قَالَ الحَرْبيُّ (^١): مَاتَ أَحْمَدُ الوَكِيْعِيُّ ببَغْدَادَ سنةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، يَعْنِي ومَائَتَيْنِ، وعَرَضْتُ عَليه "مُسْنَدَ ابنِ أِبي شَيْبَةَ" كُلَّهُ، فكانَ يَذْكُرُ الحَدِيْثَ، فَأَسْأَلُهُ عَنْهُ؟ فَيَقُوْلُ: مَا سَمِعْتُ هَذَا من مُحدِّثٍ، وإِنَّمَا سَمِعْتُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ تَذْكُرُونَهُ. قالَ إِبْرَاهِيْمُ: وكانَ الوَكِيْعِيِّ يحفظُ مائةَ أَلْفِ حَدِيْثٍ، ما أَحْسَبُهُ سَمِعَ حَدِيْثًا قَطُّ إِلَّا حَفِظَهُ.
٩ - أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرِ (^٢) بنِ يَعْقُوب بنِ عبدِ الله، أَبو العَبَّاسِ الفَارِسيُّ الاصْطَخْرِيُّ رَوَى عَن إِمَامَنَا أَشْيَاءً: مِنْهَا: ما قرأتُ على المُبَارَكِ، عَن عليِّ بن عُمَر البَرْمَكِيِّ، (^٣)، قال: أَخْبَرَنَا أَحمدُ بن عبدِ الله المَالِكِيُّ، حدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا محمَّدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ يَعْقُوبَ بنِ زُوْرَانَ (^٤) -لَفْظًا-
_________________
(١) هذا الخبر وما بعده في "تاريخ بغداد".
(٢) ابنُ جَعْفَرٍ الاصْطَخْرِيُّ: (؟ -؟) أخبارُهُ في: مناقب الإمام أحمد (١٢٥)، ومُختصر النَّابُلُسِيِّ (١٥)، والمَقْصَدِ الأرشد (١/ ٨٤)، والمَنْهَجِ الأحمد (٢/ ٤٦)، ومختصره "الدُّرِّ المُنَضَّد" (١/ ١١٨). ولم أجد له ذكرًا في المصادر غير ما ذكره المؤلِّف وَمُتَابِعُوه. و"الاصطخري" منسوبٌ إلى اصْطَخْر من بلادِ فارس. يُراجع معجم البلدان (١/ ٢١١)، والأنساب للسَّمعاني (١/ ١٧٦)، ولم يذكرا أحمد بن جعفر لِعَدَمِ شُهْرَتِهِ.
(٣) المُبَارَكُ هو ابن عبد الجبَّار بن أحمد المشهور بـ "الطُّيُورِيِّ" تقدَّم ذكره. وأمَّا عليُّ بن عُمر البَرْمَكِيُّ فهو ابنٌ للشَّيخ عُمر بن أحمدَ بن إبراهيمَ، أبو حَفْصٍ البَرمَكِيِّ (ت ٣٨٧ هـ) ذكره المؤلِّفُ في موضعه رقم (٦٢٣)، ولم يذكر ابنه عليًّا هذا وذكر أخويه إبراهيم وأحمد ابني عُمَرَ، وأمَّا عليٌّ فتفقَّه على أبي حامد الاسفرائيني وانْنَقَلَ إلى مذهبِ الشَّافعيِّ ﵀
(٤) مضبوطة في (ب) و(جـ) هكذا "زُوْرَان" وهكذا في التَّوضيح لابن ناصر الدين (٤/ ٣١٥)،=
[ ١ / ٥٤ ]
حَدَّثَنَا أَبو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ يَعْقُوْبَ بنِ عبدِ الله الفَارِسِيُّ الاصْطَخْرِيُّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ أحمدُ بنُ مَحمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ (^١): "هَذا مذاهبُ أهلِ العلمِ وأَصْحَابِ الأثَرِ، وأَهلِ السُّنَّة المُتَمَسِّكِيْنَ بعُرُوقِهَا (^٢)، المَعروفينَ بها، المُقتَدَى بهم فيها، من لَدُنِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى يومِنَا هذَا، وأدركتُ مَنْ أَدركتُ من عُلَمَاءِ أَهْلِ الحِجَازِ والشَّامِ وغَيرِهِم عليها. فمَن خَالفَ شَيْئًا من هذِه المَذَاهبِ، أو طَعَنَ فيها، أو عابَ قائِلَهَا فهو مُبْتَدِعٌ، خَارِجٌ منَ الجَمَاعَةِ، زائلٌ عن مَنْهَجِ السُّنَّة وسَبِيْلِ الحَقِّ.
