بخيل ولا منان الا وجدت ثقله على فؤادي اربعين صباحًا ".
وحكى ان رجلًا صالحًا صحبه مدة، وخدمه سنين، ثم قال له: " انت تعلم صلاحي وامانتي، احبك ان تعلمني اسم الله الاعظم، فأنه بلغني انك تعرفه. فسكت عنه مدة، وأوهمه انه سيعلمه، ثم أخذ يومًا طبقًا، وجعلى فيه فأرة حية، وغطاه وشده في مئزر، وقال له: " اتعرف صاحبنا الذي بالجيزة، بالمكان الفلاني؟ ". قال: " نعم "، قال: " فاوصل اليه هذه الامانة ". فأخذه ومضى، فوجده خفيفًا، فرفع الغطاء، فهربت الفآرة، فأزداد غيظًا، فقال: " يسخر بي؟؟. يحملني فأرة هدية؟؟ ". قال: فلما رآني علم ما في نفسي، فقال: " يا مسكين أئتمنتك على فآرة فلم تؤديها، فكيف آتمنك على اسم الله الاعظم؟؟ ز اذهب فلست تصلح له ".
وسئل: لما صير الموقف بالحل دون الحرم؟ ". فقال: " لان الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والمشعر الحرام بابه. فلم ان وصل الوافدون اوقفهم بالحجاب الثاني، وهو مزدلفة، فلم نظر إلى تضرعهم
[ ٢٢١ ]
امرهم بتقريب قربانهم؛ فلما قربوه وقضوا تفثهم، وتطهروا من ذنوبهم، التي كانت لهم حجابًا من دونه، امرهم بالزيارة على الطهارة.
وانما كره صيام التشريق، لان القوم زوار الله، وهم في ضيافته، ولا ينبغي لضيف ان يصوم عند من اضافه الا باذنه ".
وقال اسحاق بن ابرهيم السرخسي، سمعت ذا النون - وفي يده الغل، وفي رجليه القيد - وهو يساق إلى " المطبق "، والناس يبكون حوله، وهو يقول: " هذا من مواهب الله ومن عطاياه، وكل عذب حسن طيب ". ثم انشأ يقول:
لك من قلبي المكان المصون كل لومٌ علي فيك يهون
لك عزم بأن اكون قتيلا فالصبر عنك ما لا يكون
ولما مرض مرضه الذي مات فيه، قيل له: " مات تشتهي؟؟ " قال: " ان اعرفه قبل موتي بلحظة.؟ ".
وقيل له عند النزع " اوصنا "، فقال: " لا تشغلوني فأني متعجب من سر لطفه ".
قال فتح بن شخرف: " دخلت عليه عند موته، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال:
[ ٢٢٢ ]
اموت وما ماتت اليك صبابتي ولا قضيت من صدق حبك اوطاري
مناي المنى، كل المنى، انت لي منى وانت الغني، كل الغني، عند أفقاري
وانت مدى سؤلي، وغاية رغبتي وموضع امالي ومكنون إضماري
تحمل قلبي فيك ما لا ابثه وان طال سقمي فيك او طال اضراري
وبين ضلوعي منك مالك قد بدا ولن يبد باديه لاهلٍ ولا جاري
وبي منك في الاحشاء داء مخامر وقد هد من الركن وانبت اسراري
الست دليل الركب اذ هم تحيروا ومنقذ من اشفى على جرف هار؟
انرت الهدى للمهتدين ولم يكن من النور في ايديهم عشر معشارِ
وعلمتهم علمًا فباتوأ بنوره وبان لهم منهم معلموا اسرارِ
مهامه للغيب حتى كأنها لما غاب عنه منه حاضرة الدارِ
وابصارهم محجوبة وقلوبهم تراك اوهام حديدات ابصار
ومن اصحابه احمد الخراز، واحمد الجلاء، سلفًا.
ومنهم اخوه زرقان بن محمد، ولعها اخوة مؤاخاة لا نسب،
[ ٢٢٣ ]
كما قال السلمي.
من اقرانه، وجلة رفقائه، صاحب سياحة. كان بجبل لبنان، من ساحل دمشق.
