١ - أَحْمَدْ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلِ (^١) بنِ هِلَالِ بنِ أَسَدِ بنِ إِدْرِيْسَ بنِ عَبْدِ الله بْنِ حَيَّانَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أَنَسِ بنِ عَوْفِ بنِ قَاسِطِ بنِ مَازِنِ بنِ ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَ ابن ثَعْلَبَةَ بنِ عُكَّابَةَ بنِ صَعْبِ بنِ عَليِّ بنِ بَكْرِ بنِ وَائِلِ بنِ قَاسِطِ بنِ هُنْبِ ابن أَفْصَى بنِ دُعْمِيِّ بنِ جَدِيْلَةَ بنِ أَسَدِ بن رَبِيْعَةَ بنِ نزَارِ بنِ مَعدِّ بنِ عَدْنَان ابن أُدِّ بنِ أُدَدِ بنِ الهُمَيْسَعَ بن حَمَلِ بنِ النَّبْتِ بنِ قَيْدَارِ بنِ إِسْمَاعيلَ بنِ إِبراهيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهُ وَعَلى جَميع النَّبِيِّينَ.
هكَذَا أَخْبَرَنَا المُبَارَكُ بنُ عَبدِ الجَبَّارِ بن أَحْمد (^٢) -قرَاءة عَلَيْهِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَليٍّ الحَسَنُ بنُ عَليٍّ التَّمِيْمِيُّ (^٣)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن
_________________
(١) الإمامُ أْحْمدُ: (١٦٤ - ٢٤١ هـ) أخبارُه كثيرةٌ مَشْهورَةٌ، ولا أَرَى من دَاعٍ لتَخريج تَرجمته؛ لشُهرتها وذَياعها في الكُتُبِ والمَصَادِرِ المختلفةِ ﵀ وغَفَرَ لَهُ وجزاهُ عَن الإسْلامِ والمُسلمين خَيْرًا. وقَدْ خَصَّ جَمْعٌ من العُلمَاءِ مَنَاقبه بالتألِيف قديمًا وحديثًا، ذكرتُ بعضَهُم في آخر التَّرجمةِ.
(٢) مَشهورٌ مَعروفٌ عند المُحدثين بـ"الطُيُوْرِيِّ ويُعرف بـ"ابن الحَمَامِيِّ" أيضًا -بالتَّخفيفِ-. من كبارِ المُحدِّثين ببغدَادِ، ثِقَةٌ، لَهُ مصنَّفاتٌ تَدُلُّ على علمٍ وفَضلٍ (ت ٥٠٠ هـ). أخبارُهُ في: الإكمال (٣/ ٢٨٧)، والأنساب (٤/ ٢٠٩)، وتاريخ الإسلامِ (٣٢٤)، والعبر (٣/ ٣٥٦)، والشَّذَرات (٥/ ٤٢٦). - وأخوهُ أَبُو سعيد أحمد بن عبد الجَبَّار، مُحدِّثٌ مُقرئ ت ٥١٧ هـ. له أخبارٌ في: المُنتظم (٨/ ٢٤٧)، وتذكرة الحُفَّاظِ (٤/ ٣٩)، والشَّذَراتِ (٤/ ٥٣) ولهما أولاد وأحفاد.
(٣) هو المَشْهُورُ بـ"ابن المذهب" تُوفي سنة (٤٤٤ هـ). وذكر الحافظُ السَّمْعاني في الأنساب (١١/ ٢١٧، ٢١٨) بـ (المذهبي) قال: "بفتحِ المِيْمِ وسُكُونِ الذَّالِ المُعجمَةِ وكَسْرِ الهَاءِ، وفي آخره الباءُ المُوَحَّدَةُ، هذه النسبَةُ إلى المذهب، عُرف به بعضُ أجدادِ أبي عليٍّ الحسن بن علي ابن محمد بن علي بن أحمد بن وهب بن شبيل بن فروة بن واقدٍ المذهبي التَّمِيْمِيُّ الواعِظُ .. =
[ ١ / ٨ ]
جَعْفَرِ بنِ مَالكٍ (^١)، حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي دَاوُدَ (^٢): كَانَ فِي رَبِيْعَةَ رَجُلَانِ، لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهمَا مِثْلُهُمَا. لَمْ يَكُنْ فِي زَمانِ قَتَادَةَ مِثلُ قَتَادَةَ (^٣)، ولَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبل مثلُهُ. وهَذَا النَّسَبُ فيه مَنْقَبَةٌ عَمِيْقَةٌ، ورُتْبَةٌ عَظِيْمَةٌ، مِن وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حيثُ تَلَاقَى فِي نَسَبِ رَسُوْلِ الله ﷺ؛ لأنَّ نِزَارَ كَانَ لَهُ ابنَانِ، أَحَدُهُمَا مُضَرُ، ونبيُّنَا ﷺ مِنْ وَلَدِهِ، والآخرُ رَبِيْعَةُ، وإِمَامُنَا أَحْمَدُ مِنْ وَلَدِهِ
والوجَهُ الثَّانِي: أَنّهُ عَرَبِيٌّ صَحِيْحُ النَّسَبِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَحِبُّوا
_________________
(١) = من أهلِ بَغداد. سمعَ أَبَا بَكر أحمَد بن جعفر بن مالكٍ القطيعي .. ". وَضَبْطُهُ في كتاب أبي سَعْدٍ مشكلٌ غير مُحرَّر فليراجع؟؛ وذكره الحافظُ الخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٣٩٢)، وذهبت ترجمته بسبب سقط طباعة وتداخل في التَّراجِم بين من اسمه "الحسن" وبين من اسمه "إسحاق" في الموضعين من الجزء السَّادسِ والسَّابعِ. يراجع (٦/ ٣٨٦، ٣٨٧)، (٧/ ٣٩١، ٣٩٢) ولم يبقْ إلَّا آخر التَّرجمة، مع توالي الصَّفَحاتِ في كلا الموضعين؟!. ولم يُتَرجَم في طبقات الحنابلة، مع اعتقادي أنَّه منهم. ويُراجع: المنتظم (٨/ ١٥٥)، وسير أعلام النبُّلاء (١٧/ ٦٤٠)، والوافي بالوفيات (١٢/ ١٢١). ووالده على بن محمَّد التَّمِيْمِيُّ (ت ٤١٠ هـ) ذكره الحافظ الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٧٩) وقال: "كَانَ صَدُوْقًا".
(٢) هو المعروف بـ"القَطِيْعِيِّ" (ت ٣٦٨) ذكره المؤلِّف في موضعه رقم (٥٧٩).
(٣) عبدُ الله بن سُلَيْمان، صَاحبُ كتاب "المَصَاحِفِ" (ت ٣١٦ هـ) ذكره المؤلِّفُ في موضعه.
(٤) هو قَتَادَةٌ بن دِعامةَ بن قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ البَصْرِيُّ. وسَدُوسُ بن شَيبان بن ذُهل بن ثَعلبة بن عَكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكرِ بن وائلٍ، توفي قتادة سنة (١١٧ هـ) وقيل سنة (١١٨ هـ). يُراجع: تاريخُ خَليفة (٢٣٢، ٣٤٨)، وطبقاتُهُ (٢١٣)، وثِقاتُ ابنِ حبَّان (٥/ ٣٢١)، وسيرُ أعلام النُّبُلاءِ (٥/ ٢٦٩)، وتَهذيبُ التَّهذيب (٨/ ٣٥١). وعدَه القِفْطِيُّ في النُّحاةِ واللُّغويِّين. يُراجع: إنْباه الرُّواة (٣/ ٥٣).
[ ١ / ٩ ]
العَرَبَ لِثَلَاثٍ؛ لأنِّي عَرَبِيٌّ، والقُرآنُ عَرَبِيٌّ، ولِسَانُ أَهْلِ الجَنَهِّ عَرَبِيٌّ" هكَذَا ذَكَرَهُ ابنُ الأنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ "الوَقْفِ والابتِدَاءِ" (^١).
وَقَالَ الرَّبِيع بنُ سُلَيْمَان (^٢): قَالَ لنَا الشَّافِعِيُّ: أَحْمَدُ إِمَامٌ فِي ثَمَانِ خِصَالٍ: إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، إِمامٌ في الفِقْهِ، إِمَامٌ في اللُّغَةِ، إِمَامٌ في القُرْآنِ، إِمَامٌ في الفَقْرِ، إِمَامٌ في الزُّهْدِ، إِمَامٌ في الوَرَعِ، إِمَامٌ في السُّنَّةِ. وَصَدَقَ الشَّافِعِيُّ في هذَا الحَصْرِ.
أَمَّا قولُهُ: "إِمَامٌ في الحَدِيْثِ" فَهَذَا ما لا خِلَافَ فِيهِ ولا نِزَاعَ، حَصَلَ بِهِ الوِفَاقُ والإجْمَاعُ، أَكثرَ مِنْه التَّصنيفَ، والجَمْعَ والتَّألِيفَ، ولَهُ الجَرْحُ والتَّعْدِيلُ، والمعرفةُ والتَّعْليلُ، والبَيَانُ والتَّأويلُ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيْلُ (^٣)
_________________
(١) ابنُ الأنْبَارِيِّ: هو محمَّد بن القَاسِم بن بَشَّارِ (ت ٣٢٨ هـ) صاحبُ التَّصانيفِ الجَيِّدةِ النَّادِرَةِ، وهو من الحَنابلةِ، ذكَرَه المؤلِّفُ في موضعه رقم (٦٠٤). وكتابُهُ "الوقف والابتداء" مطبوعٌ بدمشق في مجلدين سنة (١٣٩٠ هـ) بتحقيق الأستاذ محيي الدِّين رَمَضَان، والنَصُّ فيه (١/ ٢١). وانظر كلام الشَّيخ عبد القادر الأرناؤوط على الحديث في هامش المنهج الأحمد (١/ ٧١). والحَدِيْثُ مَوْضُوعٌ.
(٢) هو صَاحبُ الإمامِ الشَّافِعِيِّ - رحمهُمَا الله تَعَالَى -؛ الرَّبِيع بنُ سُلَيْمانِ بن عبدِ الجَبَّارِ بنِ كاملٍ، المُرادِيُّ مولاهم، المصريُّ، مؤذِّنُ المسجدِ الجامعِ بفسطاط مصر، راوي كُتُبِ الشَّافعي عنه. روى له التِّرمذيُّ، وقد روى عنه إجازةً، تُوفي بمصر سنة (٢٧٠ هـ). أخبارُهُ في: طبقات الفقهاء للشِّيرازي (٧٩)، وتذهيب الأسماء واللُّغات (١/ ١٨٨)، وتهذيب الكمال (٩/ ٨٧)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٢/ ٥٨٧)، وطبقات الشَّافعية (٢/ ١٣٢)، وتهذيب التَّهذيب (٣/ ٢٥٤)، وشذرات الذَّهَب (٣/ ٣٠٠).
(٣) اسمُهُ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدِ بن الضَّحَّاكِ بن مُسلم بن رَافِع الشَّيْبَانِيُّ البَصْرِيُّ المُحدِّثُ=
[ ١ / ١٠ ]
يَوْمًا: مَنْ تَعُدُّونَ فِي الحَدِيثِ بِبَغْدَادَ؟ فَقَالُوا: يَحْيى بْنَ مَعِينٍ، وأَحْمَدَ بنَ حَنبلٍ، وأَبا (^١) خَيْثَمَةَ وَنَحْوَهُمْ. فَقَالَ: مَنْ تَعُدُّونَ بالبَصْرَةِ عَنْدَنَا؟ فَقَالُوا: عليَّ بنَ المَدِيْنِيِّ، وابنَ الشَّاذَكُوْنِيِّ (^٢)، وغيرَهُمَا. فَقَالَ: مَنْ تَعُدُّونَ بالكُوْفَةِ؟ قُلْنَا: ابنَ أبي شَيْبَةَ (^٣)، وابنَ نُمَيْرٍ (^٤)، وغيرَهُمَا، فقَالَ أَبُو عَاصِمٍ
_________________
(١) = (ت ٢١٤ هـ)، ولُقِّبَ "النَّبِيْلُ" لأنَّه كان عند ابنِ جُريج أَبَوَا عَاصِمٍ، وكان الضَّحَّاك أَحَدَهُمَا، قال: وكنتُ أَتَجَمَّلُ في الثيِّابِ، فقال يومًا: أَينَ أَبَا عَاصِمٍ النَّبِيلَ؟ فسُمِّيتُ نَبِيْلًا. وللخَبَرِ رواياتٌ أُخْرَى، وهُنَاك نبيلٌ آخرُ غيرُ مقصودٍ هُنا. أخبار أبي عاصمٍ في: طبقات ابن سعدٍ (٧/ ٢٩٥)، وتاريخ البخاري الكبير (٤/ ٣٣٦)، والجرح والتَّعديل (٤/ ٤٦٣)، وثقات ابن حبَّان (٦/ ٤٨٣)، وسير أعلام النُّبلاء (٩/ ٤٨٠). ويُراجع: الإكمال (٧/ ٣٣١)، والأنساب (١٢/ ٣١)، وكشف النِّقَابِ (٢/ ٤٤٠)، والتَّوضيح (٩/ ٢٣)، ونُزهة الألباب (٢/ ٢١٦). جاء في تهذيب الكَمال (١٣/ ٢٨٩): "قال أبو بكر بن المُقرئ، عن أبي طلحة محمدِ ابن أحمد بن الحَسَنِ التَّمارِ، عن حمدان بن عليٍّ الوَرَّاق: ذهبنا إلى أحمد بن حنبلٍ سنةَ ثلاثَ عشرةَ -يعني ومائتين- فسألناهُ أن يُحدِّثنا؟ فَقَالَ: تَسْمَعُوْنَ منِّي ومثلُ أَبِي عاصمٍ في الحَيَاةِ؟ اخرُجُوا إليه".
(٢) في (ب): "أبو". وأبو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بن حَرْبٍ بن شَدَّادٍ الحَرَشِيُّ النَّسائيُّ نزيلُ بَغْدَادَ، مولى بني الحَرِيْشِ بنِ كَعْبِ بنِ عامرِ بنِ صَعْصَعَةَ. مُحَدِّثٌ، ثِقَةٌ حَافظٌ مُتْقِنٌ (ت ٢٣٤ هـ). أخباره في: طبقات ابن سعدٍ (٧/ ٣٥٤)، وتاريخ بغداد (٨/ ٤٨٢)، وتهذيب الكمال (٩/ ٤٠٢)، وتهذيب التَّهذيب (٣/ ٣٤٢)، والشَّذرات (٢/ ٨٠). - وابنه أبو بكرٍ أحمدُ بن أبي خَيْثَمَةَ مذكورٌ في موضعه رقم (٢٣).
(٣) هو سُلَيْمَان بن دَاود الشَّاذَكُوِنيُّ، ذكره المؤلِّفُ في موضعه رقم (٢١٨).
(٤) هو أبو بكر بن أبي شيبة الآتي في نص أبي عُبَيْدٍ.
(٥) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدَانِيُّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيُّ الخَارِفِيُّ الحافظُ=
[ ١ / ١١ ]
-وَتنفَّسَ هَا هَا-: مَا أَحَدٌ مِنْ هَؤُلاءِ إلَّا وَقَدْ جَاءَنَا ورَأَيْنَاهُ، فَمَا رَأَيْتُ في القَوْمِ مِثلَ ذَلكَ الفَتَى أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.
وقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسمُ بنُ سَلّاَمٍ (^١): انْتَهَى العلمُ إِلى أَرْبَعَةٍ؛ أَحمدَ ابنِ حَنْبَلٍ، وعليِّ بنِ المَدِيْنِيّ، ويَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ، وَأَبِي بَكرِ بنِ أَبي شَيْبَةَ (^٢)، فَكَانَ (^٣) أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أَفْقَهَهُمْ فيهِ.
وَدَخَلَ الشَّافِعِيُّ يَوْمًا عَلى أَحْمَدَ بنِ حَنبلٍ، فَقَالَ: يَا أَبا عَبْدِ اللهِ،
_________________
(١) = (ت ٢٣٤ هـ)، وخَارِفٌ من هَمْدَان. قال السَّمعانيُّ عن خَارفٍ: "نزَلَ الكُوفةَ" وذكر ممن يُنْسَبُ إليه ابنَ نُميرٍ المذكورَ، ونَقَلَ عن الإمام أحمد قوله فيه: "ابنُ نُميرِ دُرَّة العِرَاق" وهو من شُيُوخِ الإمامِ أَحْمَدَ. أخباره في: طبقات ابن سَعدٍ (٦/ ٤١٣)، وتاريخ خَليفة (٣٢)، وثقات ابن حبَّان (٩/ ٨٥)، والأنساب (٥/ ١٤)، وتَهذيب التَّهذيب (٩/ ٢٨٢).
(٢) هو الإمامُ العَلّاَمةُ المشهور صاحبُ "غريب الحديثِ" ذكره المؤلِّفُ في موضعه رقم (٣٦٩).
(٣) هو عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن عثمان العَبْسِيُّ، مولَاهُم (ت ٢٣٥ هـ). قال عبد الله بن الإمام أحمد: "سمعتُ أبي يقولُ: أبو بكر بن أبي شيبة صَدُوْقٌ، وهو أَحبُّ إلَيْنَا من عُثمان". وقال عبد الله: قُلتُ لأبي: إنَّ يحيى بن مَعين يقولُ: عُثمان أحبُّ إليَّ؟ فقال أبي: "أبو بكرٍ أعجبُ إِلينا من عُثمان". ووُصِفَ أبو بكرٍ بأَنَّه كان ثِقةً حافظًا للحديث، رَوَى عَنه البُخَاريُّ، ومُسلمٌ، وأَبو داود، وابنُ ماجَه، والإمامُ أحمدُ وأبو عَاصِمٍ النَّبيلُ … وغيرُهُم. أخبارُه في: طبقات ابنِ سَعْدٍ (٦/ ٤١٣)، وطبقات خليفة (١٧٣)، وثِقَات ابن حبَّان (٨/ ٣٥٨)، وتاريخ بغداد (٦٦١٠)، وسير أعلام النُّبلاءِ (١١/ ١٢٢)، وتَهذيب التَّهذيب (٦/ ٢)، والشَّذرات (٢/ ٥٢).
(٤) في (ط): "وكان … " وما أثبتُّهُ محلُّ اتفاقٍ في النُّسخِ حتَّى (أ) وهي أصل (ط)؟!. ويُراجع: الأنساب، وتاريخ بغداد (٩/ ٤٧). وفي المقصد الأرشد (١/ ٦٥)، والمنهج الأحمد (١/ ٧٤). مثل (ط) لأنَّهما مُصحَّحانِ عَنْه؟!.
[ ١ / ١٢ ]
كنتُ اليومَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ في مسأَلةِ كَذَا، فَلَو كَانَ معيَ حَدَيثٌ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ؟ فَدَفَعَ إِلَيْهُ أَحْمَدُ ثلاثَةَ أَحَادِيْثَ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ الله خَيْرًا.
وَقَال الشَّافِعِيُّ لإمَامِنَا أَحْمَدَ يَومًا: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بالحَدِيْثِ والرِّجَالِ، فَإِذَا كَانَ الحَدِيثُ الصَّحِيْحُ فَأعلِمُونِي، إِنْ شَاءَ يكونُ كوفيًّا، أو شَامِيًّا (^١)، حَتَّى أذْهَبَ إِليهِ إِذَا كَانَ صَحِيْحًا. وَهذَا مِنْ دِيْنِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ سَلَّمَ هذَا العِلْمَ لأَهْلِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ (^٢): مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ. قَالُوا لَهُ: وأَيْشٍ (^٣) الَّذِي (^٤) بانَ لَكَ من علمِهِ وفَضْلِهِ عَلى سَائِرِ مَنْ رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ سُئِلَ عَن ستِّينَ أَلْفَ مَسْأَلةٍ، فَأَجَابَ فِيْهَا بأَنْ قَالَ: "أَخْبَرَنَا"
_________________
(١) في (أ) و(ط): "أو شاء شاميًّا".
(٢) ذكره المؤلِّف في موضعه رقم (٢٨١).
(٣) في (ط): "إيش" وصَوابها - إن شاء الله - كما أَثْبَتُّ، وسأكتفي بهذه الإشارة عن المواضع الأُخرَى اللَّاحقة. وهي مختصر (أَيِّ شَيْءٍ)، ونَظَرًا إلى كثرةٍ وُرُودِ هذه اللَّفظة في كتابنا هذا وغيره من الكُتُبِ أُحبُّ أن أذكرَ بعضَ ما قال العُلماء فيها، فأقُوْلُ: ذهبَ بَعْضُ العُلَمَاءِ إلى أنَّها مُوَلَّدَةٌ، وقال: جَنِّبُونا أَيْشٍ. ونَصَّ ابنُ السِّيدِ البَطَلْيَوْسِيُّ في كتاب "الاقتضاب" (٢٦٤) على أنَّها لفظةٌ عَرَبِيَّةُ الأصْلِ فَقَالَ: "إنَّ العَرَبَ يَحْذِفُونَ حَرْفَ الجرِّ من كلامهم تخفيفًا كقولهم: أَيْشٍ لَكَ، وهم يُريدون: أيَّ شيءٍ لَكَ". وذكر السُّهيلي أنَّها في معنى أيِّ شيءٍ كما يُقَالُ: وَيْلُمَّه في معنى: وَيْلٌ لأُمِّهِ على الحَذْفِ؛ لكَثرة الاستِعْمَالِ. أقولُ - وعلى الله أعتمد -: وقالت العَرَبُ "عَلْمَاءِ بَنِي فُلَانٍ" أَيْ: عَلَى المَاءِ، وبلعنبر وبلحارث .. ومثله كَثِيرٌ. يُراجع: شفاء الغليل (٣٩)، وقصد السَّبيل (٢٢٩) .. وغيرهما.
(٤) ساقط من (أ).
[ ١ / ١٣ ]
و"حَدَّثنَا" (^١). وَقَالَ إِبْرَاهيمُ الحَرْبِيُّ - وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدَ -: كَأَنَّ الله قَدْ جَمَعَ لَهُ علمَ الأوَّلْينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، يَقولُ مَا يَرَى، ويُمْسِكُ مَا شَاءَ. وقَالَ أَبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: حَزَرْنَا حِفْظَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ بالمُذَاكرةِ عَلى سَبْعِمَائَةِ أَلْفِ حَدِيْثٍ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: كَانَ أَحمدُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفٍ، فقِيلَ لَهُ: ومَا يُدْرِيْكَ؟ قَالَ: ذاكرتُهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهُ الأبوابَ.
وأَمَّا الخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهي قَولُهُ: "إِمَامٌ فِي الفِقْهِ" فالصِّدْقُ فيه لائحٌ، والحَقُّ (^٢) واضِحٌ؛ إذْ كَان أَصلَ الفِقْهِ كتابُ اللهِ وسُنَّةُ رسُولِهِ وأَقْوالُ صَحَابَتِهِ، وبَعْدَ هذه الثَّلاثَةِ القِيَاسُ، ثُمَّ قَدْ سُلِّمَ لَهُ الثَّلاثُ، فالقِيَاسُ تابعٌ؛ وإِنَّمَا لم يَكُنْ للمُتَقَدِّمينَ من أئِمَّةِ السُّنَّةِ والدِّيْنِ تَصْنِيْفٌ في الفقهِ، ولا يَرَوْنَ وَضْعَ الكُتُبِ ولا الكلامَ، إِنَّما كَانُوا يَحْفَظُونَ السُّنَنَ والآثارَ، ويَجمَعونَ الأخْبَارَ، ويفتُون بهَا، فَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمُ العلمَ والفقهَ كان روايةً يَتَلقَّاهَا عَنْهُم، ودِرَايةً يتَفَهَّمَهَا مِنْهُم، ومَنْ دَقَّقَ النَّظَرَ، وحَقَّقَ الفِكْرَ، شَاهَدَ جَمِيع مَا ذكرتُهُ.
وأَمَّا نَقَلَةُ الفِقْهَ عَن إِمَامِنَا أَحْمَدَ فَهُمْ أَعْيَانُ البُلْدَانِ، وأَئِمَّةُ الأزْمَانِ، مِنْهُم؛ ابْنَاهُ صَالِحٌ وعَبْدُ اللهِ، وابنُ عَمِّه حَنْبَلٌ، وإِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ الكَوْسَجُ المَرْوَزِيُّ، وأَبُو دَاودَ السِّجِسْتَانيُّ، وأَبُو إسْحَاقَ إِبْرَاهيمُ الحَرْبِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، وأَبُو بَكْرٍ المَرَّوْذِيُّ، وعَبدُ الملكِ المَيْمُونِيُّ، ومُهَنَّى الشَّامِيُّ،
_________________
(١) في النُّسخ كلِّها ما عدا (ط): "حدَّثنَا وأَخبرنا"؟!.
(٢) في (ط) فقط: "والحقُّ فيه واضحٌ".
[ ١ / ١٤ ]
وحَرْبٌ الكِرْمَانِيُّ، وأَبُو زُرْعَةَ، وأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَّانِ، وأَبُو زُرْعَةَ الدِّمشقيّ، ومُثَنَّى بنُ جَامعٍ الأنْبَاريُّ، وأَبُو طالبٍ المُشْكَانِيُّ، والحَسَنُ بنُ ثَوَابٍ، وابنُ مُشَيْشٍ، وابنُ بَدِيْنَا المَوْصِليُّ وأَحمَدُ بن القاسمِ والقَاضِي البِرْتِيُّ (^١)، وأَحمدُ ابنُ أَصْرَمَ المُزَنِيُّ وعليُّ بنُ سَعِيْدٍ النَّسَوِيُّ وأَبُو الصَّقْرِ، والبُرْزَاطِيُّ، والبَغَويُّ، والشَّالَنْجِيُّ، وعبدُ الرَّحمن المُتَطَبِّبُ، وأَحمدُ بنُ الحَسَن التِّرمِذِيُّ، وأحمدُ بنُ هِشَامٍ الأنْطَاكِيُّ، وأَحمدُ بنُ يَحْيَى الحُلْوَانِيُّ، وأَحمَدُ بنُ محمَّدٍ الصَّائغُ، وأحمدُ بنُ محمدِ بنُ صَدَقَةً، وهم مائةٌ ونيِّفٌ وعُشرونَ نَفْسًا.
وأَمَّا نَقَلَةُ الحَدِيثِ عَنْهُ: فَقَدْ جُمِعَتْ فِيهمُ المُصَنَّفَاتُ، وساقَهمُ الأئمَّةُ الثِّقَاتُ، وقَالَ الأَثْرَمُ (^٢): قُلْتُ يومًا - ونَحْنُ عندَ أَبي عُبَيْدٍ القاسمِ ابنِ سَلّاَمٍ - فِي مسْأَلةٍ، فَقَالَ بعضُ مَنْ حَضَرَ: هَذَا قُولُ مَنْ؟ فقُلْتُ: مَنْ لَيْسَ بغَربٍ ولا شَرقٍ أَكْبَرُ منه؛ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: صَدَقَ.
وَقَالَ إسحاقُ بن رَاهُوْيَهْ (^٣): سَمِعْتُ يَحْيى بن آدمَ يقُولُ: أَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ إمَامُنَا. وقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (^٤): أَحمَدُ بن حَنْبَلٍ: أَعْلَمُ من
_________________
(١) في (ط): "الرَّقِّي".
(٢) هو أحمد بن محمدٍ بن هانئ، مُتَرْجَم في موضعه من الكتابِ رقم (٥٧).
(٣) مُتَرْجَمُ في موضعه من الكتابِ أيضًا رقم (١٢٢).
(٤) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليَمَانِ، أبو ثَوْرٍ الكَلبيُّ البغداديُّ الفقيهُ، كنيته أبو عبد الله، ولقبُهُ أبو ثَوْرٍ، كذا نَصَّ الأئمة، كان من أصحابِ الشَّافعي ﵀ (ت ٢٤٠ هـ). أخبارُهُ في: الجرح والتَّعديل (٢/ ٩٧)، وثقاتِ ابن حبَّان (٨/ ٧٤)، وتاريخ بغداد (٦/ ٦٥)، وطبقات الشَّيرازي (٧٢)، وسير أَعْلام النُّبلاءِ (١٢/ ٧٢)، وطبقات السُّبكي (٢/ ٧٤)، وشذرَاتِ=
[ ١ / ١٥ ]
الثَّوْرِيِّ (^١) وأفقهُ.
وأَمَّا الخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ قَوْلهُ: "إِمَامٌ في اللُّغةِ" فَهُو كَمَا قَالَهُ. قَال المَرُّوْذِيُّ (^٢): كَانَ أَبُو عبدِ الله لا يَلْحَنُ في الكَلَامِ، ولَمَّا نُوْظِرَ بَينَ يَدَي الخَلِيْفَةَ كَانَ يَقُولُ: كَيْفَ أَقُولُ مَا لَم يُقَلْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ -فِيمَا رَوَاهُ عَنْه مُحَمَّدُ بن حَبِيْبٍ- (^٣): كتبتُ منَ العَرَبِيَّةِ أكثرُ ممَّا كَتَبَ أَبُو عَمْرِو بنِ العَلَاءِ (^٤). وَكَانَ يُسأَلُ عَنْ أَلْفَاظٍ مِنَ اللُّغَةِ تَتَعَلَّقُ بالتَّفْسيرِ والأخبارِ، فيُجيبُ عَنْ ذَلكَ بأَوضحِ جَوَابٍ، وأَفْصَحِ خِطَابٍ، فَرَوى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَأَلْتُ أَبي عَنْ حَدِيْثِ إِسْمَاعِيل بن عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عن أَبي مَعْشَرٍ، قَالَ: "يَكْرَهُ التَّكْفِيْرَ في الصَّلَاةِ" قَالَ أَبِي: التَّكْفِيْرُ أَنْ يَضَعَ يَمينَهُ عِنْدَ صَدْرِهِ فِي الصَّلَاةِ (^٥).
_________________
(١) = الذَّهب (٢/ ٩٣). ومَعَ أَنَّ "أبا ثَوْرٍ" لقبٌ لا كنيةٌ لم يردْ في كَشْفِ النِّقَاب لابن الجَوْزِيِّ، ولا في نُزهة الألبابِ للحافظِ ابنِ حَجَرٍ رحمهما الله؟! فهو مستدركٌ عليهما.
(٢) سفيان الثَّوريُّ الإمام المشهور.