فَكَانَ قولُهُم: إِنَّ الإيمَانَ قولٌ وعَمَلٌ ونيَّةٌ، وتَمَسُّكٌ بالسُّنَّةِ. والإيمان يزيدُ ويَنْقُصُ، ويُسْتَثْنَى في الإيْمَانِ، غيرَ أَنْ لا يَكُونَ الاسْتِثْنَاءُ شَكًّا؛ إِنَّما هي سُنَّةٌ ماضِيَةٌ عندَ العُلَمَاءِ.
قالَ: وَإِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَإِنَّهُ يقولُ: أَنَا مؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ الله، أَوْ مُؤْمِنٌ أَرْجُو، أوْ يَقُوْلُ: آمَنْتُ باللهِ ومَلَائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ الإيمانَ قَوْلٌ بلا عَمَلٍ فهو مُرْجِئٌ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ الإيمانَ هُوَ
_________________
(١) = الأولى مضمومة والثانية مفتوحة بينهما واو ساكنة، وبعد الألف نون، وذكر محمد بن إبراهيم ابن زُوْرَانَ الأنطاكي الحافظ، قال: شَيْخٌ لابن جُمَيْعٍ، ويظهر أنه هو المذكور هنا؟!.
(٢) أَنْكَرَ الحَافِظُ الذَّهَبِي ﵀ في سير أَعْلَام النُّبَلاء (١١/ ٢٨٦) نِسْبَة هَذهِ الرِّسَالَة إِلَى الإمَامِ أَحْمَد لِمَا فِيْهَا مِنْ العِبَارَاتِ الَّتي لا يُتَصَوَّر صُدُوْرها عَن الإمامِ كَقَوْله: "مِنْ فِيْه" وَقَوْله: "مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِهِ" نَبَّهَنَي إِلَى ذلِك أَحَدِ الفُضَلَاء جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا.
(٣) في المطبوع من "المنهج الأحمد": "بعروَتها"، ولها حَظٌّ من الصِّحَةِ؛ إلَّا أنَّ الثابت بالنَّقل المجمع عليه في النُّسخ هو ما أثبتناه، وهو لفظ النَّابُلُسي في "مختصره" ومعناه صحيح أيضًا فوجب الأخذ به.
[ ١ / ٥٥ ]
القَوْلُ، والأعْمَالُ شَرَائعُ فهو مُرْجِئٌ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ الإيمانَ يَزيدُ ولا يَنْقُصُ فَقَدْ قَالَ بقَولِ المُرْجِئَةِ، ومَنْ لم يَرَ الاستثناءَ في الإيْمَانِ فهو مُرْجِئٌ. وَمَنْ زَعَمَ أنَّ إيمَانَهُ كإِيمانِ جِبْرِيْلَ ومِيْكَائِيْلَ والمَلَائِكةِ فهو مُرْجِئٌ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ المَعْرِفَةَ تَنْفَعُ في القَلْبِ لا يُتَكَلَّمُ بها فهو مرْجئٌ.
قَالَ: والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، وقَليلُهُ وكَثيْرُهُ، وظَاهِرُهُ وباطِنُهُ، وحُلْوُهُ ومُرُّهُ، ومَحْبُوبُهُ ومَكْرُوْهُهُ، وحَسَنُهُ وسَيِّئُهُ، وأَوَّلُهُ وآخِرُهُ من اللهِ، قَضَاءً قَضَاهُ، وقَدَرًا قَدَّرَهُ عَليهم، لا يَعْدُو واحدٌ منهم مَشِيْئَةَ اللهِ ﷿، ولا يُجَاوِزُ قَضَاءَهُ: بلْ هُمْ كلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا خَلَقَهُمْ لَهُ، واقِفُونَ فيما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ لأفْعَالِهِ، وهو عَدْلٌ منه عَزَّ رَبُّنَا وجَلَّ. والزِّنَا، والسَّرِقَةُ، وشُرْبُ الخَمْرِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وأَكْلُ المَالِ الحَرَامِ، والشِّرْكُ باللهِ، والمَعَاصِيْ كُلُّهَا بِقَضَاءٍ وقَدَرٍ، من غَيْرِ أَن يكونَ لأحَدٍ من الخَلْقِ على اللهِ حُجَّةٌ، بل للهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ على خَلْقِهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (^١) وعِلْمُ اللهِ ﷿ مَاضٍ في خَلْقِهِ بمشيئةٍ منه، قَدْ عَلِمَ من إِبْلِيْسَ ومِنْ غَيْرِهِ ممَّنْ عَصَاهُ -من لَدُن أَنْ عُصِيَ ﵎ إِلى أن تَقُوْمَ السَّاعَةُ- المَعْصِيَةَ، وخَلَقَهُمْ لَهَا، وعَلِمَ الطَّاعَةَ مِنْ أَهْلِ الطَّاعةِ وخَلَقَهُمْ لَهَا، وكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَه، وصَائرٌ إلى مَا (^٢) قُضِيَ عَلَيْهِ وعُلِمَ مِنْهُ، لا يَعْدُو واحدٌ منهم قَدَرَ اللهِ ومَشِيْئَتَهُ، واللهُ الفَاعِلُ لِمَا يُرِيْدُ، الفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ.
