الحارث بن أسد المحاسبي البصري أبو عبد الله. أحد الآوتاد والجامع بين الظاهر والباطن. سمي المحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه.
مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
من كلامه: " من أراد أن يذوق لذة طعم معاشرة أهل الجنة فليحصب الفقراء الصادقين ".
وقال: " المحبة ميلك إلي المحبوب بكليتك، ثم أيثار له علي نفسك وزوجك ومالك، ثم موافقتك له سراَ وجهراَ، ثم علمك بتقصيرك في حبه ":
[ ١٧٥ ]
وروي أنه ورث عن أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئا، أي لأن أباه كان قدريًا، فتركه وَرَعًا، لاختلاف العلماء في تفكيرهم، وقال: " صحت الرواية أنه لا يتوارث أهل ملتين شيئًا ". ومات وهو محتاج إلى درهم.
وروي أن الله تعالى عن ذلك أنه كان إذا مد يده إلي الطعام فيه شبهة تحرك إصبعه عرق، فكان يمتنع منه.
وقال الجنيد: " مربي يومًا، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: " يا عم، ندخل الدار وتتناول شيئًا؟ "، فقال: " نعم " فدخلت الدار، وحملت إليه طعامًا، من عرس قوم؛ فأخذ لقمة وأدارها في فيه مرارًا، ثم قام وألقاها في الدهليز وفرَ، فلما رأيته بعد أيام، قلن له في ذلك، فقال: " أني كنت جائعًا أن أسرك بأكلي وأحفظ قلبك، ولكن بينيوبين الله علامة: ألا يسوغني طعاما فيه شبهة، فلم يمكنني ابتلاعه، فمن أين كان ذلك الطعام؟ ". فقالت: " أنه حمل من دار قريب لي من العرس " ثم
[ ١٧٦ ]
قلت له: " تدخل اليوم؟ " فقال: " نعم " فقدمت اليه كسرًا كانت لنا فأكل، وقال: " إذا قدمت إلي فقير شيئًا فقدم مثل هذا ".
وقيل: أنشد قوال بين يديه هذه الأبيات:
أنا في الغربة أبكي ما بكت عين غريبِ
لم أكن يومي خروجي من بلادي بمصيبِ
عجبًا لي ولتركي وطنًا فيه حبيبي
أنا أن مت غرامًا فأجعلوا حبي طبيبي
فقام وتواجد وبكي حتى رحمه كل من حضره ".
[ ١٧٧ ]