بدأَ المؤلِّفُ كتابَهُ بخُطبةٍ -على عادِةِ أكثرِ المُؤَلِّفين- حَمِدَ اللهَ فيها وأَثْنَى عَلَيْه بما هو أهْله، وصلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، ثمَّ قال: "هَذَا كتابٌ استَخَرْنَا الله تَعَالَى في تأليفِهِ وسألنَاهُ المَعُوْنَةَ على تَصْنِيْفِهِ … " ولم يذكر في أوَّلِ خُطْبَةِ كتابِهِ هَذَا خُطَّتَهُ في العَمَلِ، ومَنْهَجَهُ في الكِتَابِ، وبدأ بتَرْجَمَةِ الإمامِ أَحْمَدَ، فَتَرْجَمَ له تَرْجَمَةً وَافَيَة، لكَنَّهَا غير مُسْتَوْعِبَةٍ لفَضَائِلِ الإمامِ ومَنَاقِبِهِ، لأنَّ المُؤَلِّفَ خَصَّ فَضَائِلَهُ ومَنَاقِبَهُ بمُؤلَّفٍ أحَالَ
[ المقدمة / ٧٤ ]
عليه في خِتَامِ التَّرْجَمَةِ قَالَ: "وَمَنْ أَرَادَ أن يَنْظُرَ في فَضَائِلِهِ فَلْيَنْظُرْ في كِتَابِنَا "المُجَرَّدِ" في فَضَائِلِهِ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُه" وحَسَنًا فَعَلَ.
وبعدَ ترجمةِ الإمامِ أحمدَ ذكرَ خُطَّتَهُ في الكِتَابِ؛ لأنَّ تَرْجَمَةَ الإمَامِ أحمدَ غيرُ داخلةٍ في الكِتَابِ؛ فالكِتَابُ مؤلَّفٌ في جَمْعِ تَرَاجِم أصْحَابِهِ، فكَأنَّه جَعَلَ التَّرجمةَ كالمَدْخَلِ إلى الكِتَابِ، لكنِّي جَعَلْتُ ترجمة الإمام أَحْمَدَ إحدى تَرَاجِمِ الكِتَاب فأعْطَيْتُهَا رَقمًا، ولو لم أَفْعَل لكان مُمْكِنًا، وكان له وَجْهٌ، قَالَ المُؤَلِّفُ بعدَ ذلِكَ: "فلنَذْكُرِ الآنَ يا أَخي- عَمَرَ اللهُ مَجْلِسَكَ، وأَمْتعً اللهُ بكَ مُجْلِسَكَ -طَبَقَاتِ أَصْحَابِنَا، .. وقد جَعلتُهُ ستَّ طَبَقاتٍ؛ (الطَّبقةُ الأُوَلَى) في ذكرِ أصحابِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، ومنْ رَوَى عنه حَدِيْثًا، أوْ مَسْأَلَة، أو حِكَايةً … و(الطَّبقةُ الثَّانِيَةُ) في ذكر أَصْحَابِ أصْحَابِهِ، وكَذلِكَ الطَّبَقَاتُ التي بَعْدَهَا … وَجَعَلْنَا الطَّبقةُ الأُولى والثَّانيةَ على حُرُوفِ المُعْجَمِ في أَوَائِلِ الأسْمَاءِ، وأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ؛ ليَسْهُل عَلَى مَنْ أرَاد أن يَنْظُرَ في تَرْجَمَةٍ منها، وما بَعْدَهُمَا من الطَّبَقَاتِ على تَقُدُّمِ العُمْرِ والوَفَاةِ. هَذَا هو مَنْهَجُ المؤلِّفِ في الكِتَابِ، وقَدْ وَصَفَ ابنُ بَدْرَان في المَدْخَلِ (٤٧٨) كتاب "الطَّبقات" لابن أبي يَعْلَى بأنَّه أَجَلُّ كتبُ طَبَقَاتِ الأصْحَابِ، قال: "وَقَدْ جَعَلَ هَذِ الطَّبَقَاتِ على سير الطَّبقات الأولى والثَّانية، وهكَذا مُرَتبًا كُلَّ طبقةٍ على حُرُوْفِ المُعْجَمِ مرتبًا الطَّبقاتِ على تَقْدِيْمِ العُمْرِ والوَفَاةِ" هكَذا النَّصُّ في طبعة الدُّكتورِ عبدِ الله بنِ عبد المُحْسن التُّركيِّ سنة (١٤١١ هـ)، وهو كذلِكَ في الطَّبعةِ المُنِيريَّةِ: (٢٤٩)، وفيه