_________________
(١) سورة الأنبياء.
(٢) في (ط): "لما".
[ ١ / ٥٦ ]
ومَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ شَاءَ لِعِبَادِهِ الَّذين عَصَوْهُ الخَيْرَ والطَّاعةَ، وأَنَّ العِبادَ شَاءُوا لأنفسِهِم الشَرَّ والمَعْصِيَةَ، فَعَمِلُوا على مَشِيْئَتِهِمْ، فقَد زَعَمَ أَنَّ مشيئةَ العبادِ أغْلَظُ من مَشيئةِ اللهِ ﵎، فَأَيُّ افتراءٍ أكثرُ على اللهِ ﷿ من هذَا؟!
ومَنْ زَعَمَ أَنَّ الزِّنَا ليس بقَدَرٍ، قيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ هذِه المرأةُ، حَمَلَتْ من الزِّنَا، وجاءَتْ بولدٍ، هل شَاءَ اللهُ ﷿ أَنُ يَخْلُقَ هَذَا الوَلَدَ؟ وهَل مَضَى في سَابِقِ عِلْمِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مَعَ اللهِ خَالِقًا، وهذَا هو الشِّرْكُ صُرَاحًا.
ومَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّرِقَةَ، وشُرْبَ الخَمْرِ، وأَكْلَ المالِ الحَرَامِ لَيْسَ بِقَضَاءٍ وقَدَرٍ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ هذَا الإنسانَ قَادِرٌ على أَنْ يَأْكُلَ رزقَ غَيْرِهِ، وهذَا صُرَاحُ قولِ المَجُوْسِيَّةِ، بل أَكَلَ رِزْقَهُ، وقَضَى اللهُ أَنْ يَأْكُلَهُ من الوَجْهِ الَّذِي أَكَلَهُ.
ومَنْ زَعَمَ أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ ليس بقَدَرٍ مِنَ اللهِ ﷿، وأَنَّ ذَلكَ بمشيئَتِهِ في خَلْقِهِ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ المَقْتُولَ مَاتَ بغَيْرِ أَجَلِهِ، وأَيُّ كُفرٍ أَوْضَحُ مِنْ هذَا؟ بَلْ ذَلكَ بِقَضَاءِ اللهِ ﷿، وذَلكَ بمشيئَتِهِ في خَلْقِهِ، وتَدبِيْرِهِ فيهم، ومَا جَرَى من سَابقِ عِلْمِهِ فيهم، وهو العَدْلُ الحَقَّ الَّذي يَفْعَلُ مَا يُرِيْدُ، ومَنْ أَقَرَّ بالعِلْمِ لَزِمَهُ الإقْرارُ بالقَدَرِ والمَشيئَةِ على الصِّغر والقَمَأ (^١).
ولا نَشهَدُ على أحدٍ من أهلِ القِبْلَةِ أَنَّه في النَّارِ لذَنْبٍ عَمِلَهُ، ولا لكَبِيْرَةٍ آتَاهَا، إلَّا أن يكونَ في ذلك حَدِيْثٌ، كَمَا جَاءَ على ما رُوِيَ
_________________
(١) القليلُ الحقيرُ.
[ ١ / ٥٧ ]
فنُصَدِّقَهُ، ونَعْلَمُ أَنَّه كَمَا جَاءَ، ولا نَنُصُّ الشَّهَادَةَ، ولا نَشْهَدُ على أَحَدٍ أَنَّه في الجَنَّةِ بصَالِحِ عَمَلِهِ، ولا بخيرٍ آتَاهُ، إلَّا أَنْ يكُونَ في ذلكَ حَدِيثٌ، كَمَا جَاءَ على ما رُوِيَ، ولا نَنُصُّ الشَّهَادةَ.
