١٣ - أحمدُ بنُ حُمَيْدٍ (^١)، أَبو طَالبٍ المُشْكَانِيُّ المُتَخَصِّصُ بصُحبةِ إِمَامِنَا أحمدَ، رَوَى عن أحمدَ "مَسَائِلَ" كثيرةً، وكان أحمدُ يُكْرِمُهُ ويعظِّمُهُ، رَوَى عَنْه أَبو مُحمَّدٍ فُوْرَانُ (^٢)، وزكريَا بن يَحيَى وغيرهما، وذكره أبو بكرٍ
_________________
(١) = وراجِعه إن شئْتَ، ولم أجده في مصادر أخرى يمكن أن يُرجَّحَ بها.
(٢) أبو طَالبٍ المُشْكَانِيُّ (؟ - ٢٤٤ هـ) أخبارُه في: مناقب الإمام أحمد (١٢٥، ٦١٠)، ومختصر النَّابُلُسي (١٧، ١٨)، والمقصد الأرشد (٩٥١)، والمنهج الأحمد (١/ ١٩٧)، ومختصره "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٥٦) ويُراجع: الجَرْحُ والتَّعديل (٢/ ٤٨)، وتاريخ بغداد (٤/ ١٢٢)، والأنساب (١١/ ٣٣٥). وفيه: "أحمد بن جُنَيْد؟! "، واللُّباب (٣/ ٢١٧). ذكر النِّسبة ولم يذكره. و(مُشْكَانُ) بلدةٌ من بلادِ فارس، قال عنها ياقوت في "معجم البُلدان" (٥/ ١٣٥): "بالضَمِّ ثم السُّكون، وآخره نُونٌ: قريةٌ من نَوَاحِي رَوْذَبَارَ من أعمالِ هَمَذَانَ … " ولم يذكر أبا طالبٍ هذَا، وَذَكَرَ غَيْرَهُ. وفي كتاب "الأنساب" لأبي سَعْدٍ، ذكر البلدةَ وضَبَطَهَا وذكر المَنسوبين إليها، ثم قال: "ورأيتُ في تاريخ أبي بكرٍ الخَطِيْبِ "أَحمد بن جُنَيْدٍ؟! " أبو طالبٍ المُشْكَانِيُّ، صاحبُ أبي عبد الله أحمد بن حنبل … " ولم يذكر أنَّه منسوبٌ إليها. والذي جَعَلَنِي لا أجزِمُ بنسبةِ المذكورِ إليها أنَّ في أسْمَاءِ الرِّجال (مُشْكَانَ) يُراجع التَّوضيح لابن ناصرِ الدِّين (٨/ ١٧٧)، ولم يذكر (المُشْكَانِيَّ) منسوبًا مع أنَّه يشتبه بـ (المِشْكَاتِيِّ) بالتَّاءِ المُثَنَّاة الفوقيَّة، ونصَّ على أنَّ اسمَ الرَّجُلِ بالضَّمِّ أيضًا، ونقلَ عن القَصَّاعِ قال: سألتُ شيخَنَا رَضِيَّ الدِّين الشَّاطِبِيَّ اللُّغويَّ عن مُشكان فقال: لا يجوزُ كسر المِيْمِ" نقله عنه الحافظ الذَّهبي في "طبقات القُرَّاء" يُراجع الطبقات (١/ ١٣٠)، والإكمال لابن ماكولا (٧/ ٢٥٦). والشَّاطِبِيُّ المذكورُ اسمه مُحَمَّدُ بن علي الأنْصَارِيُّ (ت ٦٨٤ هـ)، من شُيُوخِ أبي حَيَّان الأنْدَلُسِيِّ صاحبِ "البَحْر المُحيط". مشهورٌ بجودةِ ضَبْطِهِ. وفي (ب) و(جـ): "المشكاتي".
