لكتاب "طَبَقَاتِ الحَنَابِلَة" لابن أبي يَعْلَى نُسَخٌ خَطِّيَّةٌ كثيرةٌ جِدًّا، وحاولت أن أجمعَ نُسَخ الكِتَاب، وأَعْرَفَ أَمَاكنَهَا وصفاتِهَا لكي آخذُ من بينها نُسَخًا تكون أُصُولًا أعتَمِدُ عَلَيْهَا في نَشْرِ الكِتَابِ كالعادة المُتَّبعة، وفق المَنْهَج الصَّحيح في تَحْقِيْق الكُتُبِ ونَشْرِهَا، وحِرْصًا مِنِّي على العثُور على نُسخةٍ بخَطِّ المؤلِّف، وإِذَا لم يُمْكِنْ فنُسْخَةٍ تكون أَقْرَبَ إلى ذلِكَ فاجتَمَعَ لَدَيَّ أكثرُ من عَشْرِ نُسخٍ ليس من بينها نُسْخَةُ المُؤَلِّفِ، ولا نسخةٌ
[ المقدمة / ٩٤ ]
مَقْروءَةٍ على المؤلِّف؛ لذلك كانَ لِزَامًا عليَّ الاختيار من النُّسخ فاخترتُ منها أربعُ نُسَخٍ هي التي رَمَزْتُ إليها: (أ) و(ب) و(جـ) و(د)، واسْتَبْعَدْتُ مَا عَدَاهَا، وهذِهِ النُّسَخ الأرْبَع لم أتَّخذ منها أَصْلًا؛ لأنَّنِي رأيتُ أنَّ كلَّ نُسْخَةٍ منها تَصْلُحُ أَنْ تَكُوْنَ أَصْلًا، وأَنَا أَرَى أَنَّ النُّسخ إذا استَوَتْ في الجَوْدَة، أو استَوَت في الرَّداءة يُجْمَعُ بينها ولا يتَّخذُ أصلا، وهذِه النُّسخ استَوَتْ كلُّها في الجَوْدَةِ ولله الحَمْدُ، وليس فيها نُسخةٌ بخطِّ المُؤَلِّفِ ولا نسخَةٌ قُرأَتْ عَلَى المُؤَلِّفِ، وإليكَ وصفها:
- النُّسخة (أ): وهي النُّسْخَةُ التي اعتَمَدَ عَلَيْهَا الشَّيخُ مُحَمَّدُ حَامِد الفقِي ﵀-في نَشْرَتهِ الأُوْلى للكِتَابِ وأهميتها من أمورٍ:
أحدُها: أنَّها أَفْصَحَتْ عن كَثيْرٍ من الأخْطَاءِ التي وَقَعَ فيها النَّاشرُ السَّابِقُ، وأنَّها منه، لا من النُّسخَةِ، ولا مِنَ المُؤَلِّفِ. لو لم نَقِفْ عليها لاحْتَمَلَ أن تَكُونَ هذِه الأخْطَاء من النَّاسِخِ …
والثَّاني: أَنّها بخَطِّ عَالِمٍ جَلِيْلٍ هو عبْدُ القَادِر بنُ عَبْدِ الوَهَّاب بن عبدِ المُؤْمِنِ القُرَشِيُّ، وهو مُترجم في الضَّوْء اللَّامع: (٤/ ٢٧٦)، وهو نَاسِخُ "الذَّيْل عَلَى طَبَقَات الحَنَابِلَة" نسخة كوبرلي.
والثَّالِث: أنَّ شَيْخَنَا العَلَّامة مَحْمُود محمَّد شَاكِر -غَفَرَ اللهُ له وَرَحِمَهُ- اطَّلعَ على هذِهِ المُصَوَّرَةِ وعليها خَطُّه في عدَّةِ مواضع، وله عليها بعضُ التَّصْحِيْحَاتِ، وهذه المُصَوَّرةُ نَفْسُهَا هي مُصَوَّرَةُ الشَّيخ محمَّد حَامِد الفَقِيّ وعليها خَطُّه أيْضًا.
[ المقدمة / ٩٥ ]
والرَّابع: أنَّ عليها تَمَلُّكًا صُوْرَتُهُ: "من نِعَمِ اللهِ على عَبْدِهِ أَحْمَد بنِ النَّجَّارِ الحَنْبَلِيِّ" وهَذَا من المُهْتَمِّين باقْتِنَاء الكُتُب فقد رأَيْتُ خطَّهُ على كتابِ " المُؤْتَلفِ والمُخْتَلفِ" لابنِ حَبِيْبٍ … وغيره. وما أَظُنُّه إلَّا أَحْمَدَ ابنَ عَبْد العَزِيْز بن النَّجَّارِ الفُتُوحِيَّ الحَنْبَلِيَّ القَاضِي المِصْرِيَّ، والدَ صَاحِبِ "المُنْتَهَى" (ت ٩٤٩ هـ).