حكى عنه بن يوسف بن الحسين الرازي، قال: " بينا انا في جبل لبنان ادور، اذ بصرت بزرقان اخي ذو النون، جالسًا على عين ماء عند العصر، وعليه زرمانقة شعر، فسلمت عليه، وجلست من ورائه، فألتفت الي، وقال: " ما حاجتك؟ ". قلت: " بيتين من شعر، سمعتها من اخيل ذو النون، اعرضهمنا عليك، فقال: " قل "، فقلت: " سمعت ذا النون يقول:
قد بقينا مذبذبين حيارى حسبنا ربنا ونعم الوكيل
فدواعي الهوى تخف علينا وخلاف الهوى علينا ثقيل
فقال زرقان: لكني اقول:
[ ٢٢٤ ]
قد بقينا مدلهين حيارى حسبنا ربنا ونعم الوكيل
حيث ما الفور كان ذلك منا واليه في كل امر نميل فعرضت اقوالهم على طاهر المقدسي، فقال: " رحم الله ذا النون؟ رجع إلى نفسه فقال ما قال، ورجع زرقان إلى ربه فقال ما قال ".
ومن اقرانه سعيد بن يزيد النباجي، ابو عبد الله. احد الصلاحاء، حكى عن الفضيل بن عياض، وعنه ابن ابي الحواري تلميذه. وله كلام حسن في المعرفة وغيرها. ومن كلامه: " اصل العبادة في ثلاثة اشياء: لا يرد من احكامه شيئًا، ولا يدخر عنه شيئًا، ولا يمسك تسأل غيره حاجة ".
وقال: " ما التنعم إلا في الإخلاص، ولا قرة العين الا في التقوى، ولا الراحة الا في التسليم ".
وقال: " من خطرت الدنيا بباله لغير القيام بأمر الله حجب عن الله ".
[ ٢٢٥ ]
وقال: " إن احببتم ان تكونوا ابدالا فأحبوا ما شاء الله، ومن احب ما شاء الله لم تُنزِل به مقادير الله وأحكاُمه شيئًا إلا احبه ".
وصلى بأهص طَرَسُوس الغداة، فوقع النقير وصاحوا، فلم يُخَفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: " أنت جاسوس! " قال: " وكيف ذاك؟! " فقالوا: " صاح النقير ولم تخفف ". فقال: " إنما سُميت صلاة لانها اتصال بالله تعإلى، وما حسبت أن أحدًا يكون في الصلاة، فيقع في سمعه غير ما يخاطب الله به ".
وروى عنه انه قال: " أصابني ضيقة وشدة، فبت وأنا اتفكر في المصير إلى بعض إخواني، فسمعت قائلا يقول في النوم لي: " أيجمل بالحر المريد، إذ وجد عند الله ما يري، أن يميل بقلبه إلى العبيد؟! ". فأنتبهت وأنا من أغنى الناس ".
ومن أصحابه عمر بن سنان المنبجي ابو بكر، من قدماء مشايخ الشام، وصحب ابرهيم الخواص ايضًا.
ومن كلامه: " من لم يتأدب بأستاذ فهو بطال ".
[ ٢٢٦ ]
وقال: " لما أقبل ذو النون منبج استقبله الناس فخرجت فيهم وأنا صبي، فوقفت على القنطرة، فلما رأيته اقبل، وحوله قوم من الصوفية، وعليهم المرقعات. ازدريته. فنظر إلى شزرا، وقال: " ياغلام! إن القلوب إذا بعدت عن الله مقتت القائمين بأمر الله ". فأرعدت مكاني، فنظر إلى ورحمني، وقال: " لن تراعَ ياغلام! رزقك الله علم الرواية، وألهمك علم الدراية والرعاية ".
ومن اصحابه ايضًا وليد السقاء، ابو إسحاق.
دخل عليه ابو عبد الله الرازي، وقال: " كان في نفسي أن أسأله عن الفقر، فقال: " لا يستحق أحد اسم الفقر حتى يستيقن انه لا يرد القيامة احد افقر إلى الله منه ".
وروى عنه انهقال: " قُدَّم إلى بعض اصحابنا لبن، قال: فقلت: " ذا يضرني! ". فلما كان يوم من الايام دعوت الله عين "، فمسعت هاتفًا يهتف بي ويقول: " ولا يوم اللبن؟! ".
مات سنة عشرين وثلثمائة.
[ ٢٢٧ ]