(٣) في (ط): "فَوْزَانُ" وهو تصحيفٌ ظاهرٌ، وإِنَّما هو "فُوْرَانَ" بضمِّ الفاءِ والرَّاءِ المهملة، وهو=
[ ١ / ٨١ ]
الخَلّاَلُ فقَالَ: صَحِبَ أحمدَ قَدِيمًا إلى أن مَاتَ، وكانَ أحمدُ يُكْرِمُهُ ويُقَدِّمُهُ، وكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، فَقِيْرًا، صَبُوْرًا على الفَقْرِ، فَعَلَّمَه أَبو وعبدِ الله مَذْهَبَ القُنُوَعِ والاحْتِرَافِ، وماتَ قَديمًا بالقُربِ من موتِ أبي عبدِ الله. ولم تَقَعْ "مسائله" إلى الأحداثِ.
أَخْبَرَنَا زكَرِيَّا بن يَحْيَى السَّاجِيُّ (^١)، حَدَّثَنَا أبو طَالبٍ: أَنَّ أبا عبد الله قال له رَجُلٌ: كيفَ يَرِقُّ قَلْبِي؟ قَالَ: ادخُلِ المَقْبرةَ، وامْسَحْ رأسَ اليَتِيْمِ.
قَالَ أَبو طَالبٍ: وسُئِلَ أَحمدُ -وَأَنَا شَاهِدٌ-: ما الزُّهْدُ في الدُّنْيَا؟ قالَ: قِصَرُ الأمَلِ، والإِيَاسُ مِمَّا في أَيْدِي النَّاسِ. وقَالَ أبُو طَالبٍ: قَالَ أحمَدُ: والتَّعرِيْفُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ في الأمْصَارِ، لا بأَسَ بِهِ (^٢)، إِنَّما هو دُعَاءٌ، وذِكْرُ اللهِ ﷿، وأَوَّل مَنْ فَعَلَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وعَمْرُو بن حُرَيْثٍ (^٣)،
_________________
(١) = لقبُ عبد الله بن محمَّد بن المُهَاجِرِ ت (٢٥٦) هـ ذكره المؤلِّف في موضعه، رقم (٢٦١) حديثنا عن لقبه هناك - إن شاء الله تَعالَى -.
(٢) زكريا بن يحيى بن خلاد، أبو يعلى البصري ممَّن حدَّث عن الأصمعي وطَبَقَتِه. يراجع: تاريخ بغداد (٨/ ٤٥٩). والذي يقوله: "أخبرنا" هنا هو الخلال ﵀.
(٣) هذه المسألة ذكرها المؤلف في "الطَّبقات" في عدة مواضع كما سيأتي، منها في ترجمة الأثرمِ (أحمدِ بنِ محمَّد بنِ هَانئٍ الطَّائِيِّ)، ومنها في ترجمة "عبدِ الكريمِ بنِ الهَيْثَم"، ومنها في ترجمة "يعقوب بن إبراهيم بن كَثِيْرٍ الدَّوْرَقِيِّ". وتُراجع المسألة في: المغني (٣/ ٢٩٥)، والشَّرح الكبير (١/ ٥١٤)، والفُرُوع (٢/ ١٥٠)، والإنصاف (٢/ ٤٤١)، والاختيارات الفقهيَّة (٨٣)، وكشَّاف القناع (٢/ ٦٠).
(٤) عَمْرُو بنُ حُرَيْثِ بن عَمْرِو بن عثمان، مَخْزُوْمِيُّ، قُرشِيٌّ، له ولأبيه صُحْبَةٌ، مات سنة خمس وثمانين بالكوفة. يُراجع: الاستيعاب (١١٧٦)، والإصابة (٤/ ٦١٩).
[ ١ / ٨٢ ]
وفَعَلَهُ إِبْراهيمُ (^١).
وَقَالَ في رِوَايَةِ أَبي طَالبٍ - في الرَّجُلِ يَحْلِفُ اليَمِيْنَ ويَنْوِي (^٢) على غيرِ ذلك -: فاليَمِيْنُ على نيَّةِ ما يُحَلِّفُهُ صَاحِبُهُ إِذَا لَم يَكُن مَظْلُومًا، فَإِذَا (^٣) كَانَ مَظْلُومًا حَلَفَ على نيَّتِهِ، ولم يَكُنْ له من نِيَّةِ الَّذي حَلَّفَهُ شَيْءٌ.
