الحَمْدُ لله ربِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى أشْرَفِ الأنْبِيَاء والمُرْسَلِيْن، نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ والتَّابِعِين، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.
أمَّا بَعْدُ: فَلَقَدْ كَانَتْ عِنَايَتِي بِرِجَالِ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ مُمْتَدةً منذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً سَلَفَتْ، وأَنَا أُنَقِّبُ في الكُتُبِ وأرْجِعُ إِلَى السِّجِلَّاتِ وَالمَجَامِيْعِ، وأَبْحَثُ عَنْ أَخْبَارِهم في أَثْبَاتِ العُلَمَاءِ وَمَشْيَخَاتِهِم ومُسَلْسَلَاتِهِم، وأُطَالعُ في المَخْطُوْطَاتِ عَلَى أغْلِفة الكُتُبِ وعُنْوانَاتِهَا، لِمَا تَتَضَمَّنُهُ هَذِهِ من مُطالعةٍ، أو تَمْلِيْكٍ أو قِرَاءةٍ، تُساعِدُ في ضَبْطِ أَسْمَائِهِم وتعُرِّفُ بهم تَعْرِيْفًا قَد يُقَصِّرُ فيه أَصْحَابُ التَّراجمِ، مِمَّا يُساعد على تَحْقِيْقِ المُختَلَفِ فيه مِنْ أَسْمَائِهِم، وألْقَابِهِمْ، وكُنَاهُمْ، وأَنْسَابِهِم، وأَمْضَيْتُ هذِه المُدَّةَ في مُوَاصَلَةِ البَحْثِ- ومازِلْتُ-، سَائِلًا المَوْلَى جَلَّتْ قُدْرَتُهُ المَعُوْنَةَ والتَّوفِيْقَ والتَّسْدِيْدَ.
إذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ من اللهِ للفَتَى … فَأوَّلُ ما يَجْنِي عليه اجتهَادُهُ
ونِعَمُ اللهِ عليَّ لا تُحْصَى، وَفَضْلُهُ عليَّ كَبِيْرٌ، فَلَقَدْ وقفتُ على مَصَادِرَ، وكُتُبٍ، وأَخْبَارٍ، وأَشْعَارٍ، وطرائِفَ، ونوادِرَ، وفوائدَ، ممَّا يَتَعَلَّق بتَرَاجِمِ الحَنَابلةِ، لا أَظُنُّ أنَّ كثيرًا من البَاحِثِيْنَ في زَمَانِنَا وَقَفَ عَلَيْهَا، ورُبَّمَا وَقَفَ عَلَيْهَا وَمَرَّ
[ المقدمة / ٥ ]
عَلَيْهَا مُرُوْرَ الكِرَامِ، لكنَّني أَقِفُ وأَسْتَوْقفُ، أقيِّدُ وأَضْبُطُ، وأَضُمُّ الشَّبِيْهَ إلى الشَّبِيْهِ، وأَضَعُ الفَائِدة إلى جَنْبِ الفائدة، حَيْثُ يَجِبُ أن تكونَ، وأسْتَنْتِجُ من هذِهِ الفوائِدِ ما قد يُلْقِي الضَّوءَ على أَشْيَاءٍ غامضةٍ، وَيُحِلُّ إشْكَالاتٍ في كَثِيْرٍ من التَّراجِمِ، فاجْتَمَعَ لديَّ من هذِهِ الفَوَائدِ ما يُسَوِّدُ مُجَلَّدَاتٍ. أقُولُ هذَا من قَبِيْل التَّحَدُّثُ بنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى.