(٣) في (ط): "المَرْوَزِيُّ" وهو مترجمٌ في موضعه من الكتاب مشهورٌ في أصحاب أحمد. اسمه "أحمد بن محمد بن الحجاج" رقم (٥٠).
(٤) مترجمٌ في موضعه من الكتاب رقم (٤٠٢).
(٥) الذي في مناقب الإمام أحمد لابن الجَوْزِيِّ (٦٠٠) "أبو عمرو الشِّيباني" وأيُّهما ثبت. لا أظنُّ ذلك؟! فهذه مبالغةٌ ظاهرةٌ، لا أظُنُّها تثبتُ عن الإمام.
(٦) جاء في "غَرِيب الحَدِيثِ" للخَطَّابِيِّ ﵀: "تكفِّر: تَوَاضَعَ وتَذَلِّلَ، وأصلُه أن يُومئَ الرَّجُلُ برَأْسه ويَنْحَنِيَ إذَا أراد تعظيمَ صاحبه، قال جريرٌ: فَإِذَا سَمِعْتَ بحَرْبِ قَيْسٍ بَعْدَهَا … فَضَعُوا السِّلاحَ وكَفِّرُوا تَكْفِيْرَا =
[ ١ / ١٦ ]
وَقَالَ عبدُ الله أيضًا: قَرَأْتُ على أَبي: أَبُو خَالدٍ الأحْمَرُ، عَن ابنِ جُرَيْجٍ، عَن عَطَاءٍ، قَالَ: "فِي الوَطْوَاطِ: ثُلُثَا دِرْهَمٍ" سَأَلْتُ أَبي عَنِ الوَطْوَاطِ؟ قَالَ: هُوَ الخُطَّافُ (^١).
وقال عبدُ اللهِ أيضًا: سَألتُ أَبي عَن "نَهْي النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ المُجْرِ (^٢) "؟ فَقَالَ: يَعْنِي مَا في الأَرْحَامِ.
_________________
(١) = وقد يكون التَّكفيرُ وضعَ اليَدَين على الصَّدْرِ، قال عَمْرُو بنُ كُلْثومٍ: تُكَفِّرُ باليَدَيْنِ إِذَا التَقَيْنَا … وتُلْقِي من مَخَافتِنَا عَصَاكَا ويُراجَع: المجموع المغيث (٣/ ٥٧). وفي نهاية ابن الأثير (٤/ ١٨٨) ذكر معنى التَّكفير. ثم قال: "ومنه حديث أبي مَعْشَرٍ: "أنَّه كان يكره التَّكْفِيْرَ في الصَّلاةِ" وهو الانْحاء الكثير في حالة القيام قبل الرُّكُوع" ويُراجع: الفائق (٣/ ٢٦٩)، واللِّسان والتَّاج: (كفر).
(٢) في اللِّسان: (وَطَطَ): "قال النَّضْرُ … والوَطْوَاطُ: الخُفَّاشُ، وأهلُ الشَّامِ يُسمُّونَه السَّرْوَعَ، وهي البَحريَّةُ، ويُقالُ لَهُ: الخُشَّافُ، والوَطْوَاطُ: الخُطَّافُ. وقيل: الوَطْوَاطُ: ضَرْبٌ من خَطَاطِيْف الجِبَالِ، أسودُ … وروى عَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ أنَّه قال في الوَطْوَاطِ يُصِيْبُهُ المُحْرِمُ قال: دِرْهَمٌ، وفي روايةٍ: ثُلثَا درهم. قال الأصْمَعِيُّ: الوَطْوَاطُ: الخُفَّاشُ. قال أَبُو عُبَيْدٍ: ويقالُ: إِنَّه الخُطَّافُ. قال: وهو أشبه القولين عندي بالصَّواب لحديث عائشة … قال ابنُ بَرِّي: الخُطَّافُ العُصْفُورُ الَّذي يُسَمَّى عُصْفُورَ الجنَّة، والخُفَّاشُ: هو الَّذي يطيرُ باللَّيْلِ، والوَطْوَاطُ المشهورُ فيه أَنَّه الخُفَّاشُ، وقد أجازُوا أن يكون هو الخُطَّافُ، والدَّليل على أنَّ الوَطْواطَ الخُفَّاشُ قولهم: (هو أَبْصَرُ ليلًا من الوَطْوَاطُ) … ". ويُراجع: غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ (٤/ ٤٧٠)، وتهذيب اللُّغة (١٤/ ٥٢، ٥٤)، والنِّهاية لابن الأثير (٥/ ٥٠٢). والمثل في مجمع الأمثال (١/ ٢٠٣).
(٣) في (ط): "المجبر" خطأٌ ظاهرٌ، وتحريفً بيِّنٌ، والمُجْرُ في غَريبُ أبي عُبَيْدٍ (١/ ٢٠٦)، والنَّهايةُ (٤/ ٢٩٨)، واللِّسان (مجر).
[ ١ / ١٧ ]
وَقَالَ عبدُ اللهِ أيضًا: سُئِلَ أَبي عَن "حَبَلِ الحَبَلَةِ"؟ (^١) قَالَ: الَّتِي فِي بطنِهَا إِذَا وضَعَتْ وتَحْمِلُ. نهَى (^٢) النَّبِيُّ ﷺ عَنْه؛ لأنَّهُ غَرَرٌ، يقولُ:
_________________
(١) غريب أبي عُبَيْدٍ (٨/ ٢٠١)، وتفسير غريب الموطَّأ لابن حَبِيْبٍ (١/ ٣٨٦)، والمُحكم (٣/ ٢٧٣)، وتهذيب الألفاظِ (٣٤٥)، والتَّمهيد لابن عبد البرّ (١٣/ ٣١٥)، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (حبل). وشرحُ حَبَل الحَبَلة جاءَ في حديث "الموطَّأ" وهو حديثُ مالكٍ، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عُمَرَ: "أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيع حَبلِ الحَبَلةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أهلُ الجَاهليَّة، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُوْرَ إِلى أَن تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَنْتَجَ الَّتِي في بَطْنِها" قَالَ الحَافِظُ أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ: "وإِنْ لَمْ يَكُن تفسيره مرفوعًا فهو من قِبَلِ ابن عمر وَحَسْبُكَ به، وبهذا التَّأْوِيْلُ قال مَالكٌ والشَّافعيُّ وأصحابُهُما، وهو الأَجَلُ المَجْهُولُ، ولا خِلَافَ بينَ العُلماءِ أَنَّ البيعَ إلى مثل هذا من الأجَل لا يَجُوْزُ". وقال أبو عمر أيضًا: "وقال آخرون في تأويل هذا الحديث: معناه بيع ولد الجَنين الَّذي في بطنِ النَّاقةِ، هذا قول أبي عُبَيْدٍ، عن ابن عُلَيَّةَ، هو نِتَاجُ النِّتاجِ. وبهذا التأْويل قال أحمدُ بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقد فسَّر بعضُ أصحابِ مالك هذا الحديث بمثل ذلك أيضًا. وهو بيعٌ مجمعٌ على أنَّه لا يجوزُ ولا يحلُّ؛ لأنَّه بيعُ غَرَرٍ مَجهولٍ، وبَيْعُ ما لم يُخلق، وقد أجمع العلماءُ على أنَّ ذلك لا يجوزُ في بيعِ المُسلمين". وثَمَّتَ تَفْسير ثالثٌ نقله الوَقَّشِيُّ الأنْدَلُسِيُّ في "تعليقه على الموطَّأ" كما نقله غيره من العلماءِ، ونسبوه إلى أبي العبَّاس أحمد بن يحيى ثعلب، أَنَّه قال: معنى حَبَلِ الحَبَلَةِ عندي؛ إِنَّمَا يعني به حَمْلِ الكَرْمَةِ قبل أن تَبْلُغَ، وَجَعَلَ حملها قبل أن تبلغَ حبلًا، كما نهى عن بيعِ ثمرِ النَّخْلِ حتَّى تُزْهِيَ". وردَّ عليه الوَقَّشِيُّ بقوله: "قال (ش): إِنَّما قال ذلكَ؛ لأنَّه أنكر أَنْ تُجْمَعَ (حُبْلَى) على (حَبَلَةٍ) وأن لا يُستعمَلَ الحَبَلُ إلَّا في النِّساءِ، والحَبَلُ وإِنْ كَانَ للنِّسَاءِ فهو يُستعارُ لغيرهنَّ حكى ذلك أبُو زَيْدٍ وغيره … " وَذَكَرَ كَلَامًا جيِّدًا تَجِدْه هُنَاكَ. ونشر الكتاب بتحقيق الفقير إلى الله تَعَالَى. ولله المِنَّةُ.
(٢) في (ب) و(جـ): "نهي". وفي (أ) عليها علامة تصحح مما يؤكد صحتها.
[ ١ / ١٨ ]
نِتَاجُ الجَنِيْن (^١).
وقَالَ عبدُ الله بنُ أَحْمَدَ أيضًا: سَمِعتُ أَبي في حَديثِ ابنِ مَسْعُودٍ "كَفَى بالمَعْكِ ظُلْمًا" قَالَ: المَعْكُ: المَطْلُ (^٢).
وَقَالَ عبدُ الله بنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنيْ أَبي، حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَن عَمْرِو بن دِيْنَارٍ، عَن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ: "كَانَ رَجُلٌ يُدَاينَ النَّاسَ، لَه كاتِبٌ ومُتَجَازٍ" (^٣) قَالَ أَبي: "المُتَجَازِي" المُتَقَاضِيْ.
وَقَالَ حَرْبٌ الكِرْمَانِيُّ: قلتُ لأحمَدَ: مَا تَفْسِيْرُ: "لَا تَعْضِيَةَ (^٤) في مِيْرَاثٍ إِلَّا مَا حَمَلَ القَسْمَ"؟ قَالَ: إِنْ كَانَ شَيْئًا إِنْ قُسِمَ أَضَرَّ بالوَرَثَةِ، مِثْلَ
_________________
(١) كلامُ المؤلِّفُ هنا يكتنفُهُ الغمُوض، وهو كذلك في النُّسخ، وحاصله أن يُقال: "حَبَلُ الحَبَلَةِ" نِتاجُ النِّتاجِ، أو نِتَاجُ ما في بُطُونِ الحَوَامِلِ، وهو نتاج الجنين.
(٢) جاء في غريب الحَديث لابن قُتيبة (٢/ ٥١٢): "المَعْكُ: المَطْلُ، يريد: مَطْلُ الرَّجل غَرِيْمَهُ وهو واجِدٌ، قال ذو الرُّمَّةِ [ديوانه: ١٧٢٥]: أُحِبُّكِ حُبًّا خَالَطَتْهُ نَصَاحَةٌ … وإِنْ كُنْتِ إِحْدَى الَّلاوِيَاتِ المَوَاعِكِ قال أبو زَيْدٍ: يُقَالَ: دالكني حَقِّي مُدَالَكَةً، ومَطَلَنِي مَطْلًا، ومَعَكَنِيْ مَعْكًا، ولَوَانِي لَيَّانًا ولَيًّا: كُلُّه واحِدٌ". ويُراجع: الفائق (٣/ ٣٧٤)، والنِّهاية (٤/ ٣٤٣)، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (مَعَكَ).
(٣) النِّهاية (١/ ٢٧١)، أورد الحديث ثم قال: "المُتَجَازِي: المُتَقَاضِي، يقالُ: تَجَازَيْتُ ديني عليه، أي: تَقَاضَيْتُهُ".
(٤) أخرجه أبُو عُبَيْدٍ في "غَرِيْب الحديث" (٢/ ٧) وقال في شَرْحِهِ: "يَعني أن يَمُوْتَ الرَّجُلُ وَيَدَعُ شَيْئًا إن قُسِمَ بينَ وَرَثَتِهِ - إذا أراد بَعْضُهُمُ القِسْمَةَ - كَانَ في ذلك ضَرَرٌ عليه، يقولُ: فَلَا يُقْسَمُ ذلك، والتَّعْضِيةُ: التَّفْرِيْقُ، مَأْخُوْذٌ من الأعْضَاءِ، تَقُولُ: عَضَّيْتُ الَّلحْمَ: إِذَا فَرقْتَهُ … ". يُرَاجع: "النِّهاية في غَرِيْبِ الحديثِ" لابن الأثيرِ، واللِّسان: (عضى).
[ ١ / ١٩ ]
الحَمَّام وغيرَ ذَلِكَ ممَّا لا يمكنُ قَسْمُهُ.
وأَمَّا الخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ، وهي قولُهُ: "إِمَامٌ في القُرْآن" فهو واضحُ البَيَانِ لائِحُ البُرْهَانِ، قَالَ أَبُو الحُسَين بنُ المُنَادِيْ: صَنَّفَ أَحْمدَ في القُرآن "التَّفْسيْرَ" وهُو مائةُ أَلْفٍ وعُشرونَ ألفًا، يعني حَدِيْثًا. و"النَاسِخَ والمَنْسُوخَ" و"المُقدَّم والمُؤَخَّرَ في كِتَابِ الله تَعَالَى"، و"جَوَابَات (^١) القُرآن" وغيرُ ذلك.
وقَالَ عَبْدُ الله بنُ أَحْمَدُ: كانَ أِبي يَقْرَأُ القُرْآنَ في كلِّ أُسبوعٍ خَتْمَتَيْنِ، إِحداهُمَا باللَّيْلِ، والأُخرَى بالنَّهَار، وقَدْ خَتَمَ إِمَامُنَا أَحْمَدَ القُرْآنَ في لَيلةٍ بمكَّةَ مُصَلِّيًا بِهِ (^٢).
وأَمَّا الخَصْلَةُ الخَامِسَةُ، وهي قولُهُ: "إِمَامٌ في الفَقْرِ" فيَالَهَا خَلَّةٌ مَقْصُوْدَةٌ، وحالةٌ مَحْمُودةٌ، منَازِلُ السَّادةِ الأنْبِيَاءِ، والصَّفْوةِ الأتْقِيَاءِ.
أَنْبَأَنَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ بإِسْنَادِهِ عَن أَبي جَعْفَرٍ في قولهِ تَعَالى (^٣): ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ قَالَ: الجَنَّةُ ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ قَالَ: على
_________________
(١) في (ط): "وجواب".
(٢) لا أظنُ أنَّ الإمامَ أحمد ﵀ يخرجُ عن السُّنَّةِ، وجاء في كثيرٍ من كتبِ السُّنَّةِ وفضائل القرآن (بَابٌ في كَمْ يُقْرأ القُرآن) أحاديثُ كثيرةٌ من طرقِ مختلفةٍ عن النَّبي ﷺ أنَّ القُرآن لا يُقرأ بأَقَلَّ من ثلاثٍ، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قد سأل النَّبيَّ ﷺ: في كم أختِمُ القُرآنَ؟ قال له النَّبيُّ ﷺ: في أربعين، فمازال النَّبِيِّ ﷺ يَتَدَرَّجُ معه حتى أوصلَهُ إلى سَبعٍ. وفي روايةٍ: إلى خَمْسٍ. وروى عبدُ الله بن عَمْرٍو عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "لَمْ يَفْقَه القُرآن مَنْ قرأ القُرآن في أقلّ من ثلاثٍ".
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٥.
