أبو على أحمد بن محمد الروذبارى البغدادي ثم المصري. مات سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وقال السمعاني: سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة.
وروذبار يقال لمواضع عند الأنهار الكبار؛ وهذا الموضع عند طوس كما قال السمعاني؛ وقال الطلحي: " قرية من بغداد ".
[ ٥٠ ]
صحب الجنيد والنوري وابن الجلاء وغيرهم. كان أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة، كبير الشأن.
من كلامه: " من الاغترار أن تسيء فيحسن اليك، فتترك الإنابة والتوبة توهمًا انك تسامح فى الهفوات، وترى أن ذلك من بسط الحق عليك ".
وقال: " لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد ما بقى محب إلا مات ".
وأنشد:
نعمى تسر إذا رأتك، وأختها تبكى بطول تباعد وفراق
فاحفظ لواحدة أوان سرورها وعد التي أبكيتها بتلاقي
وقال: " قدم علينا فقير في يوم عيد، في هيئة رثة، فقال: " هل عندك مكان نظيف، يموت فيه فقير غريب؟ ". فقلت كالمتهاون به: " ادخل ومت حيث شئت؟ ". فدخل فتوضأ وصلى ركعتين، ثم اضطجع
[ ٥١ ]
ومات. فجهزته، فلما دفنته وكشفت عن وجهه لأضعه في التراب، ليرحم الله غربته، فتح عينيه وقال: " يا أبا على!. أتدللني بين يدي من يدللنى؟! ". فقلت: " يا سيدى! أحياة بعد الموت؟! ". قال: " نعم! أنا حي، وكل محب لله حي، لأنصرنك غدًا بجاهي يا روذبارى ".
قالت فاطمة أخته: " لما قربت وفاة أخي كانت رأسه في حجري، ففتح عينيه وقال: هذه أبواب السماء قد فتحت، وهذه الجنان قد زينت، وهذا قائل يقول: يا أبا على! قد بلغناك الرتبة القصوى، وان لم تسالها، وأعطيناك درجة الأكابر وان لم تردها ". وأنشأ يقول:
وحقك لا نظرت إلى سواكا بعين مودة حتى أراكا
أراك معذبي بفتور لحظ وبالخد المورد من جناكا
ثم قال: " يا فاطمة! الأول ظاهر، والثاني أشكال ".
وقال: " رأيت بالبادية حدثًا، فلما رآني قال: " ما يكفيه أن شغفني بحبه حتى أعلني! ". ثم رأيته يجود بروحه، فقلت له: " قل: لا اله إلا الله! ". فأنشأ يقول:
[ ٥٢ ]
أيا من ليس لي منه وان عذبني بد
ويا من نال من قلبي منالًا ما له حد
وقال: " دخلت مصر، فرأيت الناس مجتمعين، فقالوا: كنا في جنازة فتى سمع قائلا يقول:
كبرت همة عين طمعت في أن تراكا
أو ما حسب عين ان ترى من قد رآكا
قال: فشهق شهقة ومات ".
ومن شعره:
تشاغلتم عنى فكلى أفكر لأنكم منى بما بي أخبر
فان شئتم وصلى فذاك أريده وان شئتم هجري فذلك أوثر
فلست أرى إلا بحال يسركم بذلك أزهو ما حييت وأفخر
ولني على أخت زاهدة مشهورة، وهى والدة أحمد بن عطاء الروذبارى، الآتي ذكره. لها كلام حسن.
[ ٥٣ ]
حكى عنها أخوها فقال:
" تكلمت يومًا في المروة، فرجعت إلى أختي، فأخبرتني بذلك، وقالت: وقع في نفسي أنها - مع الله - حفظ أسراره، والقيام بما يوصلك أليه. والمروءة مع الخلق الشفقة عليهم، والاحتمال عنهم، ورؤية فضلهم عليك، بمشاهدة نقصانك ". فاستحسنت ذلك منها ".
قلت: واحمد هذا هو أبو عبد الله، شيخ الشام في وقته مات بصور، سنة تسع وستين وثلثمائة.
ومن كلامه: التصوف ينفى عن صاحبه البخل، وكتب الحديث ينفى عن صاحبه الجهل؛ فإذا اجتمعا في شخص فناهيك به نبلًا ".
وأنشد لنفسه:
فما مل ساقيها وما مل شارب عقار لحاظ كأسه يذهب اللبا
يدور بها طرف من السحر فاتر على جسم نور ضوؤه يخطف القلبا
[ ٥٤ ]
يقول بلفظ يخجل الصب حسنه: تجاوزت يا مشغوف في حالك الحبا
فسكرك من لحظي هو الوجد كله وصحوك من لفظي يبيح لك الشربا
وقال: " أقبح من كل قبيح صوفي شحيح ".
وأنشد:
أشرت إلى الحبيب بلحظ طرفي فاعرض عن إجاباتي المليح
فقلت: أضاع مذهبه المرجى ومزق ذلك العهد الصحيح!
ألم تسمع بألا قبح إلا وأقبح منه صوفي شحيح!
وقال: " من خدم الملوك بلا عقل أسلمه الجهل إلى القتل ".
وقال: " أن الخشوع في الصلاة) علامة (فلاح المصلى، قال تعالى:) قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون (.
[ ٥٥ ]
وقال، في قوله تعالى:) أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا (: " استقاموا بالرضاء، على مر القضاء، والصبر على البلاء، والشكر في النعماء ".
روى أنه دخل يومًا دار بعض أصحابه، فوجده غائبًا، ورأى فيه باب بيت مقفل، فقال الأستاذ: " اكسروا القفل " فكسروه؛ وأمر بجميع ما في البيت فباعوه، وأصلحوا بثمنه وقتًا ن وجاسوا في الدار. فدخل صاحب الدار ولم يقل شيئًا، ودخلت زوجته بعده إلى الدار، وعليها كساء، فدخلت بيتًا ورمت بالكساء، وقالت: " يا اصحابنا، هذا من جملة المتاع، فبيعوه! "، فقال لها الزوج: " ما حملك على هذا؟! ". قالت له: " مثل الشيخ يباسطنا، ويحكم علينا، ويبقى بنا شيء ندخره عنه؟! ".
وقال أبو طاهر الرقى: " سمعت أحمد بن عطاء يقول: " كلمني جمل في طريق مكة. رأيت الجمال والمحامل عليها، وقد مدت أعناقها ليلا، فقلت: " سبحان من يحمل عنها ما هي فيه! ". فالتفت جمل وقال: " قل: جل الله ".
[ ٥٦ ]
وأنشد أحمد هذا:
إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى كأنك مملوك لكل رفيق
وكن مثل طعم الماء عذبًا وباردًا على الكبد الحرى لكل صديق
ومن أصحابه أبو على الحسن بن أحمد الكاتب، أحد مشايخ وقته، من كبار اهل مصر. مات سنة نيف وأربعين وثلثمائة.
من كلامه: " إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بكليته، فأول ما يفيد الاستغناء به عن الناس ".
وقال: " صحبة الفساق داء، والدواء مفارقتهم ".
وقال: " إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه ".
[ ٥٧ ]
وانشد:
إذا ما أسرت انفس الناس ذكره تبينته فيهم ولم يتكلموا
تطيب به أنفاسهم فتذيعه وهل سر مسك أودع الريح مكتم؟
وأنشد متمثلا:
ولست بنظار إلى جانب الغنى إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وانى لصبار على ما ينوبني وحسبك أن الله أثنى على الصبر
وقال: " روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وان كتموها، وتغلب عليهم دلائلها وان أخفوها، وتدل عليهم وان ستروها ".
[ ٥٨ ]