وَكَانَتْ هِمَّتِي- مُنْذُ البِدَايَةِ- مُتَّجِهَةً نَحْوَ وَضعِ موْسُوعَةٍ تَجْمَعُ عُلَمَاءِ المَذْهَبِ مُرَتَّبةً عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ، اقْتَصَرَ فيها على التَّعْرِيفِ المُوجَزِ بكُلِّ عَلَمٍ، مَعَ ذِكْر مَصَادِرِ التَّرْجَمةِ، واجْتَمَعَ لَدَيَّ من ذلك أَعْدَادٌ كبيْرَةٌ ممَّن لم تَرِدْ أَسْمَاؤُهُم في كُتُبِ الطَّبَقَاتِ فَضْلًا عن هَؤُلَاءِ المُتَرْجَمِيْن في كُتُبِ الطَّبَقَاتِ المُخْتَلِفَةِ على مَرِّ العُصُوْرِ، أضْبُطُ أَسْماءَهُم ضَبْطًا صَحِيْحًا، لمَعْرِفَةِ مَا عَسَى أَنْ يَكُوْنَ مُكَرَّرًا من الرِّجَالِ لِئَلَّا أَقعَ فيما وَقَعَ فيه غَيْرِي من التِّكْرَارِ غَيْرِ المَقْصُودِ؛ ولأتَعَرَّفَ على رِجَالِ المَذْهَبِ تعرُّفًا مُفِيْدًا يُمْكِنُ من خِلَالِهِ صِحَّةُ الاسْتِدْرَاكِ، والتَّعَقُّبُ والتَّذْييلُ، وقد طَالَبَنِي كَثِيْرٌ من المُهْتَمِّين المُتَخصِّصين بالمُبَادرة بإخْرَاجِ ذلِكَ؛ لاعْتِقَادِهِم بِجَدْواهُ، وإِفادَة طَلَبَةِ العِلْمِ بِهِ، ولَكِّنَّنِي أُسوِّفُ وأؤخِّرُ حَتَّى أَتَمَكَّنَ من جَمْعِ أَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ من التَّرَاجِمِ، وأَنَا أَكْتَشِفُ كُلَّ يَوْمٍ جَدِيْدًا، وأَقِفُ على مَجْهُولٍ، وكُلَمَّا تَعَمَّقُتُ في البَحْثِ، وتَوَسَّعْتُ في دَائِرةِ التَّحَرِّي تَبَيَّن لِي أَنَّني كُنْتُ في أَوائِل البَحْثِ لَمْ أَقِفْ إلَّا عَلَى القَلِيْلِ من أخْبَارِهِم وأَنَّني لم أتَوَثَّقْ من مَعْرِفَةِ سَيَرِهِمْ وآثارِهِم، فَأَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى على أَنَّنِي لَمْ أَنْشُرْ مَا تَوَصَّلْتُ
[ المقدمة / ٦ ]
إِلَيْهِ، وإِنْ كَانَ كَثِيْرًا ونَافِعًا، لكنَّ كَثْرَةَ البَحْثِ والتَّحْرِي والجَمْعِ المُتَأَني أَكْثَرُ نَفْعًا وأَعْظَمُ فَائِدَةً، ولتَحْقِيقِ هذَا الهَدفِ، قُمْتُ بنشرِ بَعْضِ كُتُبِ الطَّبَقَاتِ، مِنْهَا: "الجَوْهَر المُنَضَّد" ليُوسفَ بنِ عَبْدِ الهَادِي (ت ٩٠٩ هـ)، ثُمَّ " المَقْصَد الأرْشَدِ" لابن مُفْلِحٍ (ت ٨٤٨ هـ)، ثُمَّ "الدُّر المُنَضَّد" مُخْتَصر المَنْهَج الأحْمَد للعُلَيْمِيِّ (ت ٩٢٨ هـ)، وبالاشْتِرَاك مع زَمِيْلِي الدُّكتور/ بكرِ بن عبد الله أَبُو زِيْد نَشَرْتُ "السُّحُبَ الوَابِلَةَ" لابن حُمَيْدٍ النَّجْدِيِّ (ت ١٢٩٥ هـ)، وإِنَّمَا نَشَرْتُ هذِهِ أَوَّلًا ولَمْ أَبْدأ بأَصْلِهَا كُلِّهَا "طَبَقَات