وهذِهِ النُّسْخَة تَحْتَفِظ بها مَكْتبَةُ يني جامع بتُركيا رقم (٦٨٨) كَتَبَها النَّاسِخ المُتَقدِّم ذكره، بمكة المُكَرَّمَة، تجاه الكعبة المُعَظَّمة في ٧ شعبان المُكَرَّمِ سنةَ (٨٧٦ هـ) وَعَدَدُ أوراقها (٢٣٦) (^١).
- النُّسخة (ب): ولها أَهميَّةٌ لا تقلُّ عن سابقتها، وأَهَمِّيَتُها من أُمُورٍ: - مِنْها أَنَّها أقْدَمُ النُّسَخِ الَّتي اطَّلَعْتُ عليها؛ إذْ "فرع من نَسخِها عبدُ الدَّائِمِ بن عَبْدِ الجَلِيْلِ بنِ مُحمَّد بن عمر البَعْقُوبي غَفَرَ اللهُ له ولوالديه ولجميع المُسلمين في يوم الجُمُعَة ثامن ذي القَعْدَةِ من سَبْعٍ وثلاثين وستِّمائة"
- ومنها أَنَّها كانت بِيَدِ عُلَماء أَجِلَّاء، مِنْهُم: حَسَنُ بن عليّ بن عُبَيْدِ ابن أَحْمَد بن عبد الرَّحمن المَرْدَاوِيُّ، وهو عالمٌ دِمَشْقيُّ، حَنْبَلِيٌّ، من تَلَامِيْذ جمال الدِّين يوسف بن عبد الهَادِي (ت ٩٠٩ هـ)، وهو مترجم في "السُّحب الوابلة": (١/ ٣٥٦)، وتخريج ترجمته هُنَاك، ووفاته سنة
_________________
(١) هذه المصورة موجودة في مركز المخطوطات والتراث والوثائق في دولة الكويت، زوَّدنا بنسخة منها الأخ الكريم محمد بن ناصر العجمي -جزاه اللهُ خيْرًا-.
[ المقدمة / ٩٦ ]
(٩١٦ هـ)، وفي هذا النَّصُّ رَفْعُ نَسَبِهِ، ولم يُرفع نَسَبُهُ في مصادر التَّرجمة فهذِه فَائِدةٌ عَارِضَةٌ. ومنهم القَاضي عَلَاءُ الدِّين عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بن المُنَجَّى قَاضي الشَّام (ت ٨٠٠ هـ)، جاءَ في آخرِ النُّسخةِ: "يقولُ كاتبه إبْرَاهيم بن عُمَر بن إبراهيم (الشَيْبَانِيُّ؟) غَفَرَ اللهُ له ولِوَالِدَيْهِ ولَجَمِيع المُسلمين … هَذه المُجَلَّدَةُ من تركةِ قاضي القُضَاءِ علاء الدِّين ابن مُنَجَّى الحَنْبَليُّ، تَغَمَّده اللهُ برحْمَتِهِ وأَسْكَنه فَسِيْحَ جنَّتِهِ بمنِّه وكَرَمِهِ".
وعلاء الدِّين بن المُنَجَّى مترجمٌ في قُضاة دمشق (٢٨١)، والسُّحُب الوابلة (٢/ ٧١١)، وغيرهما.
- ومن أهميَّة هذِه النُّسخة أنَّها مُصَحَّحةٌ ومَضْبُوطةٌ بالشَّكْلِ الكاملِ فهذِهِ الأُمور تَجْعَلها لا تقلُّ قيمةً عن سابقتها، هُمَا فَرَسَا رِهَان.
وأَصْلُ هذِه النُّسْخَةِ في مكتبة بنكيبور في الهند، وصوَّرَتْهَا بعثة معهد المَخْطُوطات في الجامعة العربيَّة، وهي نُسخة تامةً عدد أوراقها (٢٥٤ ورقة).
(فائدةٌ): جاء في آخر الكتاب في ظهر آخر ورقة منه: "الحمدُ لله ربِّ العالمين: نظر في هذَا الكِتَاب العَبْدُ الفَقِيْرُ إلى عفوِ الله تَعَالَى: عُمَرُ بنُ نَصِيْر الدِّين البَلْخِيُّ الحَنْبَلِيُّ عفا اللهُ عَنْه بمنِّه وكَرَمِهِ، وهذه النِّسبة غريبة في الحنَابِلَة لا تكادُ تُوجَدُ خاصَّة في المتأَخِّرين منهم.