[ المقدمة / ٧٥ ]
تَحْرِيْفٌ، وسَقْطٌ ظَاهِرَانِ، "فَقَوْلُهُ على سير الطَّبَقَاتِ" صَوَابُهُ "عَلَى سِتِّ طَبَقَاتٍ"، كما هُو في كلامِ المُؤَلِّفِ، وقولُهُ: "مُرتَّبًا كلّ طَبَقَةٍ على حُرُوْفِ المُعْجَمِ" مع قَوْلهِ: "مُرَتَّبًا الطَّبقات على تَقْدِيْم العُمْرِ والوفاةِ" فيه سَقْطٌ أَفْسَدَ المَعْنَى وَجَعَلَهُ مُتَنَاقِضًا؟! صَوَابُهُ كَمَا جَاءَ في كلامِ المُؤَلِّفِ: "وَجَعَلْتُ الطَّبَقَةَ الأوْلَى والثَّانِيَةَ عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ، وما بعدَها من الطَّبَقَاتِ على تَقَدُّم العُمرِ والوَفَاةِ".
وَوَصَفَ مُحَقِّقا "التَّمامِ … " للمُؤلِّفِ أَبي الحُسَيْن بنِ أبي يَعْلَى كتاب "الطَّبقات" فَقَالَا: "وَقَدْ قسَّمَهُ مُؤَلِّفُهُ -كمَا هو ظاهرٌ من عُنْوَانِهِ- إلى طَبَقَاتٍ وعَدَدُها ستُّ طَبَقَاتٍ" وهَذِهِ العبارة غيرُ مُسْتَقِيْمَةُ المُعْنَى، فلا يُعرَفُ من عنوانِهِ أنَّه جَعَلَهُ سِتَّ طَبَقَاتٍ، فَعَدَدُ الطَّبقات غَيْرُ مَنْصُوْصٍ عليه في عنوان الكتاب، بل يُعرَفُ أولًا من مُقَدِّمَةِ المُؤَلِّفِ، وَثَانيًا من وَاقِعِهِ الذي هو عَلَيْهِ. ثمَّ قَالا: "ورتَّبَ كلَّ طَبَقَةٍ بمفردها على حُرُوف المُعْجَمِ (الحُرُوْف الأبْجَدِيَّة) " وهَذَا غيرُ صَحِيْحٍ، فالمُرَتَّبُ على حُرْوفِ المُعْجَمِ هُمَا الطَّبقَتَانِ الاوْلَى والثَّانِيَةُ، كَمَا صَرَّحَ المؤلِّفُ بذلك، وَقَدْ تقدَّم نَصُّهُ: "وما بعدهما من الطَّبَقَاتِ على تَقَدُّمِ العُمْرِ والوَفَاةِ". وقالا بَعْدَ ذلك: "وَقَدْ يَحْصُلُ فيه تَقْدِيْمٌ وتأخِيْرٌ في بَعْضِ الأحْيَانِ داخل الحَرْفِ الوَاحِدِ كتَقْدِيْمِ أحمد على إبراهيم" أقولُ: تقديمُ (أحمدُ) على (إبراهيم) لا يُعتبَرُ من التَّقديم والتّأخِيْر المُخِلِّ بالمَنْهَجِ، لأنَّ كثيرًا من العُلَمَاءِ الذين كَتَبُوا في الطَّبَقَاتِ والرِّجَالِ قدَّمُوا (أحْمَد) على (إبراهيم) ولا يُعتبر هذَا
[ المقدمة / ٧٦ ]
مُخالَفَةً، ولا منتقدًا، إنَّما هُو منهجٌ لبعضِ أهلِ العلمِ، وقد قدَّم (الأحمدين) الحافظُ المِزِّي في (تهذيب الكمَالِ) وتبعه الحافظ ابنُ حَجَرٍ في "تَهذيب التَّهذيب" وغيرُهُما، وربَّمَا قدَّموا من يُسَمَّى (مُحَمَّدًا) على الجَمِيع تَيَمُّنًا باسم النَّبي-ﷺ، كما في "العقد الثَّمين في تاريخ البَلَدِ الأمِيْن" و"بغية الوُعَاة" وغَيْرِهِمَا.