الحَنَابِلَة" كِتَابُنَا هذَا الَّذِي أُقَدِّمُ لَه الآن؛ لأنَّه مَطْبُوعٌ، ومُتَدَاولٌ، وتِلْكَ كَانَتْ لَمْ تَرَ النُّورَ بَعْدُ، فكَانت أَوْلَى بالاهتِمَامِ، ولكي أُشِيرَ في مَوْسُوعَتِي إلى هَذه الطَّبَعَات، وعَمِلْتُ بَعْدَها على كِتَابِ الحَافِظ ابنِ رَجَبٍ "الذَّيْلِ على طَبَقَاتِ الحَنَابِلَة" لأهمِّيَتِهِ، وكَثْرَةَ مَا فِيه من الفَوَائِد، فَجَمَعْتُ أَغْلَبَ نُسَخِهِ وبَاشَرْتُ العَمَلَ فِيْهِ، وحَقَّقْتُ وخَرَّجْتُ وعَلَّقتُ وأَنْهَيْتُ مَا يَزِيْدُ على نِصْفِ الكِتَابِ، ولَمَّا أبْدَتِ اللَّجْنَةُ التَّحْضِيرِيَّة للاحتِفَالِ بمُرُوْرِ مائةِ عامٍ على تَأْسِيْسِ المَمْلَكَةِ رَغْبَتَهَاِ في طَبْعِ الكِتَابِ ضِمْنَ إِصْدَارَتِهِمْ بهذِهِ المُنَاسَبَةِ، أَوْقَفْتُ العَمَلَ في "الذْيْل على الطَّبَقَاتِ"، وَبَدَأْتُ العَمَلَ فِيْه، ليَكُوْنَ بَعْدَهُ؛ تَلْبِيَةً لِرَغْبَةِ اللَّجْنَةُ العِلْمِيَّة في الأمَانَةِ العَامَّة للاحْتِفَالِ، وَقَدْ بَذَلْتُ مَا فِي وُسْعِي لإخْرَاجِ الكِتَابِ في صُوْرَةٍ جَيِّدِةٍ من حَيْثُ المُقَابَلَةُ، وضَبْطُ النُّصُوصِ وتَحْرِيْرُها، والإشَارةُ إِلَئ أَخْطَاء الطَّبْعةِ القَدِيْمَةِ، وتَخْرِيْجُ التَّرَاجِمِ، والتَّعْرِيْفُ بِأَنْسَابِهِمْ، وأَلْقَابِهِم، وذِكْرُ مَا أَمْكَنَ من مَصَادِرِ التَّرْجَمةِ، وَعَزْوُ
[ المقدمة / ٧ ]
الآياتِ والأحَادِيْثِ النَّبَويَّةِ، ومَا كَانَ مِنْهَا مُخَرَّجًا في هَامِش المَنْهَج الأحْمَدِ، اكْتَفَيْتُ بالإشارةِ إِلَيْه هُنَاكَ، وخَرَّجْتُ أَغْلَبَ المَسَائلَ الفِقْهيَّةَ، الَّتي نَقَلَها أَصْحَابُ أَحْمَدَ عَنْهُ، من أَشْهَرِ كُتُبِ الفِقْهِ الحَنْبَلِيِّ عَامَّةً، وكُتُبِ "المَسَائِلِ " المَنْقُوْلَةِ عن الإمَامِ أَحْمَد خَاصَةً، وَقَدْ أَفَدْتُ من الرِّسَالَتَيْنِ المُقَدَّمَتَيْنِ إلى كُليَّةِ الشَّرِيْعَةِ بجَامِعَةِ الإمامِ مُحمَّدِ بنِ سُعُوْدٍ الإِسْلَامِيَّةِ عن مَسَائلِ الإمَامِ أَحْمَدَ الفِقْهِيَّةِ المَنْصُوْصَةِ عَنْهُ في "طَبَقَاتِ الحَنَابِلَة"، الأُوْلَى: "في قِسْمِ العِبَادَاتِ" إِعْدَادِ: الشَّيْخِ عايضٍ الحَارِثِيِّ، والثَّانِيَةُ: "في غَيْرِ العِبَادَاتِ" إِعْدَادِ الشَّيْخِ: عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ صَالِحٍ الغُفَيْلِيِّ، وقَدْ استأْذَنْتُهُمَا في اسْتِخْدَامِ بَعْضِ مَصَادِرِهِمَا في التَّخْرِيْجِ، فَتَكَرَّمَا بتَقْدِيْمِ النُّسْخَتَيْنِ، جَزَاهُمَا