- النُّسْخَة (ج): وله أهميَّة كسابقتيها، وأهميَّتها في أمورٍ، منها:
١ - ورقة العُنْوان بخطِّ ابنِ فَهْدٍ المَكيُّ المؤرِّخُ محمَّد بن محمَّد المدعو
[ المقدمة / ٩٧ ]
عمر (ت ٨٨٥ هـ) وهو عالمٌ مشهورٌ، ثم صار لولده عبد العزيز (ت ٩٢٢ هـ) وهو أيْضًا عالمٌ مشهورٌ كأبيه.
٢ - ثَبَتَ في آخر النُّسْخَةِ سَمَاعُ الكِتَابِ على المُحَدِّثَةِ الفَاضِلَةِ زَيْنَبُ بنتُ الكَمَالِ، وهي مُحَدِّثَةٌ حَنْبَلِيَّةٌ مَشْهُوْرَةٌ من ذَوِي قَرَابَةِ الحَافِظِ عبدِ الغَنِي المَقْدِسِيِّ، تُوفِّيَت سنةَ (٧٤٠ هـ) ولها ذكرٌ وأخبارٌ، وسَنَد مُتَّصلٌ بمؤلِّفِ الكتاب ذكرتُهُ فيما سَبَقَ في مبحث (سَنَدِ الكِتَابِ) وهو بِخَطِّ ابن فَهْدٍ المَذْكُوْرُ.
٣ - في السَّندِ المَذْكُوْرِ قراءةُ عبدِ الله بن المحبِّ، وهو عالم من أهلِ الحديثِ حَنْبَلِيٌّ مشهورٌ سبق ذكره أيضًا.
ومع أهميَّه هذه النُّسخةِ فإنَّ ناسِخَها مَجهولٌ، وفيها سَقْطُ وُرَيْقَاتٍ في أوَّلها بعدَ خُطبة الكتاب.
وَتَحْتَفِظُ مكتبةُ رئيس الكُتَّاب بتركيا بأصل هذه النُّسخة ورقمها هناك (٦٧٠) وعدد أوراقها (١٣٨) ورقة، وصوَّرَتَهَا بعثة معهد المخطوطات التابع للجامعة العربية، وذكر هناك أنَّها بخط ابن فهدٍ المذكور، وإنَّمَا خطُّ ابن فهد ورقة العنوان والسَّماع الذي في آخرها، وتغيَّر الخط في آخر النُّسخة.
- النُّسخة (د): ولها أهميَّه كسابقاتها، وأهميَّتها في أُمُورٍ:
أ- أنها منسوخةٌ للشَّيخ العَلَّامة أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن زَيْدٍ شهاب الدِّين النَّحوي الحَنْبَلي (ت ٨٧٠ هـ) وجاء في ختام النُّسخة: "ووقع الفراغ من نسخه على يد الفقير المعترف بالتقصير تاج
[ المقدمة / ٩٨ ]
ابن محمود اليماني المعروف بـ "أبي هُريرة" -غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين- في يوم الجمعة عشرين من شهر شعبان المبارك لسنة ثلاثة (كذا) وعشرين وثمانمائة الهجريَّة والسلام" ومستنسخه أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن زيد، غفر الله له ولوالديه.
وفي طُرَّةِ النُّسْخَةِ: "بَلَغَ مُقَابلةً وَتَحريرًا على حسب الطَّاقة على يد مُستنسخه أحمدَ بنِ محمدِ بن أحمدَ بن أبي بكرِ بنِ زَيْدٍ. ومستنسخه المَذْكُوْرُ مترجمٌ في "المَقْصَدِ الأرْشَد" (١/ ٨٢)، و"المَنْهَجِ الأحْمَدِ": (٥/ ٢٥٧)، و"الضَوءِ اللَّامِعِ": (٢/ ٧٠) … وغيرها. ومولده سنة (٧٨٩ هـ).
(فائدةٌ) وشِهَابُ الدِّين بنُ زَيْدٍ هذَا هو مؤلِّفُ "مَحَاسنِ المَسَاعِي في مَنَاقِبِ الأوْزَاعِي" الذي طَبَعَهُ الأميرُ شكيب أَرْسَلان ولم يَهْتَدِ إلى مؤلِّفِهِ.
ووقفتُ أنا على كِتَابٍ له اسمُهُ "شَرْحُ الشَّذْرَةِ الذَّهبيَّة في عِلْمِ العَرَبِيَّة" لأبي حيَّان، حَقَّقه أحدُ طلبة العلم الكويتيين في إحدى الجامعات المصريَّة، وكان على اتصالٍ بي وفَّقه الله، ولابن زَيْدٍ مؤلَّفاتٌ أُخْرَى تدلُّ على عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ.
