نَشَأَ أبو الحُسين في وَسَطٍ عِلْمِيٍّ، فَوَالِدُهُ القاضي أبُويَعْلَى مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْن بنِ الفرَّاء (ت ٤٥٨ هـ) إمامُ الحَنَابِلَةِ في وَقْتِهِ دُونَ مُدَافَعٍ، ويُعْرَفُ عندهم بـ "القَاضِي " على الإِطْلَاقِ، ولسنا بحَاجَة لذكرِ مكانَته الاجتماعية، ولا مَنْزلتِهِ العلميَّةِ، فسُمْعَتُهُ مَلأَتِ الدُّنْيا، وشُهْرَتُهُ طبَّقتِ الآفاقِ، ذَكَرُه ابنُهُ في كتابنا هذَا في الجُزء الثَّالث (الطَّبقة الخامسة) وجعله أمةً وحدَهُ في هَذِهِ الطَّبَقة، ولم يَذْكُر فيها سِوَاهُ، وَذَكَرَ سيرتَهُ ومَنَاقبَهُ حتَّى جَاوزَ الحَدَّ في ذلك من ص (٣٦١ - ٤٢٦)، ولاشَكَّ أنَّ سِيْرَةَ القاضي أَبِي يَعْلَى ﵀ جَدِيِرَةٌ بأن تُسَطَّرَ ويُشَادَ بها؛ لأنَّ في ذِكْرِ مَنَاقِبِهِ أُسْوَةً لطلبةِ العِلْمِ، كغيره من العُلَمَاء المُبَرِّزِين، لكن لو أنَّه أَفرَدَهَا في كِتَابٍ خَاصٍّ كَمَا يَفْعَلُ كثيرٌ من العُلَمَاءِ، وَأوْرَدَ في تَرْجَمَتِهِ في الطَّبقاتِ أَهَمَّ مَلَامِحِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ
_________________
(١) جاء في مُعجم شيوخ الحافظ ابن عَسَاكِرٍ: ورقة: ٢٠٩ تعليقةً منقولةً من خطِّ المُصَنِّفِ: "ولد أبو الحُسَيْن بن الفرَّاء في النَّصْف من شعبان … وقيل: … ثم كلام لم أتبيَّنُه … ثم قتله اللُّصوص في بيته (بخط المُصَنِّفِ) " وَبِهَذِهِ الخُرُوْم ذَهَبَت فائدتها؟!.
[ المقدمة / ١٤ ]
لئلَّا يَخْرجَ الكتابُ عن حَدِّهِ وَرسْمِهِ، ولكي تكونَ تَرَاجِمُهُ مُتَقَارِبَةً في معلومَاتِهَا وفوائِدِهَا، لكانَ أَحْسَنَ وأَجْدَرَ، رَحِمَ الله أَبَا الحُسَين ورَحِمَ أباه.
- وجَدُّه أُبو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ خَلَفٍ "ابنِ الفرَّاء" (ت ٣٩٠ هـ):
حَنَفِيُّ المَذْهَبِ، تَرجَمَ له القُرَشيُّ في "الجَوَاهِرِ المُضِيَّة" رقم (٥١٩)، والتَّمِيْمِيُّ في "الطَّبَقَات السَّنِيَّة ": (٣/ ١٦٠)، قال القُرشيُّ: "والد أبي يَعْلَى الفَرَّاءِ الحَنْبَلِيِّ المشهورِ، دَرَسَ على أَبي بكرٍ الرَّازِيِّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيْفَة ﵁". ولِجَدِّهِ هَذَا أَخْبَارٌ وَمَنَاقِبُ.
- وَعَمُّهُ أَبُوخَازِمٍ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْن أيضًا (ت ٤٣٠ هـ): كانَ عَالِمًا مُحَدِّثًا لكِنَّه نَزَعَ إلى مَذْهَبِ الاعْتِزَالِ، وخَلَّطَ في سَمَاعِهِ، فَلَمْ يَرْضَهُ المُحَدِّثُون، قال الحافِظُ الخَطِيْبُ: "كَتَبْنَا عَنْهُ، وكان لا بَأْسَ بِهِ، ورَأَيْتَ لَهُ أَصُولًا، سَمَاعُهُ فيها صَحِيْحٌ، ثُمَّ بَلَغَنَا عَنْه أنَّه خَلَّطَ في التَّحْدِيْثِ بمِصْرَ، واشْتَرَى من الوَرَّاقين صُحُفًا فَرَوى مِنْهَا، وكَانَ يَذْهَبُ إلى الاعْتِزَالِ". قال: "مَاتَ أَبُو خَازِمٍ بِتِنِّيْسَ في يومِ الخَمِيْس السَّابِعَ عَشَرَ من المُحَرَّمِ في سَنَة ثَلَاثِيْنَ وأرْبَعِمَائَةَ، ودُفِنَ بدمياط". يُرَاجَعُ: تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٢)، والأنساب (٩/ ٢٤٧).