وقال المُحقِّقَانِ: "وقد ابتَدَأَ الطَّبَقَةَ الأوْلَى بإمامِ المَذْهَبِ الإمَامِ أحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ" وهذَا لا يَصِحُّ أبدًا، ولا يَتَّفِقُ مع مادةٍ الكِتَابِ ومَوْضُوْعِهِ، فالكِتَابُ في "طَبَقَات الحَنَابِلَة" والحَنَابِلَةُ (أَصْحَابُ أَحْمَدَ) فكيفَ يَدْخُلُ أحمد في طَبَقَاتِ أصْحَابِهِ؟! والوَضْعُ الذي عليه الكِتَاب يُخالِفُ ذلِكَ، قال المُؤَلِّفُ ﵀: " (الطَّبَقَةُ الأولَى) مِمَّن رَوَى عن إمَامِنا أحْمَد ﵁ بابُ الألفِ (ذِكْرُ مَنْ اسمُهُ أَحْمَدَ وابتَدَأَ اسْمُ أبِيْهِ بالألِفِ، أحمَدُ بنُ إبراهيم بن كَثيْرِ بنِ زَيْدِ بن أَفْلَحَ … الدَّوْرَقِيُّ" هكَذا قال المُؤلِّفُ فهل ابتدأ الطَّبقة الأولى بالإمام أحمد؟! فترجمة الإمام أَحْمَد في مُقَدِّمَة الكِتَابِ جَعَلَهَا كَالمَدْخَلِ إلى الكِتَابِ -كَمَا قُلْنَا فِيْمَا سَبَقَ-.
وقَالَ المُحَقِّقانِ الفَاضِلَانِ: "وقد ذَيَّلها الحافظُ ابنُ رَجَبٍ بكتابه المَعْروف بـ "الذَّيْلِ عَلَى طَبَقاتِ الحَنَابِلَةِ، وهو مَطْبُوعٌ مع الطَّبقات في مجلَّدين".
أقُولُ -وَعَلَى اللهِ أعْتَمِدُ-: لم يُطْبَعْ كِتَابُ "الذَّيْلِ … " مع الطَّبَقَاتِ، إنَّما طُبعَ الجُزْءُ الأوَّلِ منه في المَعْهَدِ الفَرَنْسِيِّ بدمشق سنة (١٩٥١ م)،
[ المقدمة / ٧٧ ]
وفي عام (١٩٥٢ - ١٩٥٣) طُبع كامِلًا مُستقلًا، لا مع الطَّبقات كما هو مَعْلُومٌ وقَوْلُهُمَا: "مع الطَّبقات" يُفْهَمُ منه أنَّه في هَامِشِهَا كما هي عادةُ المَطَابع القَدِيْمَة يطبَعُون كتابًا في حَاشِيَة كتابٍ آخر، ويُعَبِّرُ الباحِثُون عن ذلك بقَوْلهِم: "طُبعَ مع … ".
وقال العَلاَّمَةُ ابنُ بدْرَان في "المَدْخَلِ": "وانتَهَى فيه إلى سَنَةِ اثنتي عَشْرَةَ وخَمْسِمَائة" والصَّحِيْحُ أنَّه انْتَهَى فِيْه إلى سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وخَمْسِمَائَةَ؛ لأنَّه تَرْجَمَ لأبِي الوَفَاءِ ابنِ عَقِيْلٍ، والمُبَارَكِ بنِ عليٍّ المُخَرِّمِيِّ، وهُما في وَفَيَاتِ سَنَةِ (٥١٣ هـ)، لكنَّه خَتَمَ بتَرْجَمَةِ طَلْحَةَ العَاقُولي (ت ٥١٢ هـ) مُخَالِفًا لِمَنْهَجِهِ -كَمَا سَيَأْتِي-.