[ ١ / ٢٠ ]
الفَقْرِ في الدُّنْيَا. وبإِسْنَادِهِ عَن أَبي بَرْزةَ الأسْلَمِيِّ (^١) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ: "إنَّ فُقَرَاءَ المُسْلِمينَ لَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغنِيَائِهِم بمقدارِ أربعينَ خَرِيْفًا، [حَتَّى] (^٢) يَتَمَنَّى أَغْنِيَاءُ المُسْلمينَ يومَ القِيَامَةِ أَنَّهم كانُوا في الدُّنْيَا فُقَرَاءَ". وبإِسْنَادِهِ عَن أَبي سَعِيدٍ (^٣)، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُولُ (^٤): "اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيْرًا، ولا تَوَفَّنِيْ (^٥) غَنِيًّا" وبِإِسْنَادِهِ عَن عليٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (^٦): "الفَقْرُ عَلى المُؤْمنُ أَزْيَنُ مِنَ العِذَارِ عَلَى خَدِّ الفَرَسِ"، وأَخْبَرَنَا بِهذَّ الحَدِيثِ جَدِّي جَابرٌ (^٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهرٍ المُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا
_________________
(١) أبو بَرْزَةَ الأسْلمِيُّ، اسمُهُ نَضْلَةُ بنُ عُبَيْدٍ، توفي بخُراسان بعد سنة (٦٤ هـ). يُراجع: طبقات ابن سعد (٤/ ٢٩٨)، (٧/ ٩، ٣٦٦)، والاستيعاب (٤/ ١٤٩٥). والحديثُ مخرجٌ في هامش "المنهج الأحمد" (١/ ٧٦).
(٢) في (ط).
(٣) في (ط) و"المنهج الأحمد": "الخُدْريّ" وهي ساقطةٌ من النُّسخ الخَطِّية و"المَقْصد الأرشد".
(٤) أخرجه الطَّبْرانِيُّ في "الأوسط"، وأبو الشيخ في "الثَّواب" عن أبي سَعِيْدٍ. كَنْزِ العُمَّالِ (٦/ ٤٨٩) رقم (١٦٧٠).
(٥) (ط): "تَتَوَفَّنِي".
(٦) الحديثُ بلفظٍ مختلفٍ وبسندٍ ضَعِيْفٍ في: فَيْضِ القَدير (٤/ ٤١٤)، والزُّهد لابن المبارك (١٩٩) رقم (٥٦٨). ويُراجع: كنز العَمَّال (٦/ ٤٧٠) رقم (١٦٩٤)، وفي النِّهاية لابن الأثير (٣/ ١٩٨) بلفظِ: "لَلْفَقْرُ أَزْيَنُ للمُؤْمنِ من عِذَارٍ حَسَنٍ على خدِّ الفَرَسِ" قال: العِذَارَانِ من الفَرَسِ كالعارضين من وجه الإنسان، ثم سُمَّي السَّيْرُ الَّذي يكون عليه من اللِّجامِ عِذَارًا باسم موضعه".
(٧) جابر بن ياسين العُكبَرِيُّ، جدُّه لأمِّه خرَّجْتُ ترجمته في "المقصد الأرشد" (١/ ٢٩٤)، وسيأتي في "ذيل الطبقات" لابن رَجَبٍ مخرَّجًا أيضًا - إن شاء الله -. وتُراجع (المُقدِّمة).
[ ١ / ٢١ ]
مُحَمَّدُ بنُ العَباسِ بن الفَضْلِ المَرْوَزِيُّ أَبو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسحاق بن بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَريك، عَن أَبي إِسحَق السَّبِيْعِيِّ، عن الحارثِ (^١) عن عَليٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "الفَقْرُ عَلى المُؤْمنُ أَزينُ من العِذَارِ عَلى خَدِّ الفَرَسِ" وبِإِسْنَادِهِ عَن بِلَالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "الْقَ الله فَقِيْرًا، وَلَا تَلْقَهُ غَنِيًّا" قَالَ: فقُلتُ: كيفَ لي بذلكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "إِذَا رُزِقْتَ فلَا تَخْبَأ، وإذَا سُئِلْتَ فَلَا تَمْنعَ" قَالَ: قلتُ: وكيفَ لي بذلكَ، يا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "هُوَ ذَاكَ، وإلَّا فالنَّارُ" (^٢).
وأمَّا الخَصْلَةُ السَّادِسَةُ، وهي قَوْلُهُ: "إِمامٌ في الزُّهْدِ" فحالُهُ في ذلك أظهرُ وَأَشْهَرُ، أَتَتْهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، والرِّيَاسَةُ فَنَفَاهَا، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الأمْوالُ،
_________________
(١) الحارثُ هذا هو المَعْرُوف بـ"الأعور" صاحبُ عليٍّ ﵁، وهو الحارث بن عبد الله الهَمْدَانيُّ الخَارِفيُّ، أبو زُهَيْرٍ الكُوفي، ويُقالُ في نَسَبِهِ الحُوْتِيُّ بَطْنٌ من هَمْدَان، ويقال أيضًا: إِنَّه ليس بهَمْدَانِيٍّ، وإِنَّما هو من الأبناء (أبناء فارس باليَمَنِ) وهو كذَّابٌ عندَ كثيرٍ من المُحَدِّثين، منهم الإمامُ مُسلمٌ ﵀. قال إبراهيم بن يعقوب الجَوزْجَاني: "سألتُ علي بن المديني عن عاصمٍ والحارث؟ فقال: يا أبا إسحاق مثلُك يَسألُ عن ذا؟! الحارثُ كذابٌ". وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: "سمعتُ أبي يقولُ: الحارثُ الأعْوَرُ كذَّابٌ" وضَعَّفَهُ يحيى بن مَعين. وقال أبُو زُرْعَةَ: "لا يُحتجُّ بحديثه". وقال النَّسائي: "ليس بالقويِّ"، وقال في موضعٍ آخر: "ليس به بأسٌ". وتوفي الحارث سنة ٦٥ هـ. أخبارُه في: طبقات ابن سعد (٦/ ١٦٨)، وطبقات خليفة (١٤٩)، والمحبَّر (٣٠٣)، والجرح والتَّعديل (٣/ ٧٨)، والأنساب (٥/ ٩)، وتهذيب الكَمَال (٥/ ٢٤٤)، وتهذيب التَّهذيب (٢/ ١٤٥)، والشَّذَارت (١/ ٧٣).
(٢) في (ط): "فهو في النَّارِ". والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٣٢٣) ورواه الحاكم (٤/ ٦١٦).
[ ١ / ٢٢ ]
وفُوِّضَتْ (^١) إِلَيْهِ الأحْوَالُ، وهُوَ يَردُّ ذلكَ بتَعَفُّفٍ وتَعَلُّلٍ وتَقَلُّلٍ، ويقولُ: قَلِيْلُ الدُّنْيَا يجزئُ، وكَثِيْرُها لا يُجْزِئُ. ويقولُ: أَنَا أفرحُ إِذَا لَم يَكُنْ عِنْدِي شَيءٌ. ويقولُ: إِنَّمَا هُو طَعَامٌ دونَ طَعَامٍ، ولِبَاسٌ دونَ لِبَاسٍ، وأَيَّامٌ قلائِلُ
وقال إِسْحاق بنُ هَانِئٍ: بكَّرتُ يومًا لأعُارضَ أَحمد بالزُّهْدِ (^٢)، فَبَسَطْتُ لَهُ حَصِيْرًا ومِخَدَّةً، فَنَظَرَ إِلى الحَصِيْرِ والمِخَدَّةِ، فقالَ: مَا هذَا؟ قُلتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيْه، فَقَالَ: ارْفَعْهُ، الزُّهْدُ لا يَحْسُنُ إِلَّا بالزُّهْدِ، فرفعتُهُ، وجَلَسَ على التُّرابِ.
وقَالَ أَبُو عُمَيْرٍ عِيْسَى بنُ مَحمَّد بن عِيْسَى (^٣) - وَذُكِرَ عِنْدَهُ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ - فَقَالَ: ﵀، عَنِ الدُّنْيَا مَا كَانَ أَصْبَرَهُ، وبالمَاضِيْنَ مَا كَانَ أَشْبَهَهُ وبالصَّالِحِيْنَ مَا كَانَ أَلْحَقَهُ، عُرِضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، والبِدَعُ فَنَفَاهَا (^٤).
وأَمَّا الخَصْلَةُ السَّابِعَةُ، وَهِيَ قَولُهُ: "إِمَامٌ فِي الوَرَعِ" فصَدَقَ في قولهِ
_________________
(١) في (ط): "فرضت عليه … ".
(٢) المُعارَضَةُ مقابلةُ الكتابِ بأصَلِهِ، والمقصود هنا: أن يقرأ عليه كتابه "الزُّهد" وهو من مؤلَّفاته الإمام أحمد مشهورٌ. وتعبير الإمام أحمد هذا هو ما يُعرف عند علماء البلاغة بالجناس التَّام كقوله تعالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥].
(٣) هو عيسى بن محمد بن إسحاق، ويقالُ: عيسى بن محمد بن عيسى أبو عمير النَّحاس الرَّملي الفلسطيني (ت ٢٧٦ هـ) محدِّثٌ ثقةٌ. أخباره في: تاريخ أبي زُرعة الدِّمشقي (٥٨)، والجرح والتعديل (٦/ ٢٨٦)، والإكمال (٧/ ٣٧٣)، وتهذيب الكمال (٢٣/ ٢٣)، وسير أعلام النُّبلاءِ (١٢/ ٥٢)، وتهذيب التَّهذيب (٨/ ٢٢٨). استدركته على المؤلّف في موضعه.
(٤) زاد العُلَيْمِيُّ في المنهج الأحمد (١/ ٧٧): "وخَصَّهُ الله تَعَالَى بنُصرةِ دينه والقيام بحفظِ سُنَّتِهِ، ورَضِيَهُ لإقامة حُجَّتِهِ، ونَصَرِ كَلَامِهِ حين عَجَزَ عَنْهُ النَّاسُ".
[ ١ / ٢٣ ]
وبَرَعَ، فمن بعضِ وَرَعِهِ؛ قال أَبو عَبْدِ الله السِّمْسَارُ (^١): كَانَتْ لأمِّ عبدِ الله بن أَحمد دارٌ مَعَنَا في الدَّرْبِ (^٢)، يأخذُ منها أَحْمَدُ دِرْهَمًا؛ بحقِّ ميراثِهِ، فاحتَاجَت إلى نَفَقَةٍ لتُصلِحَهَا، فأَصْلَحَهَا (^٣) ابنُهُ عبدُ الله، فتَرَكَ أَبو عبدِ الله أحمدُ الدِّرْهَمَ الَّذي كَانَ يأْخُذُهُ، وقال: قَدْ أَفْسَدَهُ عليَّ، قلتُ: إِنَّمَا تَوَرَّعَ من أَخذِ حَقِّهِ من الأُجْرَةِ؛ خَشْيَةَ أَن يَكُونَ ابنُهُ أَنْفَقَ عَلى الدَّارِ مِمَّا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ الخَلِيْفَةِ، ونَهَى وَلَدَيْهِ وعَمَّهُ عن أَخْذِ العَطَاءِ مِن مَالِ الخَلِيْفَةِ، فاعْتَذَرُوا بالحَاجَةِ، فهَجَرَهُم شَهْرًا لأخْذِ العَطَاءِ. ووُصِفَ لَهُ دِهْنُ الَّلوْزِ في مَرَضِهِ، قال حَنْبَلٌ: فَلَمَّا جِئْنَاهُ بِهِ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قُلْنَا: دُهْنُ اللَّوْزِ، فَأَبَى أَنْ يَذُوْقَهُ، وقال: الشِّيْرَجُ (^٤)، فلَمَّا ثَقُلَ واشتَدَّتْ عِلَّتُهُ جِئْنَاهُ بدُهْنِ الَّلوْزِ، فلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ دُهْنُ الَّلوْزِ كَرِهَهُ وَدَفَعَهُ، فَتَرَكْنَاهُ ولَمْ نَعُدْ لَهُ. ووُصِفَ لَهُ في علَّتِهِ قَرْعَةٌ تُشْوَى ويُؤْخَذُ مَاؤُهَا، فَلَمَّا جاءُوا بالقَرْعَةِ، قال بعضُ مَنْ حَضَرَ: اجعَلُوهَا في تَنُّورِ صَالحٍ، فَإِنَّهُم قَدْ خَبَزُوا، فقالَ بيَدِهِ: لا، وأَبَى أن يُوَجَّهَ بها إلى مَنزلِ صالحٍ، قال حَنْبَلٌ: ومثلُ هذا كَثيرٌ.
قَالَ حَنْبَلٌ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي -يَعْني إِسْحاقَ عَمَّ أَحمدَ- قَالَ: لَمَّا
_________________
(١) لم أعرفه بعدُ؛ لكثرة من يُلَقَّب ويُنسب كذلك. وفي أصحاب أحمد محمد بن علي بن شعيب (ت ٢٩٠ هـ) أبو بكرٍ السِّمسارُ، ذكره المؤلف في موضعه رقم (٤٣٤) ولم ينسبه (السِّمْسَار) وسيرد بعد صفحات يُحدِّث عن أبيه عن أحمد، واستدركنا أباه في موضعه؛ لأنَّه على شرط المُصَنِّف.
(٢) الدروب ببغداد كثيرة فلا تعرَفُ إلَّا بالإضافةِ.
(٣) كذا في (ط) و"المقصد الأرشد" و"المنهج الأحمد" وفي الأصول: "فأصلحه".
(٤) هو دهن السِّمسم.
[ ١ / ٢٤ ]
وصَلْنَا العَسْكَرَ أَنْزَلَنَا السُّلْطَانَ دَارًا لإيْتَاخَ (^١) ولَم يَعْلَم أَبو عبدِ الله، فسَأَلَ بعدَ ذلكَ؛ لِمَنْ هَذِهِ الدَّارُ؟ فقَالُوا: هذه دارٌ لإيْتَاخَ، فَقَالَ: حَوِّلُونِي واكْتَرُوا لِي دَارًا، قَالُوا: هذِه دارٌ أَنْزَلَكَهَا أَميرُ المُؤْمِنِيْنَ، فَقَالَ: لا أَبِيْتُ هَاهُنا، فاكتَرَيْنَا لَهُ دَارًا غَيْرَها، وتَحَوَّلَ عَنْهَا. وكَانَت تَأْتِيْنَا في كلِّ يومٍ مائدةٌ أَمَرَ بها المُتَوَكِّلُ، فيها أَلْوانُ الطَّعَامِ، والفَاكِهَةِ، والثَّلْجُ، وغيرُ ذلك، فَمَا نَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو عَبْدِ الله، ولا ذاقَ مِنْهَا شَيْئًا، وكَانَت نَفَقَةُ المائدِةِ فِي كلِّ يومٍ مَائةً وعِشْرِيْنَ دِرْهَمًا، فَمَا نَظَرَ إِلَيْها أَبُو عبدِ الله، ودَامت العلَّةُ بأبي عبدِ الله، وضَعُفَ ضَعْفًا شَدِيْدًا، وكَانَ يُواصِلُ، فَمَكَثَ ثَمَانيةَ أيَّامٍ مُواصِلًا؛ لَا يأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، فلمَّا كَانَ اليومُ الثَّامنُ كادَ أَن يَطْفَأ (^٢)، فقلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، ابنُ الزُّبيرِ كان يُواصِلُ سبعةَ أيَّامٍ، وهذَا لَكَ اليوم ثَمانيةُ أيَّامٍ، فقال: إنِّي مُطِيْقٌ، قلتُ: بحَقيِّ عليكَ، فقال: إذْ (^٣) حَلَّفْتَنِيْ بحَقِّكَ فإِنِّي أفْعَلُ، فأتَيتُهُ بسَوِيْقٍ فشَرِبَ.