ولأبي الحُسَيْنِ أَخَوَانِ من أَهْلِ العلم هُما: (أبُو القَاسِمِ)، و(أبُوخَازِمٍ)
- أمَّا أبُوالقَاسِمِ عُبَيْدُ اللهِ (ت ٤٦٩ هـ): فَذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في "الطَّبَقَاتِ" (٣/ ٤٣٥) رقم (٦٧٣) قال في ترجمته: "أَخِي الأكْبَرُ، الشَّابُّ، العَالِمُ، الوَرِعُ، الصَّالحُ" وذكر مولدَهُ سنةَ ثَلَاثٍ وأربعين وأَرْبَعِمَائَةَ، ووفاتَهُ سنةَ تِسْعٍ وسِتِّين وَأَرْبَعِمَائَةَ، بمَوضعٍ في طَريقِ مكَّة يُعْرَفُ بـ "مَعْدنِ
[ المقدمة / ١٥ ]
النَّقِرَةَ" (^١) اخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ شَابًّا، عُمْرُهُ ستٌّ وعشرُون سَنَةً، وَذَكَرَ أَخْبَارَهُ.
- وأمَّا أَخُوْهُ الآخَرُ أَبُو خَازِمٍ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بن الحُسَيْن (ت ٥٢٧ هـ): فَتَرْجَمَ له الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ في "ذَيْلِ الطَّبَقَاتِ" (١/ ١٨٤)، ومولِدُهُ في صَفَرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمسين وأَرْبَعِمَائَةَ، وسَمِعَ أَغْلَبَ شُيُوخِ أَخِيْهِ القاضي أبي الحُسَيْنِ، ووفَاتُهُ بعدَ أخِيْهِ بسَنَةٍ، يومَ الاثنين تاسع عشري صَفَرٍ سنةَ سبعٍ وعشرين وخَمْسِمَائَةَ، وذكر الحافظُ ابنُ رَجَبٍ، عن ابنُ نُقْطَة أَنَّه حدَّثَ عن أَبيْه القَاضِي أَبِي يَعْلَى، قال: "وَمَا أَظُنُّه إلَّا بالإجَازَةِ، فإِنَّه وُلِدَ قَبْلَ مَوْتِ وَالِدِهِ بسَنَةٍ".
أَقُوْلُ -وَعَلَى اللهِ أعْتَمِدُ-: ذَكَرَهُ ابنُ نُقْطَةَ في تكملة الإكمال (٤/ ٥٥٨) ولم يذكرْ شيئًا عن سَمَاعِهِ عن أبيه، وفي التَّقْيِيْدِ (١/ ١٠٤) ذَكرَ صَاحِبَنَا أَبَا الحُسَيْن ولم يَذْكُرْ أبَاخَازِمٍ وقال: "وَقَدْ حَدَّثَ عن أَبِيْهِ وغَيْرِهِ … " ثُمَّ قَالَ: "حَدَّثَنَا عنه المُظَفَّرُ بنُ إِبْرَاهِيْم بن البَرْنِيِّ (^٢) بجُزْءٍ عن حَدِيْثِهِ عن أَبِيْهِ" وابنُ البَرْنِيِّ هذَا هو آخرُ من حَدَّث عَنْه- كَمَا سَيَأْتِي في مَبْحثِ تَلَامِيْذه- ويَزيدُ الأمْرَ وُضُوحًا مَا جَاءَ في "المَشْيَخَة البَغْدَادِيَّةِ" للحَافِظِ السِّلَفِيِّ (مَخْطُوطٌ) ورقة (٢٦٩) قال: "أخْبَرَنَا القَاضِي أَبُوخَازِم مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْن بن مُحمَّدُ بن خَلَف بنِ أَحْمَد بنِ الفَرَّاء الحَنْبَلِيُّ بِقرَاءتي
_________________
(١) كذا ضَبْطُها. يُراجع هامش ترجمته.