وقَالَ أَبو طَالبٍ: سَأَلْتُ أحْمَدَ عن الخُشَّافِ (^٤) يَكُوْنُ في المَسْجِدِ يَبُوْلُ، فيُصِيْبُ الرَّجُلَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لا يَضُرَّهُ، قلتُ: إِنْ كَانَ كَثِيْرًا نَجِسٌ؟ قَالَ: ما أَدْرِي، قُلْتُ: أَلَيْس البَوْلُ قَلِيْلُهُ وكَثِيْرُهُ يُغْسَلُ؟ قَالَ: ذَاكَ بَولُ الإنسانِ، قُلْتُ: هذَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، يُغْسَلُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ كَثْيرًا يُغْسَلُ
وقَالَ أَبُو طَالبٍ: سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ: إِذَا أَخَذَ شَعْرَهُ إِن شَاءَ مَسَحَ على رَأَسِهِ، وإِنْ شَاءَ لم يَمْسَحْ، قُلْتُ: لا يَكُونُ مثلَ العِمَامَةِ؟ قَالَ: لا،
_________________
(١) هو إبراهيم النَّخَعِيُّ، أبو عمران (ت ٩٦ هـ) تابعيٌّ مشهورٌ.
(٢) في (ب) و(جـ).
(٣) في (ط): "وإِذا".
(٤) في الأصول كلِّها: "الخُشَّاف" ما عدا (ط) ففيها: "الخُفَّاشُ" والخُفَّاشُ بتقدم الفاءِ هو نفسه الخُشَّافُ بتقديم الشَّين، والمختارُ ما عليه الأُصُولِ، وهو أولى بالمَعْنَى، جاء في "لسان العَرَب": (خَشَفَ): "الخُشَّافُ: طَائرٌ صَغيرُ العَيْنَيْنِ. (الجَوْهَرِيُّ): الخُشَّافُ: الخُفَّاشُ، وقيل: الخُطَّاف. (اللَّيْثُ): الخَشَفَانُ الجَوَلَانُ باللَّيْل، وسُمِّيَ الخُشَّافُ به لخَشَفَانِهِ، وهو أَحْسَنُ من الخُفَّاشِ، قال: ومَنْ قَالَ: خُفَّاشٌ فاشتِقاقُ اسمِهِ من صِغَرِ عَيْنَيْهِ". وَهَذه المَسْأَلَةُ أشَارَ إِليها القاضي أبُو يعلى في كتابه الرِّوايتين والوجهين؛ (المسائل الفقهية ..) (١/ ١٥١)، ويُراجع: المغني (٢/ ٤٨٦، ٤٩٥)، وشرح الزَّركَشِيِّ (٢/ ٤١)، والمُبدع (١/ ٢٥٠)، وكشَّاف القِناع (١/ ١٩٣، ١٩٦).
[ ١ / ٨٣ ]
العِمَامَةُ يُمْسَحُ عليها، والخُفُّ يَمْسَحُ عليه، فإِذَا خَلَعَ أعادَ، والشَّعْرُ إِذَا مَسَّ بالرَّأْسِ يُصيبُهُ الماءُ، ويَبْلُغُ أُصُولَ الشَّعْرِ، فإِذَا أَخَذَ الشَّعْرَ فالماءُ قد أَصَابَ ما بَقِيَ مِن شَعْرِهِ، وليس هو مثلَ العِمَامَةِ والخُفِّ (^١).