وَأَجْرَى المُتَوَكِّلُ على وَلَدِهِ وأَهْلِهِ أَربعةَ آلافِ درْهمٍ في كلِّ شهرٍ،
_________________
(١) العَسْكَرُ هي (سَامَرَّاء) سُرَّ مَنْ رَأَى. وإِيْتَاخُ المذكورُ هُنا أميرٌ تركيٌّ من أُمَرَاءِ الدَّولة العبَّاسيَّة (ت ٢٣٤ هـ). وكان - كما وَصَفَهُ الحافظُ الذَّهبيُّ - بَطَلًا شُجَاعًا، شَهْمًا، جَرِيْئًا. له أخبارٌ في: "تاريخ الخُلفاء" للعمراني (١٠٦، ١١٤)، ومروج الذَّهب (٢٨١٧)، والوُلاة والقُضاة (١٩٦)، والوَافي بالوَفيَات (٩/ ٤٨١). وتكرر ذكره في تاريخ الطبري (٩/ ٢٩، ٥٦، ٥٧، ٦٧، ٦٩، ٧٢، ٧٥، …)، والكامل في التاريخ (٦/ ٤١٦، ٤٧٩، ٤٨١، ٤٨٧ ..) وغيرها.
(٢) كذا في الأُصُول، والأصلُ أن لا تدخل "أَنْ" في خَبَرِ "كاد" إلَّا نادرًا.
(٣) في (ط): "إن" والسَّويق: مشهورٌ، وهو من دقيقِ الشَّعِيْرِ يُلَتُّ بالماء والسَّمنِ والعَسَلِ ويُشْرَبُ.
[ ١ / ٢٥ ]
فبعثَ إِلَيْهُ أَبُو عبدِ اللهِ: إِنَّهم في كفايةٍ، فبَعَثَ إِلَيْه المُتَوَكِّلُ: إِنَّما هذَا لِوَلدِكَ، مَا لَكَ ولِهَذَا؟ فَقَالَ له أحمدُ: يَا عَمِّ، مَا بَقِيَ من أَعْمَارِنَا؟ كَأنَّك بالأمرِ قَدْ نَزَلَ بِنَا (^١)، فاللهَ اللهَ، فإِنَّ أولادَنَا إِنَّما يُرِيْدُونَ يَتَأكَّلُونَ بِنَا، وإِنَّما هي أَيامٌ قلائلُ، لو كُشِفَ للعَبْدِ عمَّا قد حُجِبَ عَنْه لعَرَفَ ما هو عَليه من خَيرٍ أو شَرٍّ، صَبْرٌ قَلِيْلٌ، وثَوَابٌ طَوِيلٌ، إِنَّما هذه فتنةٌ، فَلَمَّا طَالَت علَّةُ أحمدَ كَان المُتَوَكِّلُ يبعثُ بابن ماسُوْيَهْ (^٢) المُتَطَبِّبُ، فيَصِفُ له الأدْوِيَةَ، فلا يَتَعَالَجُ، فَدَخَلَ ابنُ مَاسُويه على المُتَوَكِّلُ، فقَالَ له المُتَوَكِّلُ: وَيْحَكَ، ابنُ حَنْبَلٍ، مَا نَجَحَ فِيْه الدَّوَاءُ؟! فَقَالَ لَهُ: يا أَميرَ المُومنين، إِنَّ أَحمدَ بنَ حَنْبَل ليستْ بِهِ عِلَّةٌ في بَدَنِهِ، إِنَّمَا هذَا من قِلَّةِ الطَّعَامِ، وكَثرةِ الصِّيَامِ والعِبَادَةِ، فَسَكَتَ المُتَوَكِّلُ.
وَلَمَّا تُوفيَ أَحْمَدُ وَجَّهَ ابنُ طاهرٍ (^٣) الأكفَانَ، فَرُدَّت عَلَيْه، وقال عَمُّ
_________________
(١) ساقط من (ط).
(٢) اسمه يوحنَّا بنُ ماسُوَيْهِ، أَبو زكريَّا، طَبِيْبٌ سِرْيَانيُّ الأصلِ، عَرَبيُّ المَنْشأ، له مؤلفاتٌ في الطِّبِّ مشهورةٌ، خَدَمَ الرِّشيد والمأمونَ، وبقي إلى زمن المتوكل، وتوفي سنة (٢٤٣ هـ). يُراجع: أخبار الحُكماء للقِفطي (٢٤٨)، وطبقَات الأطبَّاءِ (١/ ١٧٥) وغيرهما.
(٣) محمَّد بن عبدِ الله بن طَاهرٍ الخُزَاعِيُّ (ت ٢٥٣ هـ) وَزيرٌ بَغْدَادِيٌّ مَشهورٌ، من بيت الرئاسةِ والوزارةِ. قال الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ: "كان مألفًا لأهلِ العلمِ والأدَبِ". يُراجع: أخبارِ القضاةِ لوكيع (٣/ ٢٧٩)، وطبقات ابن المُعْتَزِّ (٣٩٦)، وبغداد لابن طيفور (١٥)، وتاريخ بغداد (٥/ ٤١٨)، وله ذكرٌ كثير في تاريخ الطبري (٩/ ٢٨٧، ٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٧، ٣٠١، ٣٢٩ …) وغيره.
[ ١ / ٢٦ ]
أَحْمَدَ للرَّسُولِ: قُلْ لهُ: أَحْمَدُ لَمْ يَدَعْ غُلَامِي يُرَوِّحُهُ، يعني خَشْيَةَ أَن أَكُونَ اشتَرَيتُهُ مِن مَالِ السُّلْطَان، فكَيفَ تُكَفِّنُهُ بمالِكَ؟
وقَالَ ابنُ المُنَادي: امتنعَ أحمدُ من التَّحْديثِ قبلَ أَن يموتَ بثمانِ سِنِين، أَو أَقَلَّ، أو أكثرَ، وذلك: أَنَّ المُتَوَكِّلَ وجَّهَ يقرأُ عَليه¬ السَّلامَ، ويَسأَلُهُ أَن يَجْعَلَ المُعْتَزَّ في حِجْرِهِ، ويُعَلِّمَهُ العِلْمَ، فقَالَ للرَّسُولِ: اقرأ عَلَى أَمِيرِ المُومنين السَّلَامَ، وأَعْلِمْهُ أَنَّ عَلَيَّ يَمِيْنًا: أَنِّي لا أُتِمُّ حدِيْثًا حَتَّى أَمُوْتَ، وقَدْ كَان أَعْفَانِي مِمَّا أَكْرَهُ، وهذَا مِمَّا أَكْرَهُ.
وقَال المَرُّوْذِيُّ: سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ: الخَوْفُ قَدْ مَنَعَنِي أكلَ الطَّعامِ والشَّرابِ فَمَا أشتَهِيْهِ.
وكَانَ أحمدُ يَذْرَعُ (^١) دَارَهُ الَّتي يَسكُنُها، ويُخْرِجُ عَنْها الخَرَاجَ الَّذِيْ وَظَّفَهُ عُمَرُ ﵁ على السَّوادِ.
وكَانَ أحمدُ إِذَا نَظَرَ إلى نَصْرَانِيٍّ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، فقيلَ لَهُ فِي ذلِكَ؟ فَقَالَ: لا أَقْدِرُ أَنْظُرُ إِلَى مَنْ افْتَرَى علَى اللهِ وكَذَبَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ عَمُّ أَحْمَدَ: دَخَلْتُ على أَحْمَدَ ويَدُهُ تَحْتَ خَدِّهِ، فقلتُ لَهُ: يا ابنَ أَخِي: أَيُّ شَيءٍ هذَا الحُزْنُ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وقَالَ: طُوْبَى لِمَنْ أَخْمَلَ اللهُ ذِكْرَهُ.
وقَالَ إِسْمَاعيلُ بنُ حَرْبٍ: أُحْصِيَ ما رَدَّ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حين جِيْءَ به إلى العَسْكَرِ فَإِذَا هو سَبْعُونَ ألفًا.
_________________
(١) في (ط): "يزرع".
[ ١ / ٢٧ ]
وَقَالَ صَالحُ بنُ أَحْمدَ: كان أَبي لا يَدَعُ أحدًا يَسْتَقِي لَهُ الماءَ لِوُضُوْئِهِ وَأَمَّا الخَصْلَةُ الثَّامِنَةُ، وهي قولُهُ: "إِمامٌ في السُّنَّةِ" فَلَا يَخْتَلِفُ العُلَمَاءُ الأوَائِلُ والأوَاخِرُ أَنَّه في السُّنَّةِ الإمامُ الفاخرُ، والبَحْرُ الزَّاخِرُ، أُوذيَ في اللهِ ﷿ فَصَبَرَ، ولكِتَابِهِ نَصَرَ، ولسُنَّةِ رَسُوْلِ الله ﷺ انْتَصَرَ، أَفْصَحَ الله فيها لِسَانَهُ، وأَوضَحَ بَيَانَهُ، وأَرجَحَ مِيزَانَهُ، لا رَهَبَ مَا حُذِّرَ، ولا جَبُنَ حين أُنْذِرَ، أَبانَ حَقًّا، وقال صِدْقًا، وزَانَ نُطْقًا وسَبْقًا، ظَهَرَ على العُلَمَاءِ، وقَهَرَ العُظَمَاءَ، ففي الصَّادِقِيْنَ مَا أَوْجَهَهُ، وبالسَّابِقِيْنَ مَا أَشْبَهَهُ، وَعَنِ الدُّنْيَا وأَسْبَابِهَا مَا كَانَ أَنْزَهَهُ، جَزَاهُ الله خَيْرًا عَنِ الإسْلَامِ والمُسْلمين، فهو للسُّنَّةِ كَمَا قَال اللهُ في كِتَابِهِ المُبينِ (^١): ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾. قالَ عليُّ بنُ المَدِيْنِيُّ: أَيَّدَ اللهُ هذَا الدِّينِ برَجُلَيْنِ لا ثَالِثَ لَهُمَا؛ أَبُو بَكْرٍ الصِّديقُ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وأَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ المِحْنَةِ.
وقِيْلَ لِبِشْرِ بنِ الحَارِثِ (^٢)، يومَ ضُرِبَ أَحْمَدُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ أَن
_________________
(١) سورةُ الصَّفِّ.
(٢) هو بِشْرُ بنُ الحَارِثِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَطَاءِ بن هِلَالٍ المَروَزِيُّ، أبو نَصْرٍ الزَّاهِدُ، المعروف بـ"الحافِي" وهو لَقَبُهُ، نزيلُ بَغْدَاد (ت ٢٢٧ هـ). قال الخطيبُ البَغْدَادِيُّ: "سَكَنَ بَغْدَادَ، وكانَ مِمَّن فَاقَ أهلَ عَصْرِهِ في الوَرَعِ والزُّهْدِ، وتفرَّدَ بوفورِ العَقْلِ، وأَنْوَاعِ الفَضْلِ، وحُسْنِ الطَّرِيْقَةِ واستقامةِ المَذْهَبِ، وعُزُوفِ النَّفسِ، وإسْقَاطِ الفُضُولِ، وكان كَثيرَ الحديثِ إِلَّا إِنَّه لم يَنْصِبْ نفسَهُ للرِّوايةِ، وكان يكرهها، ودَفَنَ كُتبُهُ لأجلِ ذلك، وكلُّ ما سُمِعَ منه إِنَّما هو عن طَرِيْقِ المُذَاكرةِ. أخباره في: طبقات ابن سَعْدٍ (٧/ ٣٤٢)، والجَرح والتَّعديلِ (١/ ٣٥٦)، وحلْيَة الأولياءِ (٨/ ٣٣٦)، وتاريخ بغداد (٦/ ٧٦)، … وغيرها. واحتفى=
[ ١ / ٢٨ ]
تَتكلَّمَ، فَقَالَ: تُرِيْدُونَ مِنِّي مَقَامَ الأنْبيَاءِ؟ لَيسَ هذَا عِنْدِي، حَفِظَ الله أحمدَ بنَ حَنْبَل مِنْ بينِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَالَ -بعدَ ما ضُرِبَ أَحْمَدُ-: لَقَدْ أُدْخِلَ الكِيْرَ فَخَرَجَ ذَهْبَةً حَمْرَاءَ.
وقَالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمان: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَبْغَضَ أَحْمدَ بنَ حَنْبَلٍ فهو كافرٌ، فقلتُ: تُطلِقُ عليه اسمَ الكُفْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، مَنْ أَبْغَضَ أحمدَ بنَ حنبلٍ عانَدَ السُّنَّةِ، ومَنْ عَانَدَ السُّنَّة قَصَدَ الصَّحَابَةَ، ومَنْ قَصَدَ الصَّحَابَةَ أبغضَ النَّبِيَّ، ومَنْ أبغضَ النَّبِيَّ ﷺ (^١) وَسَلَّمَ كَفَرَ باللهِ العَظِيْمِ.
وَقَالَ أَحْمدُ بنُ إِسْحَاقَ بن رَاهُويه (^٢): سمعتُ أبي يقولُ: لولَا أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وبَذْلُ نَفْسِهِ لِمَا بَذَلَهَا لَذَهَبَ الإسْلَامُ.
وقَالَ عبدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ: أَبُو عبدِ الله أحمدُ بنُ حَنْبَلَ إِمَامُنَا، وهو مِنَ الرَّاسِخْينَ في العِلْمِ، إِذَا وقَفْتُ غدًا بينَ يَدَي الله تَعَالَى فَسَألَنِيْ: بِمَنْ اقتَدَيْتَ؟ أقولُ: بأحمدَ، وأيُّ شيءٍ ذَهَبَ عَلَى أبي عبدِ الله من أَمرِ الإسْلَامِ؟ وقد بُليَ عشرينَ سنةً في هَذا الأمرِ.
وأَنبأَنَا محمَّدُ بنُ الآبَنُوسِيِّ (^٣) عن الدَّارقُطنِيِّ، قال: أَخْبَرَنَا محمَّدُ
_________________
(١) = بذكره أهلُ التَّصَوُّفِ وذكروه في طبقاتهم وإِنَّما هو من الزُّهَادِ العبَّاد وأهلِ الوَرَعَ رحمه الله تعالى.
(٢) ساقط من (ب) ملحقه على الهامش في (جـ).
(٣) أحمد بن إسحاق هذا لم أعثرُ عليه، وكان جَديرًا أن يذكرَ هُنا؛ لأنَّ المؤلِّف ﵀ وعَفَا عَنْه - ذكر أباهُ وأخاه محمَّد بن إسحاق؟! وجاء في "مختصر الطبقات" للنَّابُلسي: "محمد بن إسحاق" لكنَّ النُّسخَ مُتَّفقةٌ هنا على "أحمد" والله أعلم.
(٤) في (ط): "الأبنوسي" حيثما ورد، والصَّحيحُ أَنَّه "الآبنُوْسِيُّ" بالألف الممدودةِ ونكتفي بهذه =
[ ١ / ٢٩ ]
ابنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ العبَّاسَ الدُّرْوِيَّ يَقولُ: سمعتُ يَحْيَى بن معينٍ يقولُ: أَرَادَ النَّاسُ مِنَّا أَنْ نَكونَ مِثلَ أَحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، لا واللهِ، لا نَقْدِرُ على أَحمدَ، ولا على طريقِ أحمدَ.