(٢) تحرَّف فيه وفي كثير من المصادر إلى "البري" وهو حنبليٌّ، له أخبارٌ، من أسرةٍ مشهورةٍ، وسيأتي التَّعليق عليه في مبحث (تلاميذه) إن شاء الله تعالى.
[ المقدمة / ١٦ ]
عليه في دَارِهِ ببابِ الأزجِ جانب الشَّرْقيِّ، في ذِي الحِجَّة سنةَ خمسٍ وتِسْعِيْن، وذكر أَنَّه لم يَسْمَعْ من وَالِدِهِ شَيْئًا، وقال: لي منه إجازةً. تُوفي والدي في شَهْرِ رَمَضَان سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْن، وكُنْتُ أَنَا إذْ ذَاكَ ابنُ سَنَةٍ ونِصْفٍ وأَيَّامٍ، وَكَانَ موَلدُ وَالِدِي سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وثَلَاثِمَائَة على ما قِيْلَ، (أَنَا) جَدِّي لأمِّي أبُوالحَسَن جَابِرُ بنُ يَاسِيْن بن الحَسَن بن مَحْمُوْيَه الحَنَّائِيُّ (نا) أَبُو القَاسمِ عِيْسَى بنُ عَلِيِّ بنِ عِيْسَى الوَزِيْرُ … ". ويُسْتَفَادُ من هذَا النَّصِّ أَنَّه هو الذي لم يَسْمَعْ منْ والِدِهِ، لا أَخُوْهُ أبو الحسين، كَمَا يُفيدُ النَّصُّ أَنَّه شَقِيْقُ أَبِي الحُسَين؛ لأنَّ جَدَّهما معًا جابرُ بنُ يَاسِيْن.
- ويَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرُ لأبي الحُسَيْن، ولا لأَخِيْهِ أَبِي القَاسِم ذُرِّيَّةٌ من العُلَمَاءِ، لا من الأوْلَادِ ولا من الأحْفَادِ، أَمَّا أخُوْهُ أَبُو القَاسم فتُوفيَ صَغِيْرًا عُمْره سِتٌّ وعشرون سَنَةً، ولم يُذْكَرْ أنَّ له ذُرِّيَّةً.
وأمَّا أبُو الحُسَيْن فَتَدُلُّ حَادِثَةُ قَتْلِهِ في بَيْتٍ يَسْكُنُه بِبَابِ المَرَاتِب لِوَحْدِهِ (^١) أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ له أَوْلادٌ، وإن كَانَ ذلِكَ لَيْسَ بلَازِمٍ.
واشتُهِرَ لأخِيْه (أبي خَازِمٍ) ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ، هُمْ:
- أَبُو يَعْلَى القَاضِي الفَقِيْهُ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْن، عِمَادُ الدِّيْنِ (ت ٥٦٠ هـ): وُلِدَ سَنَة (٤٩٤ هـ) فَسَمِعَ من أَبِيْهِ، وعَمِّهِ القَاضِي أَبي الحُسَيْن، واشتُهِرَ، وَتَمَيَّزَ، حَتَّى صَارَ شَيْخَ المَذْهَبِ في زَمَنِهِ، وعُرِفَ بـ "أَبِي يَعْلَى الصَّغِيْرِ" للفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ جَدِّه القَاضِي أِبي يَعْلَى الكَبِيْر
_________________
(١) سيأتي ذلك في مبحث وفاته.
[ المقدمة / ١٧ ]
جَدُّ هذَا البَيْتِ الحَنْبَلِيِّ، ووُصِفَ بأَنَّه: "ذُو ذَكَاءٍ مُفرِطٍ، وذِهْنٍ ثَاقِبٍ، وفَصَاحَةٍ، وحُسْنِ عِبَارةٍ" وثَنَاؤُهُم عليه كَثيرٌ، ﵀ وَغَفَرَ له. أخبُارُه في ذَيْلِ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (١/ ٢٤٤)، وقد خَرَّجتُ تَرْجَمَتَهُ في تَحقيقي للكِتَابِ المَذْكُورِ، نَفَعَ اللهُ بِهِ.
- وأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحيم بنُ مُحَمَّدٍ القَاضِي (ت ٥٧٨ هـ): سَمِعَ مِن أَبِيْه، وعَمِّه أبي الحُسَيْن وَغَيْرِهِمَا. مولدُه سَنة (٥٠٩ هـ) ووفَاتُه سَنَةَ ثَمَانٍ وسَبْعِيْن وَخَمْسِمَائَةَ، وله عدَّةُ أَوْلادٍ سَمِعُوا الحَدِيْثَ، اشتُهِرَ مِنْهُم:
- عبد المُنْعِم بن عبد الرَّحيم (ت ٦٠٤ هـ) ذكره الحافظُ المُنْذِريُّ في التَّكْملة (٢/ ١٣٣)، أثنى عَلَيْه، وذكر شُيُوخَهَ، ثمَّ قَالَ: "لَمْ يَبْلُغْ سنَّ الرِّواية" (^١).
- وأَبُو الفَرَجِ علِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ القَاضِي (ت ٥٤٦ هـ): سَمِعَ بِإِجازَتِهِ من العَاصِمِيِّ، وأبِي الفَضْلِ بنِ خَيْرُون، وابن الطّيُورِيِّ وَغَيرِهِم، وهو وَالدُ القَاضِي عَبْدِ الله بنِ عليٍّ الآتي. يُراجَعُ: ذَيْلُ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (١/ ٣٥٣).
واشتُهِرَ للشَّيْخ القَاضِي أَبِي يَعْلَى الصَّغِيْرِ من الوَلَدِ:
- المُظَفَّرُ بنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو مَنْصُوْرٍ (ت ٥٧٥ هـ): مَوْلِدُهُ سَنَة سِتٍّ وثَلَاثِيْن وَخَمْسِمَائَةَ، سَمِعَ الحَدِيْثَ، واشتَغَلَ بالفِقْهِ أَصُولًا وفُرُوْعًا، وبَرَعَ ونَاظَرَ وتَأَدَّبَ، وقال الشِّعْرَ الجَيِّدَ. أَخْبارُهُ في: ذَيْلِ طَبَقَات الحَنَابِلَةِ (١/ ٣٤٣).
- وأحمدُ بنُ مُحَمَّدٍ، جَمَالُ الدِّين القَاضِي، أبوُ العبَّاسِ (ت ٦١١ هـ):
_________________
(١) يَعني أنَّه سَمعَ الحديثَ ولم يُحَدِّثْ.
[ المقدمة / ١٨ ]
مولدُه بوَاسطَ؛ -إذْ كَانَ أَبُوه قَاضِيْها- بعدَ الأرْبَعِيْن وَخَمْسِمَائَةَ بقَليلٍ، عُنِيَ بالحَدِيْثِ، وكَتَبَ بخَطِّهِ الكثيرَ، وكان خَيِّرًا، من أهلِ الدِّينِ، والصِّيَانةِ، والعِفَّةِ.
واشْتُهِرَ لأبي الفَرَجِ عَلِيِّ بنِ محمَّدٍ من الوَلَدِ:
عَبْدُ اللهِ، وقيل: عُبَيْدُ الله بن عَلِيٍّ القَاضِي أَبُو القَاسِمِ (ت ٥٨٥ هـ) (^١): وُلِدَ سَنَة (٥٢٧ هـ)، وأَسْمَعَهُ أَبُوه الكثيرَ في صِبَاهُ، وسَمعَ هو بنفسِهِ من ابن نَاصرٍ السَّلَاميِّ، وسَعيدِ بنِ البَنَّاءِ وغَيْرِهِمَا، وكَتَبَ بِخَطِّه وَتَمَيَّزَ، وكَانَتْ دَارُهُ مَجْمَعًا وَمَأْلَفًا لأهْلِ العِلْمِ، ويُنْفِقُ عَلَيْهِم بِسَخَاءِ نَفْسٍ، وسعَةِ صَدْرٍ، وكَانَ حَسَنَ الخُلُقِ، لَطِيْفَ المُعَاشَرَةِ، وله مُؤَلَّفاتٌ تَدُلُّ على عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، وقد أَثْنَى العُلَمَاءُ عَلَيْهِ ثَنَاءً جَمِيْلًا. أَخْبَارُهُ في: ذَيْل طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (١/ ٣٥١)، والمُخْتَصَرِ المُحْتَاجِ إليه (١/ ١٨٠)، وذيل تاريخ بَغْدَادَ لابن النَّجَّار (٢/ ٩٢) … وغيرها.
- وأختُهُ بِشَارَةُ بنتُ عَلِيٍّ. أَخْبَارُها في تكملة الإكمال (٣/ ٢٦٩).