٢ - أن على هذه النُّسخة خَطَّ تَمَلُّكٍ للشيخ الإمام العلَّامة بُرهان الدِّين بن مُفْلحٍ صاحب "المَقْصد الأرشد" صورته: "مَلَكَهُ وَطَالَعَ فيه و[استَلَّ] من فوائدِه إبراهيمُ بنُ مُفْلحٍ الحَنْبَلِيُّ عفا الله عنه" وهو خَطُّه يقينًا؛ لأنَّ لديَّ الآن نُسْخَةً مِنَ "المَقْصد الأرشد" بخَطِّه أيضًا، فهل هذه نُسخته التي أفادَ منها في "المَقصد"؟ يبدو ذلك والله أعلم.
[ المقدمة / ٩٩ ]
٣ - أنَّ النُّسخة بخطِّ نسخٍ جَميلٍ جدًّا مَضْبُوطةٍ بالشَّكْلِ، وهي نسخةٌ تامَّةٌ.
وَظَهَرَ لي من خِلَالِ المُقابلة أنَّها منقولةٌ من النُّسخة (ب) فإذا صحَّ ذلك فإنَّها تَسْقُطُ بها؛ لكن من المُحْتَمَلِ أيضًا أنَّهما منقولتان معًا عن أصلٍ ثالثٍ؟.
وَتَحْتَفِظُ مكتبةُ أحمد الثّاَلث بتُركيا بهذه النُّسْخَةِ، ورقمها هُنَاكَ (٢٨٣٧) وَعَدَدُ أوراقِهَا (٣٠٠) ورقة.
- النُّسخَةُ (هـ): وهي صورة من النُّسخة المحفوظةِ بالمكتبةِ الظَّاهِرِيَّة، ولم أَرجع إليها إلَّا قليلًا، وهي كثيرة الأخطاءِ.
وبهذا لا يستطع الباحث المحقِّق الاختيار من النُّسخ المذكورة، بل يَعْتَمِدُ عليها مُجْتَمِعَةً ماعدا نسخة (هـ)، ومن حُسن الطَّالع أنَّ الأخْطَاءَ والأسْقَاطَ والفُرُوقَ بينَ النُّسخ هذه قَلِيْلٌ، مَا عَدَا السَّقطَ المذكورَ في نسخة (ج) هذَا إذا قسنا ذلِكَ بما يَجِدُهُ كثير من البَاحثين المُحَقِّقين من الفُرُوقِ الظَّاهرةِ والكثيرةِ بينَ نُسَخِ الكتابِ الوَاحِدِ.
ولَمَّا كَانَتْ كلُّ نُسخةٍ من هذِهِ النُسَخُ تصلُحُ أن تَكُونَ أَصْلًا، جَمَعْتُ بينَ النُّسخِ، وما اتَّفقت عليه النُّسَخُ جعَلتُهُ أَصْلًا، وما اختَلَفت فيه أخذتُ ما عليه أكثر النُّسخ، وما تؤيده مصادر المؤلِّف مثل "تاريخ بغداد" و"السَّابق واللَّاحق" وغيرهما، أو المصادر التي نقلت عنه مثل "مُختصر النَّابُلُسي" و"المَقْصَد الأرْشَهد" و"المَنْهَج الأحْمَد" ومن حسنِ الحَظِّ أنَّ اختلافِ النُّسخ أيضًا قليلٌ جدًّا، ولله الحمدُ والمِنَّة.
[ المقدمة / ١٠٠ ]
نسخة (أ)
[ المقدمة / ١٠١ ]
نسخة (أ)
[ المقدمة / ١٠٢ ]
نسخة (ب)
[ المقدمة / ١٠٣ ]
آخر نسخة (ب)
[ المقدمة / ١٠٤ ]
نسخة (جـ)
[ المقدمة / ١٠٥ ]
نسخة (ج) وفيها سماع النسخة
[ المقدمة / ١٠٦ ]
آخر نسخة (د)
[ المقدمة / ١٠٧ ]
نسخة (د)
[ المقدمة / ١٠٨ ]
قال بعضهم في الحنابلة:
الحَنْبَلِيُّوْن قَوْمٌ لَا شَبيْهَ لَهُمْ … في الدِّيْنِ والزُّهْد والتَّقْوَى إِذَا ذُكِرُوا
أحْكَامُهُم بِكتَابِ اللهِ مُذْ خُلِقُوا … وبالحَدِيْثِ ومَا جاءَتْ بِهِ النُّذُرُ
[ ١ / ٣ ]