حماد بن عبد الله، الاقطع التيناتي أبو الخير. أحد مشايخ الصوفية٢ (، صحب كثيرًا من جلة مشايخ الصوفية.
أصله من المغرب، وسكن التينات، قرية على أميال من المصيصة. وكان من العباد المشهورين، والزهاد المذكورين.
صحب أبا علد الله بن الجلاء، وسكن جبل لبنان، من نواحى دمشق. وكان ينسج الخوص بيديه، لا يدرى كيف ينسجه. وحكاية قطع يده طويلة مشهورة. وكانت السباع تأوى اليه، وتأنس به. ولم
[ ١٩٠ ]
تزل ثغور الشام محفوظة أيام حياته، إلى ان مضى لسبيله.
مات سنة نيف وأربعين وثلثمائة، عن مائة وعشرين سنة.
ومن كلامه: " القلوب ظروف: فقلب مملوء ايمانًا، فعلامته الشفقة على جميع المسلمين، والاهتمام بهم، ومعاونتهم على ما يعود صلاحه اليهم؛ وقلب مملوء نفاقًا، فعلامته الحقد والغل، والغش والحسد ".
وقال: " من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله فهو مدع كذاب ".
وقال: " دخلت مدينة رسول الله، ﷺ، وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقًا، فتقدمت إلى القبر، فسلمت على رسول الله، ﷺ، وعلى خليفته؛ وقلت: أنا ضيفك الليلة، يا رسول الله!. وتنحيت ونمت خلف المنبر. فرأيت رسول الله في المنام، والصديق عن يمينه، والفاروق عن شماله، وعلى بين يديه. فحركنى على، وقال لى:
[ ١٩١ ]
قم! قد جاء رسول الله!. فقمت اليه، وقبلت بين عينيه؛ فدفع إلى رغيفًا، فأكلت نصفه، فأنتبهت فاذا في يدى نصفه ".
وقيل له: " أي شئ أعجب ما رأيت؟ ". قال: " رأيت عبدًا أسود، في جامع طرسوس، أدخل رأسه في مرقعته، وخطر في قلبه الحرم، فأخرج رأسه وهو في الحرم ".
وقال أبو الحسين القرافي: " زرت أبا الخير، فلما ودعته خرج معي من باب المسجد، وقال: " أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلومًا، ولكن احمل معم هاتين التفاحتين! ". فأخذتهما فوضعتهما في جيبي وسرت فلم بفتح لى بشيء ثلاثة أيام، فأخرجت واحدة منها فأكلتها؛ ثم أردت أن اخرج الثانية فإذا هما في جيبي، فكنت آكل منهما ويعودان، إلى ان وصلت باب الموصل فقلت في نفسي: أنهما يفسدان على توكلي إذا صارتا معلومًا لي. فأخرجتهما من جيبى ثمرة؛ فاذا فقير ملفوف بعباءة يقول: أشتهى تفاحة!. فناولتهما اليه. فلما عبرت وقع لي أن الشيخ بعثهما أليه وكنت في رفقة في الطريق فانصرفت، فلما كان الغد رجعت أليه فلم أجده ".
[ ١٩٢ ]
وقال أبو الحسن القرافي: " كنت ماضيًا لأبى الخير أزوره، فلقيت أنسانًا بغداديًا، فقال لي: " إلى أين؟ "، قلت: " أزور الشيخ! "، قال: " أنا ندخل أليه، فيقدم لنا الخبز واللبن، وأنا صفراوى! ". فدخلنا عليه، وقدم لى خبزًا ولبنًا، ولرفيقى رمانًا حلوًا وحامضًا، وقال: " كل هذا! ".
ثم قال لي: " من أين صحبت هذا، فانه يدعى؟! ". وما كنت سمعت منه شيئًا، فلما أن كان بعد عشر سنين رأيته بتنيس - وهو تاجر - وإذا به معتزلي محض ".
وروى عن ابرهيم الرقى قال: " قصدته مسلمًا، فصلى المغرب، ولم يقرأ الفاتحة مستويًا، فقلت في نفسي: " ضاعت سفرتي! ". فلما سلمت خرجت للطهارة، فقصدني السبع، فعدت أليه، وقلت: " أن الأسد قصدني! " فخرج وصاح على الأسد، وقال: " ألم أقل لك: لا تتعرض لأضيافي؟!: فتنحي وتطهرت. فلما رجعت قال: " اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد! ".
وروى أنه كان أسود، وفي لسانه عجمة الحبش، وقصده بعض
[ ١٩٣ ]
البغداديين - من أهل السان - ليمتحنه، ومعه تلامذة له، وأعلمهم أنه لا يحسن شيئًا، فدخل عليه، وحوله أصحابه، فسلم عليه وقال: " أيها الشيخ! مسألة؟! ". فقال: " ليس هذا موضع مسألتك، ولكن أجلس حتى يخلو الموضع ". فلما خلا أخذ بيد البغدادي، وأدخله إلى مسجد يأوي أليه للخلوة، في وسط الأجمة، فأجلسه في المسجد، وقام هو يركع، فإذا هو بصياح الأسد من كل جانب، فارتعد البغدادي واصفر لونه، فسلم أبو الخير وقال: " هات مسألتك! " فغشى عليه، فحمله أبو الخير على ظهره، ورده إلى أصحابه، وقال: " خذوا شيخكم! "، فلما أفاق هرب من عنده خفية ".
ومن إنشاداته:
أنحل الحب قلبه والحنين ومحاه الهوى فما يستبين
ما تراه الظنون إلا ظنونا وهو أخفي من أن تراه العيون
ولأبي الخير ولد اسمه عيسى، كان صالحًا أيضًا. طلب من والده الخبز، وكان صبيًا فقال: أيما أحب إليك: أعطيك الخبز، وتكون عند السبع؟ أو تكون عندي بلا خبز؟ " قال، فقلت في نفسي: " هو والد، ولا تطيب نفسه أن يتركني مع السبع! " فقلت: " أعطني
[ ١٩٤ ]
الخبز، واحبسني حيث شئت! " فأعطاني الخبز، فلما أكلت، قال لي: " قم! "، قلت: " ترى يحملني إلى السبع؟! " فقمت معه، فدخل الغابة، وأنا خلفه؛ وإذا بسبعين، فلما أبصرا به قاما، فقال لى: " اجلس! "، فجلست، ومضى هو، وريض السبعان، فكنت أرجف من الخوف، ثم سكنت وقلت: " لو أراد بى أمرًا لكانا قد فعلا " ثم خطر لي أنه ولهما بحفظي، فبقيت إلى قريب المغرب هناك، فلما جاء قرب العشاء جاء والدى، فلما بصرا به قاما؛ فأخذ بيدي وأخرجني، وخرج كل واحد منهما إلى جانب ".
[ ١٩٥ ]