قُلْنَا: إِنَّ كِتَابَ الَقاضِي أَبِي الحُسَيْنِ هَذَا مِن أجْوَدِ كُتُبِهِ، وإنَّه يُذْكَرُ في مُقَدِّمَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ، وقَدْ أَشَادَ بِهِ العُلَمَاءُ ونَقَلُوا عَنْه. وأقولُ هُنَا: أنَّه أول كِتَابٍ كَامِلٍ وَصَلَ إِلَيْنَا فِي "طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ" حَتَّى الآن، وأنَّ كُلَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَفَادَ مِنْهُ، وتَظْهَرُ قِيْمَتُهُ العِلْمِيَّةِ من أَمْرِيْن:
[ المقدمة / ٨٠ ]
أحَدُهُمَا: أنَّ جَمْعَهُ مُسْتَوْعَبٌ إلى حَدٍّ كَبِيْرٍ، وأنَّ العُلَمَاءَ الَّذِيْنَ جَاؤُوا بَعْدَهُ حَاوَلُوا الاستِدْرَاكَ عليه فَلَمْ يُوفَّقوا، فَاختَصَرَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ القَادِرِ بنِ عُثْمانَ الجَعْفَرِيُّ النَّابُلُسِيُّ (ت ٧٩٧ هـ) وقال في مُقَدِّمَتِهِ: "وزِدْتُ في بَعْضِ تَرَاجِمِ الشُّيُوْخِ … وَأَضَفْتُ إلى ذلِكَ أسْمَاءَ جَمَاعَةٍ من الشُّيُوخِ والأصْحَابِ سَتَقِفُ عَلَيْهَا حَيْثُ أَقُوْلُ: قُلْتُ فِي هَذَا الكِتَابِ".
يَقُوْلُ الفَقِيْرُ إلَى اللهِ تَعَالَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ سُلَيْمَان العُثَيْمِين- عَفَا اللهُ عَنْهُ-: وقد تَتَبَّعْتُ كِتَابَ النَّابُلُسِيِّ المَذْكُورِ فَلَمْ أظْفَرْ إلَّا بسِتِّ تَرَاجِمَ زَادَهَا على كِتَابِ القَاضِي أَبِي الحُسين، وسِتُّ تَرَاجِمَ أوْ نَحْوَهَا تُزَادُ على كِتَابٍ ضَمَّ سَبْعًا وسَبْعِمَائَةِ تَرْجَمَةٍ شيءٌ قَلِيْلٌ جدًّا. وكَثيْر من المَعْلُومَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابنُ الجَوْزِيِّ في "مَنَاقِبِ الإمَامِ أَحْمَدَ" أًخَذَهَا من فَوَائِدِ تَرَاجِمِ القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ وأَضَافَ مجموعةَ أسماءٍ لِعُلَمَاءٍ من أَصْحَاب أحمد لم يذكرهم المؤلِّفُ ولكِنَّهُمْ قِلَّة أيضًا. وألَّف ابنُ مُفْلحٍ "المَقْصَدِ الأرْشَدِ" والعُلَيْمِيُّ "المَنْهَجِ الأحْمَدِ" فَلَخَّصَا كَلَامَهُ ولَمْ يُضِيْفَا إلى تَراجِمِ أبي الحُسَيْن في فَتْرَتِهِ شَيْئًا يَسْتَحقُّ الذِّكْر.
وَنَظَرًا إلى تَوَافُرِ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ مَخْطُوطَةً ومَطْبُوعَةً، وتَقْرِيْبِ المَعْلُومَاتِ في عَصْرِنَا الحَاضِرِ، وَكَثرةِ الفَهَارِسِ في الكُتُبِ مَعَ وُجُودِ الرَّغْبَةِ المُلِحَّةِ اسْتَطَعْتُ -بحمدِ الله- أْن أسْتَدْرِكَ عليه بَعْضَ العُلَمَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا استَدْرَكَهُ غَيْرِي؛ وإِنْ كَنْتُ لم أُوْلِ الاسْتِدْرَاكَ الأهَميَّةَ التَّامَّةَ نظرَّاَ لضِيْقِ الوَقْتِ، لكِنْ لَا يَزَالُ قَلِيْلًا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى عَدَدِ تَرَاجمِ الكِتَابِ. والطَّبَقَةُ الأخِيْرَةُ من الكِتَابِ ضَعِيْفَةُ التَّاليف، قَلِيلةُ الجَمْعِ أَيضًا فالاسْتِدْرَاكُ عليه فيها رُبَّمَا
[ المقدمة / ٨١ ]
يَعْدِلُ الاسْتِدْرَاكَ عليه في الكِتَابِ كُلِّهِ، لكِنِّي جَعَلْتُ الاستِدْرَاكَ عَلَى تَرَاجِمِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ في كِتَابِ الحَافِظِ ابنِ رَجَبِ ﵀ "الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ" الَّذي أَعَادَ تَرَاجِمَ الطَّبَقَةَ وَزَادَ عَلَيْهَا لِيَكُوْنَ الاستِدْرَاكُ وَاحِدًا.
والثَّانِي: أَمَانَتُهُ المُتَنَاهِيَةُ في عَزْوِ النُّصُوْصِ والفَوَائِدِ إلى أَصْحَابِهَا حَتَّى إفَادَتِهِ مِنْ مُعَاصِرِيْه وأَقْرَانِهِ، وَهَذِه مَنْقَبَةٌ عَظِيْمَةٌ لأبي الحُسين تعدُّ في حَسَنَاتِهِ، وَقَلَّ أن تَجدَ مِثْلَ ذلِكَ عِنْدَ كَثيْرٍ مِنَ المُؤَلِّفِين؛ فَتَجِدُ التَّسَاهُلَ في ذلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ في مَبْحَثِ (مَصَادِرِ الكِتَابِ).