الله عَنِّي خَيْرًا، ولمْ أَنْقُلْ عَنْهُمَا شَيْئًا مَاعَدَا بعضَ المَصَادِرِ، وعَلِمْتُ- مُتَأْخِرًا- أَنَّ في كُليَّةِ أُصُوْلِ الدِّين في الجَامِعَةِ المَذْكُوْرَةِ رِسَالَتَيْنِ جَمَعَتَا ودَرَسَتَا مَسَائِل العَقِيْدَة المَذْكُوْرَة في "الطَّبَقَاتِ " أَيْضًا، ولَمْ أَطَّلِعْ عَلَيْهِمَا، وكُنْتُ على عَزْمٍ أَنْ أُفْرِدَ "المَسَائِلَ الفِقْهيَّةَ" و"مَسَائِل الاعْتِقَاد" بِفَهَارِسَ خَاصَّةً، لَكِنَّنِي لَمْ أَفْعَلْ، لوُجُوْد تِلْكَ الرِّسَائِلِ الَّتِي خَدَمَتْ هَذِهِ المَسَائِلَ خَدْمَةً جَلَيْلَةً، وهي فِيْهَا مُرَتَّبَةٌ مُفَهْرَسَةٌ. ونَسَبْتُ الشِّعْرَ وشَرَحْتُ بعضَ غَوَامِضَ الأَلْفَاظِ، واسْتَدْرَكْتُ جُمْلَةً مِمَّا فَاتَ المُؤَلِّفُ ذِكْرَهُ، من أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وذيَّلْتُهُ بفَهَارِسَ عامَّةٍ مُتَنُوِعةٍ حَسَبَ الطَّاقَةِ، كَمَا حَرِصتُ في طِبَاعَتِهِ على أَنْ يَكُوْنَ إَخْرَاجُهُ جَيِّدًا؛ لِيَتَنَاسَبَ هَذَا العَمَلُ بجُمْلَتِهِ تَحْقِيْقًا وتَقْدِيْمًا وإِخْرَاجًا مَعَ المُنَاسَبَةِ الَّتِي طُبِعَ مِنْ
[ المقدمة / ٨ ]
أَجْلِهَا (الاحتِفَالِ بمُرُورِ مَائةِ عَامٍ عَلَى تَأْسِيْسِ المَمْلَكَةِ)، وجَعْلَتُ هَذَا العَمَلَ في قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ (لدِرَاسةِ الكِتَابِ)، وقِسْمٌ (للنَّصِّ المُحَقَّقِ)، والقِسْمُ الأوَّل في مَبْحَثِيْنِ: (المَبْحَثُ الأوَّلُ) في تَرْجَمةِ المؤلِّفِ، و(المَبْحَثُ الثَّانِي) في دِرَاسَةِ نَصِّ الكِتَابِ، على مَاتَجِدُهُ مُفَصَّلًا في الفَهَارِسِ.
وَلَا أَدَّعِي أنَّني وَصَلْتُ في هَذَا العَمَلِ إِلَى الدَّرَجَة المَرْجُوَّة، ولا قَارَبْتُ، لَكنَّني بَذَلْتُ مَا فِي وُسْعِي وَطَاقَتي للوُصُول إِلَيْهَا، وَاجْتَهَدتُ في ذلك ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
واللهَ- ﷾ أَسَألُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَمَلًا خَالِصًا لوَجْهِهِ، إِنَّه جَوَادٌ كَرِيْمٌ. وآخرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لله ربِّ العَالَمِيْن، وصلَّى الله على مُحَمَّدٍ وآله وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا.
وَكَتَبَ
الدُّكتور عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ سُلَيْمَان العُثَيْمِيْن
مَكَّة المُكَرَّمة- جَامِعَة أُمِّ القُرَى
١٨ رجب الفرد ١٤١٩ هـ
[ المقدمة / ٩ ]