وَقَالَ أَبُو طالبٍ: أَخْبَرُوني عن الكَرَابِيْسيِّ (^٢) أَنَّه ذَكَرَ قَولَ
_________________
(١) هذه المسألة نقلها القاضي أبو الحُسَين عن أبي بكرٍ الخَلاَّلِ، عن زكريَّا بنِ يَحْيَى قال: "حدَّثنا أبو طالبٍ … " ومعناها في المَسَائِلِ المنقولة عن أحمدَ رواية ابنه عبد الله (١/ ٨١)، ورواية ابنه صالح (٢/ ١٢٧، ٣/ ٣٠٧)، ورواية أبي داود (١٣)، ورواية ابن هانئ (١/ ٧)، ويُراجع: المُغنِي (١/ ٢٦٤)، والفروع (١/ ١٨٦)، والمُبدع (١/ ١٢٩)، والإنْصاف (١/ ٢٢١).
(٢) الكَرَابِيْسِيُّ هذَا هو حُسينِ بنُ عليِّ بنُ يَزِيْدِ، أبو عليٍّ (ت ٢٤٨ هـ). و(الكَرَابيسِيُّ) نسبة إلى بَيْعِ الثيِّابِ، ولم يَضْبُطْهَا الحافظُ السَّمعَانيُّ ﵀ على غير عادته، وضبطها ابن الأثير في اللُّباب (٣/ ٨٨) فقال: "بفتح أوَّله والرَّاء، وبعدَ الألفِ باءٌ موحَّدَةٌ، ثم ياءٌ تحتها نقطتان وسِيْنٌ مُهْمَلَةٌ" وذكرا أبا عليٍّ المذكور هُنا. قال الحَافظُ الخَطيبُ في "تاريخ بغداد" (٨/ ٦٤): "وحَدِيْثُ الكَرَابِيْسِيُّ يعزُّ جدًّا؛ وذلك أنَّ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ كان يتكلَّمُ فيه بسبب مسألةِ اللَّفظِ، وكان هو أيضًا يتكلَّمُ في أحمد، فتجنَّب الناسُ الأخذَ عنه لهذا السَّبب. أخبَرَنَا الحَسَنُ بنُ أبي بكرٍ، أخبَرَنَا أبو سَهْلٍ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيَادٍ القَطَّان، حدَّثَنَا جَعْفَرٌ الطَّيَالِسِيُّ قال: قال يَحْيَى بن مَعِيْنٍ - وقيل له: إِنَّ حُسَيْنًا الكرابِيْسِيَّ يتكلَّمُ في أحمدَ -: قال: "ما أَحْوَجَهُ أَنْ يُضْرَبَ". أخبَرَنَا محمَّدُ بنُ الحُسَيْن القَطَّانُ، حدَّثَنَا أبو سَهْلِ بن زيادٍ، حدَّثَنَا جَعْفَرُ بنُ أبي عُثمان الطَّيَالِسِيُّ قال: سمعت يَحْيَى بن معين - وقيل له: إِنَّ حُسَينًا الكرابيسيَّ يَتَكَلَّمُ في أحمدَ - قال: "ومَنْ حُسَيْنٌ الكَرَابِيْسِيُّ؟! لَعَنَهُ اللهُ، إِنَّما يتكلَّمُ في النَّاسِ أشكالُهُم يُنْطَلُ حُسَينٌ وَيَرْتَفِعُ أَحْمَدُ". قال جعفرٌ: "يُنْطَلُ يعني يُنْزَلُ، وهو الدُّرْدِيُّ الَّذي في أسفل الدَّنِّ … " وذكر أخبارًا أُخْرَى، وكان الكَرَابِيْسِيُّ يقولُ: "نُطقي بالقُرآن مخلوقٌ"، وكان أحمدُ يَقُوْلُ: "إنَّ قولَهُ هذا بِدْعَةٌ" ويَنْهَى أصحابَهُ أن يُكَلِّمُوه، أو يُكَلِّمُوا مَنْ يُكَلِّمه، ويقولُ: "إنَّ هذا القَوْلَ وما تَشَعَّبَ منه يرجعُ إلى قَوْلِ جَهْمٍ"؛ لذلك لمَّا=
[ ١ / ٨٤ ]