هَذَا مَا عَرَفْتُهُ الآنَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ (آل أَبي يَعْلَى الحَنْبَلِيِّ البَغْدَادِيِّ).
- أَمَّا أَخْوَالُهُ: فجَدُّهُ لأمِّهِ جَابرُ بنُ يَاسين بن الحَسَن بنِ مَحْمُوْيَه العُكْبَرِيُّ الحِنَّائِيُّ (ت ٤٦٤ هـ): رَوَى عنه المُؤَلِّفُ في كتابنا هذَا كما سيأتي في مبحث (شُيُوخِهِ) وَوَصَفَهُ بـ (جَدِّي لِأُمِّي)، ونُسِبَ (الحِنَّائيُّ)
_________________
(١) لَقَّبه ابن الفُوطي في مَجّمَع الآداب (٤/ ٤٦٣) بـ "مَجْدُ القُضَاةِ" وقال: "هو من المُعَدَّلين هو، وأبوه، وجدّه، وجد أبيه، وجدُّ جدِّه".
[ المقدمة / ١٩ ]
لأنَّه كان يَبِيْعُ الحِنَّاءَ، وكَانَ عطَارًا، كَذَا قال الحَافِظُ السَّمْعَانِي في "الأنساب" (٤/ ٢٤٤)، وقال: "مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، شَيْخٌ ثِقَةٌ" وذكره أبُو بَكْرٍ الأنْصَارِيُّ (قَاضِي المَارِسْتَان) في "مَشْيَخته" ورقة: (٣٠)، وله أَخْبَارٌ في ذَيْلِ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (١/ ٨٧)، ولَمْ يَذْكُرْهُ أبُو الحُسَيْنِ؟! وَذَكَرَ ابنَهُ عبْدَ اللهِ الآتي بعدَه. ويُراجَع: تاريخ بغداد (٧/ ٢٣٩)، والمنتظم (٨/ ٢٧٤)، وغيرهما.
- وخَالُهُ عَبْدُ اللهِ بنُ جَابرٍ (ت ٤٩٣ هـ): ابنُ سَابِقِهِ، ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ (٣/ ٤٦٨)، رقم (٦٩٢)، قال: "خَالي سمع من الوَالِد السَّعِيْدِ .. "
- وخَالُهُ الآخَرُ مُحَمَّدُ بنُ جَابرٍ: ذَكَرَه ابنُ الدَّبيثي في ذيل تاريخ بغداد (١/ ٢٠٠)، وَلَم يَذْكُره المُؤَلِّفُ فَهُو مُسْتَدْرَكٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى المُؤَلِّفُ سَنَدًا في كتابه (٣/ ١٨، ١٩) عن جَدِّهِ جابرٍ عن خَالِهِ الحَسَنِ بنِ عُثْمَان. فَحَسَنُ بنُ عُثْمَان هذَا خالُ جَدِّه لأمِّهِ.
- وجَدُّ وَالدِهِ لأمِّه أَبُو القَاسِمِ عُبَيْدُ اللهِ بن عُثْمَان بن يَحْيَى بنُ جَنِيْقَا (ت ٣٩٠ هـ): ورُبَّمَا قيل: (الجَنِيْقِيُّ) بياء النَّسَبِ (^١). مُحدِّثٌ، قال عنه الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ: "كَانَ صَحِيْحَ الكِتَابِ، كثيرَ السَّمَاعِ، ثَبْتَ الرِّوايةِ، ثِقَةً، مَأْمُونًا، صَدُوْقًا، فَاضِلًا، حَسَنَ الخُلُقِ. قَالَ المُؤْلِّف في تَرْجَمَةِ وَالِدِهِ في ذِكْرِ شُيُوخِهِ (^٢): "ومِنْ جَدِّهِ لأمِّهِ أبي القَاسِمِ بنِ جَنِيْقَا".
_________________
(١) الأنساب: (٣/ ٣٢٨).
(٢) طبقات الحنابلة (٣/ ٣٦٦).
[ المقدمة / ٢٠ ]
وَذَكَرَ في تَرْجَمَةِ والدِهِ أيضًا (^١) أَنَّ مِمَّن أَخَذَ عَنْهُ ابنَا خَاله أَبُو طَاهرٍ، وأَبُو غَالِبٍ. ولم يَذكُرهُمُا المُؤَلِّفُ، فَلَعَلَّهُمَا لم يَتَمَيَّزْ بعلمٍ.