وحَدَّثنا الوالدُ السَّعِيْدُ - إِمْلاءً بجَامعِ المَنْصُوْرِ - عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحْمَن، أَنَّ عبدَ الله بن إِسْحَاقَ المَدَائنِيَّ حَدَّثَهُ، قَالَ: حدَّثَنَا أَبُوالفَضْلِ الوَرَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنِيْ أَحْمدُ بنُ هَانِئٍ، عَن صَدَقَةَ المَقَابِريِّ (^١) قَالَ: كَانَ في نَفْسِيْ على أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُ في النَّوْمِ كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَمْشي في طَرِيْقٍ، وهو آخذٌ بيدِ أَحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وهُمَا يَمْشِيَانِ على
_________________
(١) = الإشارة عن المواضع اللّاَحقةِ وهي كثيرة. قال الحافظُ السَّمعانِيُّ في الأنساب (١/ ٩٣): " (الآبْنُوْسِيُّ) بمدُّ الألف وفتحِ الباءِ المُوَحَّدةِ أو سُكُونها، وضمّ النُّون، وفي آخرِهَا السِّينُ المُهملةُ بعد الواوِ، هذه النِّسبةُ إلى (آبَْنُوسٍ) وهو نَوعٌ من الخَشَبِ البَحريِّ يعملُ منه أشياء، وانتَسَبَ جماعةٌ إلى تجارتها أو نجارتها منهم: أبو الحسين محمد بن أحمد بن الحُسين بن عليٍّ (ابن الآبنوسِيّ) الصَّيرفي من أهل بغداد .. ". أقول: هو المذكور هُنا، قال: "سمع منه أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب الحافظ وذكره في "التَّاريخ" فقال: كتبتُ عنه وكان سَمَاعُهُ صَحيحًا وكانت ولادته في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. ومات في شوال سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ودفن في مقبرة بابِ حربٍ، وأخوه أبو الحسن عليِّ بن أحمد … " يراجع: تاريخ بغداد (١/ ٣٥٦).
(٢) صَدَقَةُ المَقَابِرِيُّ هذا لم يَرِدْ له ذكرٌ في "الطبقات" ولا في غيره من المصادر، وكان حقُّه أن يذكر في أصحاب أحمد، تمشيًّا مع مَنْهَجِ المؤلِّف. ذكره الحافظُ الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٩/ ٣٣٢) قال: "صدَقَةُ بنُ إبراهيم المَقَابريُّ، أحدُ من يذكر بالصَّلاح، والزُّهدِ، والعلمِ، والفَضْلِ، وكان بينه وبين معروفٍ الكرخِيِّ مودَّةٌ وإخاءٌ … " ولم يذكر وفاتَهُ، فلعلَّه هو.
[ ١ / ٣٠ ]
تُؤَدَةٍ ورِفْقٍ، وَأَنَا خَلْفُهُمَا أُجْهِدُ نَفْسِي في أَنْ ألحَقَ بِهِمَا فما أَقْدِرُ، فَلَمَّا استَيْقَظْتُ ذَهَبَ مَا كَان في نَفْسِي، ثم رأيتُ بعدُ كأَنِّي في المَوْسِمِ، وكأَنَّ النَّاسَ مُجْتَمِعُونَ، فَنَادَى مُنَادٍ: الصَّلَاةُ جَامِعَة، فاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَنَادَى يَؤُمُّكُمْ أَحْمَدَ بنُ حَنْبَلٍ، فَإِذَا أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، فَصَلَّى بالنَّاسِ، وكنتُ بعدُ إِذَا سُئِلْتُ عن شَيْءٍ؟ قُلْتُ: عَلَيْكُم بالإمَامِ، يعْنِيْ أَحمدَ بنَ حَنْبَلٍ.
فَهَذ الثَّمَانِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ، ويُقْرَنُ بِهَا أيضًا ثَمَانُ خِصَالٍ انفرَدَ بِهَا.
إحدَاها: الإجماعُ على أُصُولهِ الَّتي اعتَقَدَهَا، والأخذُ بصحَّةِ الأخْبارِ الَّتي اعَتَمَدَهَا، حَتَّى مَنْ زَاغَ عن هذَا الأصْلِ كَفَّرُوهُ وحَذَّرُوا منه وهَجَرُوه، فانتَهَتْ إِلَيْه فيها الحُجَّةُ، ووقفتْ دُونَهُ المَحَجَّةُ، وإِنْ كَانَتْ كَذلكَ مَذَاهِبُ المتقدِّمين من أَهلِ السُّنَّةِ والدِّينِ، فصَار (^١) إِمَامًا مُتَّبَعًا، وعَلَمًا مُلْتَمِعًا، ومَا أَشبَهَهُ بالقِرَاءَاتِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ، ثم انتَهَتْ إِلى القُرَّاءِ السَّبْعَة خَيْرُ الخَلَفِ.
الثَّانِيَةُ: اتفاقُ الألْسُنِ عليه بالصَّلاحِ، وإِلَيْه يُشَارُ بالتَّوفيقِ والفَلَاحِ، فَإِذَا ذُكِرَ بحَضْرَةِ الكَافَّةِ (^٢) من العُلَمَاءِ على اختلافِ مَذَاهِبِهِمْ في مَجَالِسِهِمْ
_________________
(١) في (ب): "فصارها".
(٢) هكذا جاء في النُّسخ الخطيَّة، وفي المطبوعة أيضًا، وكذا جاء في مختصر الطَّبقات للنَّابُلُسِيِّ (٨)، والمنهج الأحمد (١/ ٨١١)، "الكافة" ولفظة "كافَةً" لا يَصِحُّ أن تدخلها الألف واللّاَم ولا تكون إلَّا منصوبةً على الحالِ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال تَعَالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ التوبة: =
[ ١ / ٣١ ]
أو مَدَارِسِهِمْ قَالُوا: أحمدُ رَجُلٌ من أَهْلِ الحَدِيْثِ صَالحٌ، لَعَمْرِي إِنَّهما خُلتان جَليلتَانِ، سأَل الصَّلَاحَ الأنبياءُ، والتَمَسَهُ الأصْفِيْاءُ، قَالَ الله تَعَالَى (^١) - في قِصَّة إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ وفي قصَّةِ سُلَيْمَان [﵇] (^٢): ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ (^٣).
الثَّالِثَةُ: أَنَّه ما أحبَّه أَحَدٌ -إِمِّا مُحِبٌّ صَادِقٌ، وإِمَّا عَدُوٌّ مُنَافِقٌ- إِلَّا وانتَفَتْ عَنْهُ الظُّنُونَ، وأَضيفتْ إِليه السُّنَنُ، ولا انزَوَى عَنْه رَفْضًا، وأظَهرَ له عِنَادًا وبُغْضًا، إِلَّا واتَفَقَتِ الألْسُنُ على ضَلَالَتِهِ، وسُفِّهَ في عَقْلِهِ وجَهَالَتِهِ، وقد قَدَّمنا قوَلَ الشَّافِعِيِّ مَنْ أَبْغَضَ أَحمدَ بنَ حَنْبَل فقد كَفَرَ. وقال قُتَيْبَةُ بنُ سَعْيدٍ (^٤): أَحمدُ بنُ حَنْبَل إِمامُنَا، مَنْ لم يَرْضَ بِهِ فهو مُبْتَدِعٌ.
الرَّابعةُ: ما ألقَى الله ﷿ له في قُلُوبِ الخَلْقِ من هَيْبَةِ أَصْحَابِهِ ومحبِّيه، وأهلُ مَذْهَبِهِ ومُخَالِصِيْه، فلهُمُ التَّعظِيْمُ والإكْبَارُ، والمعروفُ والإنكَارُ، والمَصَالحُ والإِعْمَارُ، والمَقَالُ والفِعَالُ، بَسْطتُهُم ساميةٌ، وسَطْوَتُهُم عَاليةٌ، فالمُوافِقُ التَّقِيُّ يُكرِمُهُم دِيَانة ورِيَاسةً، والمنافقُ الشَّقِيُّ
_________________
(١) = ١٢٢]، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، ولا أَعلَمُ أَنَّها ورَدَتْ في كلامِ العَربِ إِلَّا كذلك، فلا تدخلها الألف واللام ولا تضاف.
(٢) سورة الشُعراء.
(٣) ساقط من الأصُول و"مختصر النَّابُلُسي" وهي في "المنهج الأحمد".
(٤) سورة النَّمل.
(٥) هو أبو رَجَاءِ البَغْلَانِيُّ، ذكره المؤلِّف في موضعه رقم (٣٦٢).
[ ١ / ٣٢ ]
يُعَظِّمهُمُ رِعايةً وسِيَاسةً، وَلَمَّا ذُكِرَ لأميرِ المؤْمنين جَعفِر المُتَوَكِّلِ على الله ﵀ بعدَ مَوْتِ إمامِنَا أحمد - غَفَرَ اللهُ لنَا ولَهُ - أَنَّ أصحابَ إمامِنَا يَأْتُوْنَ على أهْلِ البِدَعِ حتَّى يكونَ بَيْنَهُمَا الشَرُّ. فقال لصَاحبِ الخَبَرِ: لا تَرْفَعْ إليَّ من خَبَرِهِمْ شَيْئا، وشُدَّ على أَيْدِيْهِمْ؛ فإِنَّهم وَصَاحِبَهم مِنْ سَادَاتِ أُمَّة مُحَمَّدٍ ﷺ. وقد عَرَفَ اللهُ تَعَالَى لأحمدَ صَبْرَهُ وبَلَاءَهُ، ورَفَعَ عَلَمَهُ أَيَّامَ حَياتِهِ، وبعدَ مَوتهِ، أَصحابُهُ أَجَلُّ الأصْحَابِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُعَطِيْ أحمدَ ثَوابَ الصِّدَيْقِيْنَ.
الخَامِسَةُ: ما أَحَدٌ من الطَّعْنِ سَلِيْمٌ، ومنَ الوَهْنِ مُسْتَقِيْمٌ، لا يُضِافُ إِليه ما يُضَافُ إلى مُخَالفٍ ومُجَانِفٍ مَنْ وُسِمَ ببدعَةٍ، أَو رُسِمَ بشُنْعَةٍ، أو تَحريفِ مَقَالٍ، أو تَقْبِيْحِ فِعَالٍ.
السَّادِسَةُ: اتفاقُ القَوْلِ الأخيرِ والقَديمِ أنَّ له الاحتياطَ في التَّحليلِ والتَّحريمِ، يَعْتَمِدُ في فقهِهِ على العَزَائمِ، كَمَا لم تَأْخُذْهُ في أُصولهِ المُقَرِّبَةِ إلى اللهِ ﷿ لَوْمَةُ لائِمٍ، يَعْتَمِدُ على كتابٍ ناطقٍ، أَوْ خَبَرٍ مُوَافِقٍ، أو قولِ صَحَابِيٍّ جَلِيلٍ صَادِقٍ، ويقدِّمُ ذَلكَ على الرَّأيِ والقِيَاسِ.
السَّابِعَةُ: أَنَّ كلامَ أحمدَ في أَهْلِ البِدَعِ مَسْمُوعٌ، وإِلَيْه فيهم الرُّجوعُ، فَمَن ظَهَرَ في قولِهِ نَكيرَه، ولما يَعتقده تَغييره، فقد ثَبَتَ تكفيرَه، مثل ما قال في اللَّفظيَّةِ، والمُرجِئَةِ، والرَّافِضَةِ، والقَدَرِيَّةِ، والجَهمِيَّةِ، وإِنْ كَانَ قد سَبَقَ النُّطْقُ بِضَلَالِهِمْ، لكنْ لَهُ القَدَمُ العَالِي في شَرْحِ فَسَادِ
[ ١ / ٣٣ ]
مَذَاهِبِهم، وبَيَانِ قَبِيْحِ مَقَالَتِهِم (^١)، والتَّحْذِيرِ من ضَلَالِهِمْ.
الثَّامِنَةُ: مَا أَظْهَرَهُ اللهُ تَعَالَى له في حَيَاتِهِ مِنَ المَرَاتِبِ، ونَشَرَ لَهُ بعدَ مَمَاتِهِ مِنَ المَنَاقِبِ، وَرَفَعَ لَهُ بِذلكَ العَلَمَ بينَ سائرِ الأمَمِ، فتنافسَ حين موتهِ في الصَّلاةِ عليه العُلَمَاءُ والكُبَرَاءُ، والأغْنِيَاءُ والفُقَرَاءُ، والصُّلَحَاءُ والأوْلِيَاءُ؛ لأنَّه تُوفي في شَهر رَبيع الآخر من سنةِ إحْدَى وأربعين ومَائتين، ولَهُ سبعٌ وَسَبْعُوْنَ سنَةٌ. فقَالَ المُتَوكلُ على اللهِ لمُحَمَّدِ بن عبدِ الله بن طاهرٍ: طُوبَى لَكَ، صَلَّيْتَ على أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.
وَرَوَى الأئِمَّةُ الثَّقَاتُ، الحُفَّاظُ الأثْبَاتُ أَنَّ عبدَ الوَهَّابِ الوَرَّاقَ قَالَ: مَا بَلَغَنَا أَنَّه كَانَ للمُسلمينَ جَمْعٌ أكبرُ منهم على جَنَازَةِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، إلَّا جَنَازَة في بني إِسْرَائِيْلَ، وَرَوى أحمدُ بن ثابتٍ الخَطِيْبُ (^٢) وغَيرُهُ بإسنادِهِ قَالَ: قَالَ الوَرْكَانِيُّ -جارُ أحمدَ بن حَنْبَلٍ- (^٣): أَسْلَمَ يومَ مَاتَ أحمدُ بنُ
_________________
(١) في (ط) وأصلها (أ): "مثالبهم".
(٢) في (ط) بعد قوله: "الخطيب" "البغدادي".
(٣) ساقط من (ط) موجودٌ في "مختصر النابُلُسِيِّ" وحكاية الوَرْكَانِيِّ هذه نقلها الخَطيبُ في "تاريخ بغداد" (٤/ ٤٢٣) بسنده قال: "أخبرنا البَرْمَكِيُّ والأزَجِيُّ قالا: أَخبرنا عليُّ بنُ عبد العزيز، حدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بن أبي حاتِمٍ، قالَ: حدَّثَنَا أبو بكرٍ محمَّد بن عَبَّاس المكيُّ، قال: سمعتُ الوَرْكَانِيُّ جارَ أحمدَ قال: أسلمَ يومَ ماتَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ … ". ويُراجع: مقدمة الجرح والتعديل (٣١٢)، وحليةُ الأولياء لأبي نُعَيْمٍ (٩/ ١٨٠). وعقَّب على هذا الحافظُ الذَّهَبِيُّ في "تاريخ الإسلام" (١٤٣) (وفيات ٢٤١) قال: "وفي لفط عن ابن أبي حاتم عشرةُ آلاف. وهي حكايةٌ منكرةٌ، لا أعلمُ رواها أحدٌ إلَّا هذَا الوَرْكَانِيَّ، ولا عنه إلَّا محمد بن العبَّاس، تفرَّدَ بها ابن أبي حاتِمٍ، والعقلُ يحيلُ أن يقعَ مثل =
[ ١ / ٣٤ ]
حَنْبَلٍ عُشْرونَ ألفًا من اليَهودِ والنَّصَارَى والمَجُوْسِ. وقال الوَرْكَانِيُّ - يَوْمَ ماتَ أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ -: وَقَعَ المَأْتَمُ والنَّوْحُ في أربعةِ أصنافٍ من النَّاسِ: المُسلمين، واليهودِ، والنَّصَارَى، والمَجُوْسِ.
وبإسْنَادِهِ عَن أَحْمَدَ بن شَبُّوْيَهْ (^١) قَالَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ يقولُ: لولا الثَّوْرِيُّ لمَاتَ الوَرَعُ. ولولا أحمدُ بن حَنْبَلٍ لأحدَثُوا في الدِّينِ، قلتُ
_________________
(١) = هذا الحادث في بغداد، ولا يرويه جماعةٌ تتوافر هممهم ودواعيهم على نقل ما هو دون ذلك بكثيرٍ، وكيف يقعُ مثل هذا الأمرِ الكبيرِ ولا يذكره المرُّوذِيُّ، ولا صالح بن أحمد، ولا عبد الله ابن أحمد بن حنبل الذي حَكَوا من أخباره جُزئِيّاتٍ كثيرةً لا حاجةَ إلى ذكرها؟! فواللهِ لو أسْلَمَ يومَ مَوْتهِ عَشَرَةُ أَنْفَسِ لكانَ عَظِيمًا، ولكان يَنْبَغِي أَن يَرويه نحوًا من عشرةِ أَنْفُسٍ … قال: ثم انكشفَ لي كَذِبُ الحِكَايَةِ بأَنَّ أَبَا زُرْعَةَ قال: كانَ الوَرْكَاني - يَعني محمَّد بن جعفرٍ - جارَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، وكان يَرْضَاهُ. وقَالَ ابنُ سَعْدٍ، وعبدُ الله بن أحمد، موسى بن هارون: ماتَ الوَرْكَانِيُّ في رمضان سنة ثمان وعشرين ومائتين، فَظَهَرَ بهذَا أَنَّهُ مَاتَ قبل أحمد بدَهْرٍ، وكيفَ يَحكي يومَ جنازة أحمد ﵀؟! ". أقولُ -وعلى الله أعتَمِدُ-: مَا قَاله الذَّهبيُّ ﵀ صَحِيِحٌ حَيْثُ يَسْتَحِيْلُ أن يُسلِمَ هذا العَدَد منهم في بغداد ولا يَنقُلُه الثِّقات، وتكون حادثةً لها صداها في عاصمة الإسلام، وإِذَا أسلمَ هذَا العَدَدُ فكم في بَغداد من تلك الطَّوائف آنذاك؟! والوَرْكَانيُّ مذكورٌ في موضعه من الكتاب ولم يذكر وفاته، وعن المؤلِّف في "مختصر النَّابُلُسي"، و"المقصد الأرشد"، و"المنهج الأحمد"، و"مختصره" (الدُّرِّ المُنَضَّدِ) دونَ ذكر وفاةٍ، وذكر وفاته الحافظ الخطيب في تاريخ بَغداد (٢/ ١١٨) كما ذكر الحافظُ الذهبيُّ، ولم يذكره الذهبيُّ في "تاريخه"؟! وسيأتي تخريج التَّرجمة في موضعها إن شاءَ الله تعالى ولمَّا ثبت أَنَّ وفاةَ الوَرْكاني متقدمةٌ على وفاةِ أحمد ثَبَتَ أيضًا أنَّ الوركاني ﵀ لم يَقُلها قَطْعًا فهي مكذوبة عليه، إلَّا أن يكون وركانيٌّ آخر غير هذَا.
(٢) في (ب): "سبويه" بالسِّين المهملة، وقد ذكره المؤلِّف في موضعه رقم (٣٤).
[ ١ / ٣٥ ]
لقُتَيْبَةَ: تَضُمُّ أَحمدَ بن حَنْبَلٍ إلى أَحَدِ التَّابِعِيْنِ؟ فَقَالَ: إِلى كِبَارِ التَّابِعِيْنَ.
وبإسنادِهِ قالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُوْيَه: سمعتُ يَحيَى بنَ آدَمَ يقولُ: أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ إِمَامُنَا.
وبإِسنادِهِ قال محمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهيْمَ الحَنْظَلِيُّ: سَمِحْتُ أَبي يَقُولُ: أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ حُجَّةٌ بينَ اللهِ وبينَ عَبِيْدِهِ في أَرْضِهِ.
وبإسنادِهِ، قال عليُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ سَيِّدُنَا.
وبإِسنَادِهِ، قَالَ المَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ عليَّ بنَ المَدِيْنِيِّ يقولُ: ما قَامَ أحدٌ بأمرِ الإسلام بعدَ رَسُولِ الله ﷺ ما قَامَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يا أَبَا الحَسَن، ولا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ؟ قال: ولا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ؛ إِنَّ أَبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كان له أعوانٌ وَأَصْحَابٌ، وأَحْمَدُ بنُ حنْبَلٍ لم يَكُنْ لَهُ أعوانٌ ولا أَصْحَابٌ.
وبإسنَادِهِ، عن محمَّدِ بن عليِّ بنِ شُعَيْبٍ (^١) قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يَقُولُ: كانَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ بالَّذي قال النَّبيُّ ﷺ (^٢): "كائنٌ في أمَّتِيْ ما كَانَ في بني إسْرَائِيلِ، حتَّى إنَّ المِنْشَارَ ليُوضَعُ على مَفْرِقِ رأسِهِ، ما يَصْرِفُهُ ذلكَ عن دِيْنِهِ" ولَوْلَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَامَ بهذَا، لكانَ عارًا عَلَيْنَا إلى يومِ القِيَامَةِ، إِنَّ قَوْمًا سُبِكُوا فلم يَخْرُجْ منهم أحدٌ.
_________________
(١) ذكرَهُ المُؤلِّفُ في موضعه أيضًا رقم (٤٣٤)، ولم يذكر أباه، وهو جديرٌ بأن يذكر؟. استدركته في موضعه.
(٢) كذا في الأصول، وفي "المنهج الأحمد": "إنَّه كائنٌ … " وتخريجه في هامش "المنهج".
[ ١ / ٣٦ ]
وأنبأنا المُباركُ بنُ عَبْدِ الجبَّارِ، أَخْبَرَنَا أبُو القَاسمِ الأَزَجِيُّ (^١)
_________________
(١) هو عبد العزيز بن عليّ يُعرف بـ"ابن بكران" وبـ"أبي القاسم الأَزَجِيُّ" وهو بهذه أشهرُ، وهو حَنْبَليٌّ هو وأبوه، وكان أبوهُ عالمًا فاضِلًا، وهُما مما يُسْتَدْرَكُ على المُؤلِّف ﵀ ولم أُوْلِ هذا الكتاب من الاستدراك ما أوليتُهُ لـ"ذَيْل الطبقات" لابن رَجَبِ - رحمهما الله -، وذلك تَسخيرٌ إلهيٌ لا أعلمُ لَهُ سَبَبًا؛ إلَّا أَن تكونَ وفرةُ المعلومات في "ذَيْل الطَّبقات" دفعتني إلى الاستدراك عليه، وشهرةُ المترجمين في "الطبقات" - فأغلبهم من أهل الحديث الَّذين وَجَدُوا عنايةً تامةً في كتب العُلماء على اختلاف مناحي التَّأليف فيها - صرفتني عن الاستدراك عليه إلَّا نادرًا. مع قلة النَّصِّ في الكتب المتقدِّمة - نسبيًا - على مذهبِ المَترجمِ وكثرةِ النَّصِّ عليه في كُتب المتأخرين. و(الأَزَجِيُّ) المذكورُ هُنا ذكره الحافظُ السَّمْعَانِيُّ ﵀ في "الأنساب" (١/ ١٩٧) فقال: "الأَزَجِيُّ" بفتح الألف والزَّاي، وفي آخره جيمٌ هذه النِّسبة إلى باب الأَزَجِ، وهي محلةٌ كبيرةٌ ببَغداد، قيلَ: كان بها أربعةُ آلافِ طاحونة، وكان منها جماعةٌ كثيرةٌ من العلماءِ والزُّهادِ والصَّالحين، وكلُّهم - إلَّا ما شاء الله - على مذهبِ أحمدَ بنِ حنبَلٍ ﵀ وكتبتُ عن جماعةٍ كثيرةٍ منهم. والمَشهورُ بهذه النِّسبة أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل بن شُكر بن بكران الأزَجِيُّ الخَيَّاطُ، من أهلِ بابِ الأزجَ كان ثقةً، صَدُوقًا، مكثرًا، صاحبَ كتابٍ … ". أقولُ: هو صاحبُنَا المَذْكُورُ هُنا وذكر شُيُوخه وتلاميذه ووفاتَه سنة (٤٤٤ هـ). وذكر أنَّ من تلاميذه أبا بكرٍ أحمدَ بنَ علي بن ثابتٍ الخَطِيْبَ البَغْدَادِيَّ صاحب "التَّاريخ". أقول أيضًا: ذكره الخَطِيْبُ في تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٨)، وقال: "كَتَبْنَا عنه، وكان صَدُوقًا … " ولم يَنُصّ على مذهبه، لكنَّه ذكر والده عليَّ بن أحمد بن الفَضْلِ في تاريخه أيضًا (١١/ ٣٢٨)، وقال: "والدُ عبدِ العزيز الأزَجِيِّ، حدَّث عن أحمد بن سَلمانَ النَّجادِ … وقال لي الأَزَجِيُّ [-يعني ولده عبد العزيز-]: كان أصلُ أبي من قرميسين، ورأى إبراهيم بن شيبان، وكان فقيهًا على مذهبِ أحمدَ بنِ حنْبَلٍ" وفي معجم البُلدان (١/ ١٦٨) قال ياقوتٌ الحَمَوِيُّ: "والمَنْسُوب إليها من أهل العلم وغيرهم كثيرٌ جدًّا". =
[ ١ / ٣٧ ]
-قِراءةً- أخبرَنَا أحمدُ بنُ محمَّد بن غَالبٍ، قالَ: قُرِئَ على عُمَر بن بِشْرَانَ: حدَّثَكُمْ الزُّبيرُ بنُ محمدٍ، قال: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبدِ السَّلامِ المَكِّيَّ يقولُ: سمعتُ محمَّدَ بنَ إِسماعيل البُخَارِيَّ يقولُ: سمعتُ أبا الوليدِ الطَّيَالِسِيَّ يقولُ: لو أَنَّ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ ﵁، في بَنِي إِسْرَائيلَ كُتِبَتْ له سِيْرَةٌ (^١).
رَوَى أَبُو عليٍّ الحَدَّادُ (^٢) - قُرِئَ عَليه - أَخْبَرَنَا أَبُو العَبَّاسِ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ يُوسف بن مردة المَسْجدِيُّ -إِجَازةً - حدَّثَنَا عبدُ الوَهَّابِ بنُ جَعْفَرِ بن عليٍّ المَيْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبو بَكرٍ محمَّدُ بنُ عِيْسَى بنِ عبدِ الكَرِيْمِ المَعْرُوْفُ بـ"بُكَيْرٍ" الخَرَّازُ الطَّرَسُوْسِيُّ بدمشق قال: سَمِعْتُ أَبا نَصْرِ
_________________
(١) = فعبدُ العزيز ووالده عليُّ بن أحمد عالمان حنبليان مستدركان على المؤلَف ﵀ وعلى غيره ممَّن ألَّف في طبقات الحنابلة، والله تعالى أعلم. وذكر الخطيبُ البغداديُّ في تاريخه بعدَ ترجمة علي بن أحمد -والد عبد العزيز-: عليَّ بن أحمد بن محمد بن صبيح، أبو الحسن القاضي [قال]: من أهل باب الأَزَجَ فعلى قوله السَّابق يعدُّ حنبليًّا، إلَّا أَنَّه لم ينصَّ على حنبليته، وذكر وفاته سنة (٤١٤ هـ). ولم يذكره الحنابلة في طبقاتهم أيضًا، ولا يلزمهم ذكره؛ لأنَّه لم ينص على مذهبه.
(٢) الذي في "تَهذيب الكمال" (١/ ٤٦٢) عن البُخاري .. "لكان أُحْدُوْثَةً" وينظر في آخر ترجمة الإمام (الهامش) بعض من صَنَّف في سيرة الإمام.
(٣) هو الحَسَنُ بنُ أَحْمَد بن الحَسَن بن أَحْمَد الحَدَّادُ، أَبُو عَلِيٍّ الأصْبَهَانِيُّ المُقْرئُ، المحدِّثُ، الثِّقَةُ (ت ٥١٥ هـ). لَهُ أخبارٌ في: المنتخب من شيوخ السَّمْعَانيّ (١/ ٥٧٨)، والتَّحبير في المعجم الكبير له (١/ ١٧٧)، والمنتظم (٩/ ٢٢٨)، والتَّقييد (١/ ٢٨٤)، ومعرفة القُرَّاء الكبار (١/ ٤٧١)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٩/ ٣٠٣).
[ ١ / ٣٨ ]
المُظَفَّرَ بنَ أَحمدَ بنِ محمَّدٍ الخَياطَ، سَمِعْتُ السَّاجِيَّ - وهو زكَرِيَّا بن يَحْيَى - يقولُ: أحمدُ بن محمَّدٍ (^١) أفضلُ عندي من مالك، والأوزاعِيِّ (^٢) والثَّوريِّ، والشَّافِعِيِّ؛ وذلكَ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ نُظَرَاءَ وأَحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ فلَا نَظيرَ لَهُ
وبإِسْنَادِهِ عَن عبدِ اللهِ بن إِسْحَاقَ المَدَائِنِيِّ (^٣) قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقولُ: رأَيْتُ كأَنَّ النَّاسَ قَدْ جُمِعُوا إِلى مَكَّةَ، وكأَنَّ الحَجَرَ انْصَدَعَ، فَخَرَجَ مِنْهُ لِوَاءٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيْلَ لِي: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل بَايَعَ اللهَ ﷿.
وَبإِسْنَادِهِ قَالَ عبدُ الوَهَّابِ: لَمَّا قَال النَّبيُّ ﷺ: "فَرُدُّوْهُ إِلَى عَالِمِهِ"
_________________
(١) بعدها في (ط): "ابن حنبل". وفي أصله (أ): "ابن محمد" موافقة للنُّسخ الأخرى؟!.
(٢) أمامُ أهل الشَّامِ أبو عَمْرٍو عبدُ الرَّحمن بنُ عَمْرِو بن محمَّدِ بن عمرٍو الأوْزَاعِيُّ (ت ١٥٧ هـ) له مذهبٌ مشهورٌ بالشَّامِ في زمنه، وانتقلَ مذهبُهُ إلى الأندلس على يد صَعْصَعَةَ بنِ سَلَّامٍ وغيره قبلَ دُخُولِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ، لكنَّ مذهبَ مَالكٍ هو الذي ذاعَ وشاعَ فيها دونَ مُنَافسٍ. منسوبٌ إلى (الأوزاع) قريةٌ بالشَّامِ، سَكَنَهَا الأوزاعُ قومٌ من حِمْيَرَ وَدَخَلُوا في هَمْدَانَ فسُمِّيت القريةُ بهم، والأَوْزَاعُ -في الأصل- هُمُ الفِرَقُ والجَمَاعاتُ من النَّاسِ والبُيُوتِ، قال الشَّاعِرُ: أَحْلَلْتُ بَيْتَكَ بالجَمِيعِ وبَعْضُهُمْ … مُتَفَرِّقٌ لِيَحُلَّ بالأوْزَاعِ وفي اللِّسان والتَّاج: (وزع) "والأوزاع بطنٌ من هَمْدَان منهم الأوزاعيُّ" وللحديث صِلَةٌ يَضِيقُ عنها المقامُ. أخبار الأوزاعي في "تاريخ دمشق" (٣٥/ ١٤٧)، و"تهذيب الكمال" (١١/ ٣١١).