- وخَالُ أُمِّه، أَبُو القَاسِمِ البُنْدَارُ البُسْرِيُّ عليُّ بنُ أحْمَد بنِ مُحَمَّدٍ (ت ٤٧٤ هـ)، تَدُلُّ كثرةُ النَّقلِ عنه والإسنادِ إليه في كِتَابنا هَذَا عَلَى كَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ له، ولا غَرَابَة في ذلك؛ لصِلَةِ القَرَابَة بينَهُمَا، ولأنَّ والدَهُ تُوفِيَ فيظهرُ أنَّه وَجَدَ من حَنَان أَخْوَالِهِ ما يُعوِّضُهُ عن بَعْضِ ما فَقَدَ لِفَقْدِ الأَبِ، مع ما يَتَمَتَّعُ به خَالُ أُمِّه هذَا من سُمْعَةٍ طَيِّبةٍ لَدَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ. قَالَ الحَافظُ الخَطِيْبُ (^٢): "كَتَبْتُ عَنْه وَكاَنَ صَدُوْقًا" ويَقُولُ الحَافظُ السَّمْعَانِيُّ (^٣): "شيخُ بَغْدَادَ في عَصْرِهِ" وَوَصَفَهُ الحَافِظُ الذَّهبيُّ (^٤) بأَنَّه: "كَانَ حَسَنَ الأخْلَاق مُتَوَاضِعًا ذَا هَيْبَةٍ ورُوَاءٍ"، ووَصَفَه المُؤَلِّفُ في إِسْنَادِه إليه في بَعْضِ المَواضِعِ بـ "خَالِي" أوْ "خَالِ أُمِّي" وكأَنِّي به يَعْتَزُّ بِهَذِه القَرَابة، ويُفَاخِرُ بها، وَسَيَأْتِي ذكرُهُ في مَبْحَثِ (شُيُوخِهِ).
- وابنُهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ البُسْرِيُّ: قَالَ الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ (^٥): "صَارَ من مُحَدِّثِي بَغْدَادَ؛ لِكِبَرِ سِنِّهِ وعُلُوِّ سَنَدِهِ في عَصْرِهِ"، وَذَكَرَ مَوْلِدَهُ، وَوَفَاتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وتسِعين وأَرْبَعِمَائَةَ.
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٣٣٥).
(٣) الأنساب: (٢/ ٢١١).
(٤) تاريخ الإسلام: (١٢٥) وفيات (٤٧٤ هـ).
(٥) الأنساب: (٢/ ٢١١).
[ المقدمة / ٢١ ]
هَؤُلَاءِ هُمْ ذَوُوا قَرَابةِ أَبي الحُسَيْنِ من آبائه، وإخوَانُهِ، وأَبْنَاءِ إِخْوَانِهِ وأخْوَالِهِ من أُمِّه وَأَبيه، ممَّن ينتسِبُ إلى العِلْم، الَّذِيْن ذكرهم أَصْحَابُ التَّراجِمِ، ممَّن وَقَفْتُ عليه في تَتَبُّعي واسْتِقْرَائِي النَّاقِصِ لكُتُبِ التَّراجِمِ الَّتي تَوَصِّلْتُ إليها، وهي تَدُلُّ دِلَالَةً أكِيْدَةً على أنَّ البيْئةَ الاجتماعيةَ المُحيْطَةَ بأِبي الحُسَيْنِ بيئةٌ عِلميَّةٌ، فَلا غَرَابَةَ في نُبُوغِهِ المُبَكِّرِ، وحِرْصِهِ على طَلَبِ العِلْمِ، وَدَأْبِهِ في تَحْصِيلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فَقْدُهُ لأبِيْهِ ليَقِفَ حَائِلًا دُوْنَ تحقيقِ هَذِه الرَّغبة السَّامِيَةِ، فعوَّضَهُ اللهُ بِأَخْوَالِهِ من أَهْلِ العِلْمِ، ثم بشُيُوخِهِ من تَلاميذِ أبيه وَغَيْرِهِم ما مَكَّنَهُ من مُواصَلَةِ الطَّلَبِ حتَّى أَصْبَحَ "ثِقَةً، صَحِيْحَ السَّمَاعِ فَاضِلًا" (^١) و"بَرَعَ في الفِقْهِ وأَفْتى" (^٢).