(٣) عبدُ الله بن إسحاق المَدَائِنِيُّ هذا له ذكرٌ في ترجمة عبد الله بن الإمام أحمد كما سيأتي، وهو عبدُ الله بن إسحاق بن إبراهيم بن حمَّادِ بن يَعْقُوب، أبو محمَّدٍ الأنماطيُّ (ت ٣١١ هـ) وثَّقه الدَّارقُطني وغيره. ذكره الخَطيبُ في "تاريخ بغداد" (٩/ ٤١٣)، ووالده الذي حكى عنه هذا المنام لم أقف على ترجمته. وحقه أن يذكر هُنا على منهج المؤلِّف.
[ ١ / ٣٩ ]
ردَدْنَاهُ إِلى أَحْمَد بنِ حَنْبَلٍ. وكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ.
وبإِسنَادِهِ قَالَ حَرْمَلَةُ بنُ يَحيى (^١): سمعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: خرجتُ من بَغْدَادَ ومَا خَلَّفْتُ بها أحدًا أَتْقَى ولا أَوْرَعَ ولا أَفْقَهَ - أَظُنُّهُ قال: ولا أَعْلَمَ - من أَحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ.
وبإِسنَادِهِ قَالَ أحمَدُ بنُ إِبْراهيم (^٢) -يَعْنِي الدَّوْرِقيَّ- مَنْ سَمِعْتُمُوْهُ يذكرُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ بسُوْءٍ فاتَّهِمُوْهُ على الإسْلَامِ.
وبإِسنَادِهِ عن سَلَمَةَ بنِ شَبِيْبٍ (^٣) قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عندَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فجاءَهُ رَجُلٌ فدقَّ البابَ، وكُنَّا قدْ دَخَلْنَا عَليه خُفْيَةً، فَظَننَّا أَنَّه قد غُمِزَ بِنَا، فَدَقَّ ثانيةً وثالثةً، فَقَال أحمدُ: اُدْخُلْ. قَالَ: فسلَّمَ، وقال: أَيُّكُمْ أَحمدُ؟ فأَشَارَ بعضُنَا إِليه. قال: جئْتُ من البَحْرِ من مسيرةِ أَرْبَعِمَائَةِ فَرْسَخٍ، أتاني آتٍ في منامي، فقَالَ: ائتِ أحمدَ بنَ حنبلٍ وسَلْ عَنْهُ، فإِنَّكَ تُدَلُّ عليه، وقُل له: إِنَّ اللهَ عَنْكَ رَاضٍ، وملائِكَةَ سَمَواتِهِ وملائِكَةَ أرضِهِ عنكَ راضُونَ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ، فَمَا سأَلَهُ عن حَديثٍ ولا مسأَلَةٍ.
_________________
(١) حَرْمَلَةُ بنُ يَحيَى بن عبد الله بن حَرْمَلَةَ بن عِمْرَان بن قُرادٍ التَّجِيْبِيُّ أبو حَفْصٍ المِصرِيُّ (ت ٢٤٣ هـ) أبوه وجدُّه من العلماء المحدِّثين. قال أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتجُّ به". أخباره في: أخبار القضاة (١/ ١٤٣، ٢/ ٢٠٢)، وطبقات الفقهاء (٨٠)، وسير أعلام النُّبلاء (١١/ ٣٨٩)، وطبقات الشافعية (٢/ ١٢٧)، وتهذيب التَّهذيب (٢/ ٢٢٩).
(٢) مذكور في موضعه من الكتاب رقم (٢).
(٣) مذكور في موضعه من الكتاب رقم (٢٢٥).
[ ١ / ٤٠ ]
وبإِسْنَادِهِ قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحمَّدٍ الكِنْدِيُّ (^١): رأَيْتُ أَحْمَدُ بنَ حَنْبَلٍ في المَنَامِ، فقلتُ: يا أَبا عَبدِ الله، مَا صَنَعَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، ثُمَّ قَال: يا أَحْمَدُ ضُرِبْتَ فِيَّ؟ قالَ: قلتُ: نَعَم، ياربِّ. قالَ: يا أَحْمَدُ، هَذَا وَجْهِي، فانظُر إِلَيْه، فقد أَبَحْتُكَ النَّظَرَ إِلَيْهِ.
وبإِسنادِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَين الأنْمَاطِيُّ (^٢): كُنَّا في مَجْلِسٍ فيه يَحْيى بنُ مَعِيْنٍ، وأَبُو خَيْثَمَةَ زهُيْرُ بنُ حَرْبٍ، وجماعةٌ من كبارِ العُلَمَاءِ، فَجَعلُوا يثنُونَ على أَحمد بنِ حَنْبَلٍ، ويَذْكُرُونَ فضَائِلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لا تُكْثِرُوا بَعْضَ هَذَا القَول؛ فقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: وكثرةُ الثَّنَاءِ على أَحمدَ ابنِ حَنْبَلٍ تُسْتكْثَرُ؟ لو جَلَسْنَا مَجْلِسَنَا بالثَّنَاءِ عَليه ما ذكرنا فَضَائِلَهُ بكَمَالِهَا.
أَخبرَنَا المُبارك، أخْبَرَنَا إِبْراهيمُ وعبدُ العزيز، قالا: أَخْبَرَنَا عليُّ بنُ مَرْدَكٍ (^٣)، حَدَّثنَا عبدُ الرَّحْمن بنُ أبي حَاتِمٍ، قال: سمعتُ عبد الله بن الحُسين بن مُوسَى يقولُ: رَأَيْتُ رجلًا من أهلِ الحَديثِ تُوفي، فرأَيتُهُ فِيمَا يَرَى النَائِمَ، فقلتُ له: باللهِ عَلَيْكَ مَا فَعَلَ الله بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لي، فقلتُ: باللهِ؟ قالَ: باللهِ إِنَّه غَفَرَ لي، فقلتُ: بِمَاذَا غَفَرَ اللهُ لَكَ؟ فقَالَ: بِمَحَبَّتِي لأحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فقلتُ: فَأنتَ في رَاحةٍ؟ فَتَبسَّمَ وقالَ: أَنَّا في راحةٍ وفَرْحَةٍ.
_________________
(١) لم أقف على أخباره، وهو حَرِيُّ بأن يُتَرجم في أصحاب أحمد على منهج المؤلف؟!. وفي أصحاب أحمد (أحمد بن الصبَّاح الكندي) رقم (٣٩) وهو غيره.
(٢) هو أبو العبَّاس محمد بن الحُسين بن عبد الرَّحمن الأنماطي (ت ٢٩٣ هـ) مُحدّثٌ، ثِقَةٌ، من أهلِ بُغداد. أخباره في: تاريخ بغداد (٢/ ٢٢٧)، والأنساب (١/ ٣٧٦).
(٣) في التَّوضيح (٨/ ١١٠): "هو بفَتحِ الميمِ، وسكون الرَّاء، وفتح الدَّال المُهملة، تليها كاف.
[ ١ / ٤١ ]
أَخْبَرَنَا الوالدُ السَّعِيدُ -قراءةً- عن يُوسفَ الزَّاهدِ، حدَّثنَا محمَّدُ بنُ شُجَاعٍ المَرْوَرُّوْذِيُّ، حَدَّثَنَا أَبو بَكْرٍ عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ القُرَشيُّ، حَدَّثنَا يوسفُ ابن بُخْتَان (^١) -وَكَانَ مِن خِيَارِ المُسلمين- قَالَ: لَمَّا مَاتَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ رأى رَجُلٌ في مَنَامِهِ كأَنَّ على كلِّ قبرٍ قَنْدِيلًا. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فقيلَ لَه: أَمَا علمتَ أَنَّه نُوِّرَ لأهْلِ القُبُورِ قُبُوْرَهُم بنزولِ هذَا الرَّجُل بينَ أَظْهُرِهِمْ؟ وَقَدْ كانَ فيهم مَنْ يُعَذَّبُ فَرُحِمَ (^٢).
ولَوْ ذَهَبْنَا نَذْكُرُ فَضَائِلَهُ والمَنَامَاتِ الَّتِي تطابقَتْ بعدَ وَفَاتِهِ لطالَ بِهَا الكِتَابُ، ولم يكنْ قَصْدُنَا ذكرَ الفَضَائِلِ، وإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نذكرَ مَنْ رَوَى عَنْه. ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ في فَضَائِلِهِ فليَنْظُرْ في كِتَابِنَا "المُجَرَّدُ" في فضائِلِهِ (^٣)
_________________
(١) لم أقف على أخباره، وضَبْطُ اسمِهِ من نُسخة (ب). والخبر في "تاريخ بغداد" و"تهذيب الكمال". ولعلَّه ابن ليعقوب المذكور هنا رقم (٥٤١).
(٢) هَذَا الخَبرُ وسابقُهُ من أخْبَارِ المَنَامَاتِ الَّتي تَرِدُ في كثيرٍ من كُتُبِ التَّرَاجم والمَنَاقِب الَّتِي لَا يَصِحُّ أَكْثَرهَا، يُوردها أَصْحَابها لِتَرْقِيْق القُلُوب فَلَا تَلْتَفِت إلى مِثْل ذلِك.
(٣) أَلَفَ في فَضَائِل الإمامِ أحمدَ وَمَنَاقِبِهِ عَدَدٌ من العُلَمَاءِ منهم:
(٤) أبو بكر أحمدُ بن مُحمَّد بن هارون الخَلَّالُ (ت ٣١١ هـ).
(٥) عبدُ الرَّحمنِ بن مُحمَّد بن أبي حَاتِمِ الرَّازِيُّ (ت ٣٢٧ هـ).
(٦) أبو الحُسَيْن أَحْمَدَ بنُ جَعْفَرِ بنِ المُنَادِي (ت ٣٣٦ هـ).
(٧) سُليمانُ بنُ أَحْمَدَ الطَّبرانِيُّ (ت ٣٦٠ هـ).
(٨) الحَافِظُ عُمَرُ بنُ أَحْمَدَ بن شَاهِين (ت ٣٨٥ هـ).
(٩) أَحْمَدُ بنُ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيُّ (ت ٤٥٨ هـ).
(١٠) مُحَمَّدُ بنُ الحُسين القَاضِي أبو يَعْلَى (ت ٤٥٨ هـ) (والد المُصَنِّفِ). =
[ ١ / ٤٢ ]
رحمةُ الله عَلَيْهُ ورِضْوَانُهُ.
فلنذكُرِ الآن يا أَخي -عَمَّرَ اللهُ مَجْلِسَكَ، وأَمتَعَ بِكَ مُجَالِسَكَ- طبقاتَ أَصْحَابِنَا، وتجريدَ ما يَسُرُّ الطالِبَ، ويُمَتِعُ الرَّاغِبَ، وقد جَعَلْنَاهُ سِتَّ طَبَقَاتٍ:
(الطَّبَقَةُ الأُوْلَى): في ذكرِ أَصْحَابِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، ومَنْ رَوَى عَنْهُ حَدِيْثًا أَو مَسْأَلَةً، أَوْ حِكَايَةً. وذكرنَا ما انتَهَى إِلَيْنَا من مَوَالِيْدِهِمْ وَوَفَاتِهِمْ
_________________
(١) = ٨ - أَحْمَدُ بنُ عليِّ بن ثابتٍ الحَافظُ الخَطيبُ البَغدادِيُّ (ت ٤٦٣) هـ. قال في "تاريخ بغداد" (٤/ ٤٢٣) - في آخر ترجمة الإمام أحمد -: "وقد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ مُسْتَقْصَاةً في كِتَابِ أَفْرَدْنَاهُ لَهَا، فلذلك اقتَصَرْنَا في هذا الكِتَابِ على ما أرَدْنَاهُ منها".
(٢) عبدُ الخَالقِ بنُ أَحْمَدَ الشَّريفُ أبو جَعْفَرٍ (ت ٤٧٠ هـ).
(٣) أبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ البَنَّاءِ (ت ٤٧١ هـ).
(٤) شَيْخُ الإسْلَامِ عَبْدُ الله الأنْصَارِيُّ الهَرَوِيُّ (ت ٤٨١ هـ).
(٥) عبدُ الله بنُ يُوْسُفَ الجُرْجَانِيُّ القاضي أبُو مُحَمَّدٍ (ت ٤٨٩ هـ).
(٦) يَحْيَى بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ مَنْدَه (ت ٥١١ هـ).
(٧) وأبو الحُسَيْنِ بنُ أَبي يَعْلى -المُؤلِّفُ-. (ت ٥٢٦ هـ).
(٨) مُحَمَّدُ بنُ نَاصِرٍ السَّلَامِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت ٥٥٠ هـ) شيخُ ابنِ الجَوْزِيِّ.
(٩) الإمامُ أبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزِيُّ (ت ٥٩٧ هـ). (ضمَّنه تَرَاجِمَ أَصْحَابِهِ) وله مُختصران.
(١٠) وأبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ (ت ٩٠٠ هـ) كَمَا كَتَبَ عنه من المُعاصرين الشَّيْخُ مُحَمَّدُ أبُو زَهْرَةَ وغيره. وخَصَّ جَمْعٌ من العُلَمَاءِ شُيُوخَه بالتَّأليفِ، منهم: - وعَبدُ العَزِيْزِ بنُ مَحْمُوْدٍ أبو مُحَمَّدِ بنِ الأخْضَرِ (ت ٦١١ هـ) واسمه (المقصد الأرشد) وغيرهما
[ ١ / ٤٣ ]
ومُصَنَّفَاتِهِمْ، ومَنْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلى بَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِ (^١).
(والطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ): في ذِكْرِ أَصْحَابِ أَصْحَابِهِ، وكَذَلكَ الطَّبقَاتُ التي بعدَهُم على التَّرْتِيْبِ. وجَعَلْنَا الطَّبَقَةَ الأوْلَى والثَّانِيَةَ على حُرُوفِ المُعْجَمِ في أَوائِلِ الأَسْمَاءِ وكذلك أَسْمَاءَ آبائِهِمِ، ليَسْهُلَ على مَنْ أَرادَ أَن يَنْظُرَ في تَرْجَمَةٍ منها وما بَعْدَهَا من الطَّبَقَاتِ على تَقديمِ العُمْرِ والوَفَاةِ (^٢).
ونسأَلُ اللهَ المَعُوْنَةَ والتَّوفيقَ والمَغْفِرَةَ برَحْمَتِهِ، فمِنْ ذَلكَ:
_________________
(١) في (ط): "وغيرها". (فائدة): ممن يغلِبُ على الظَنِّ أن له تأليفًا في مناقب أحمد أو الرُّواة عنه: - أبو بكرٍ النَّجاد. - وأبو بكر التَّمَّار. كذا يفهم من عدة نصوص وردت عنهما عندنا في هذا الكتاب، والله أعلم.
(٢) لم يلتزم بذلك في كثير من التَّرَاجِمِ؟!. تُراجع (المقدمة).
[ ١ / ٤٤ ]