والخِلَافَةُ في قُريشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثنانِ، ليس لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُنَازِعَهُمْ فِيْهَا، ولا يَخْرُجَ عَليْهم، ولا نُقِرَّ لغَيْرِهِمْ بِهَا، إلى قِيَامَ السَّاعَةِ. والجِهَادُ ماضٍ قائمٌ مع الأئمَّةِ، بَرُّوا أو فَجَرُوا، لا يُبطِلُهُ جَوْرُ جائرٍ ولا عَدْلُ عَادِلٍ. الجُمُعَةُ، والعِيْدَانِ، والحَجُّ مَعَ السُّلْطَانِ، وإِنْ لَمْ يكُونُوا بَرَرَةً عُدُولًا أتْقِيَاءَ. ودَفْعُ الصَّدَقَاتِ والخَرَاجِ والأَعشارِ، والفَيْءِ والغَنَائِمِ إِلى الأُمَرَاءِ، عَدَلُوا فيها أَمْ جَارُوا، والانقيَادُ إلى مَنْ ولّاَهُ اُلله أمرَكُمْ، لا تَنْزعْ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ، ولا تَخْرُجْ عليه بسَيْفِكَ حَتَّى يجعلَ اللهُ لَكَ فَرَجًا ومَخْرَجًا، ولا تخرجْ على السُّلْطَانِ، وتَسمَعُ وتُطِيْعُ، ولا تَنْكُثْ بَيْعَةً، فمَنْ فَعَلَ ذَلكَ فهو مُبْتَدِعٌ، مُخَالفٌ، مفارقٌ للجمَاعَةِ. وإِنْ أَمَرَكَ السُّلْطَانُ بأَمْرٍ هو للهِ مَعْصِيَةٌ، فلَيْسَ لَكَ أَنْ تُطِيْعَهُ ألبَتَّةَ، ولَيْسَ لَكَ أَنْ تَخْرُجَ عَلَيْه، ولا تَمْنَعَهُ حَقَّهُ.
والإمْسَاكُ في الفِتْنَةِ سُنَّةٌ، مَاضِيَةٌ، وَاجِبٌ لُزُومُهَا، فَإِنْ ابتُلِيْتَ فَقَدِّمْ نَفْسَكَ دُوْنَ دِيْنِكَ، ولا تُعِنْ على فِتْنَةٍ بيَدٍ، ولا لِسَانٍ، ولكِنْ اكْفُفْ يَدَكَ، ولِسَانَكَ، وَهَوَاكَ، واللهُ المُعِيْنُ.
والكَفُّ عن أَهْلِ القِبْلَةِ، ولا تُكَفِّرْ أَحَدًا مِنْهُم بذَنْبٍ، ولا تُخْرِجْهُ مِنَ الإسْلَامِ بَعَملٍ، إلَّا أَنْ يكونَ في ذلِكَ حَدِيْثٌ، فيُروَى الحَدِيْثُ كَمَا جَاءَ، وكَمَا رُوِيَ، وتُصَدِّقُهُ، وتَقْبَلُهُ، وتَعْلَمُ أَنَّه كَمَا رُوِيَ، نحو تَرْكِ
[ ١ / ٥٨ ]
الصَّلَاةِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، ومَا أشبَهَ ذَلك، أو يَبْتَدِعُ بِدْعةً يُنْسَبُ صاحُبِها إلى الكُفْرِ والخُرُوجِ مِنَ الإسْلَامِ، فاتْبَعِ الأَثَرَ في ذلكَ ولا تُجَاوَزْهُ.
والأَعْوَرُ الدَّجَّالُ خَارِجٌ لَا شَكَّ فِي ذَلكَ ولا ارتيابَ، وهُو أَكْذَبُ الكَاذِبِيْنَ.
وعَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ، يُسْأَلُ العَبْدُ عَن دِيْنِهِ، وعَن رَبِّه، وعن الجَنَّةِ، وعَنِ النَّارِ. ومُنكرٌ ونَكِيْرٌ حَقٌّ، وهُمَا فَتَّانا القَبْرِ، نَسْأَلُ اللهَ الثَّبَاتَ.
وحَوْضُ مَحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ تَرِدُهُ أَمَّتُهُ، ولَهُ آنيةٌ يَشْرَبُونَ بِهَا مِنْه.
والصِّرَاطُ حَقٌّ يُوضَعُ على سَوَاءِ جَهَنَّمَ، ويَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ، والجَنَّةُ مِنْ وَرَاءِ ذلك، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
والمِيْزَانُ حَقٌّ، تُوْزَنُ بِهِ الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، كَمَا يَشَاءُ اللهُ أَن تُوْزَنَ
والصُّوْرُ حَقٌّ، يَنْفُخُ فِيْهِ إِسْرَافِيلُ فيَمُوتُ الخَلْقُ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيْهِ الأُخْرَى فيَقُوْمُونَ لِرَبِّ العَالَمِينَ؛ وللحِسَابِ والقَضَاءِ، والثَّوابِ والعِقَابِ، والجَنَّةِ والنَّارِ.
واللَّوْحُ المَحْفُوظُ تُسْتَنْسَخُ مِنْهُ أَعمَالُ العِبَادِ؛ لِمَا سَبَقَ فيهِ مِنَ المَقَادِيْرِ والقَضَاءِ. والقَلَمُ حَقٌّ، كَتَبَ اللهُ بِهِ مَقَادِيْرَ كلِّ شَيْءٍ وأَحْصَاهُ في الذِّكْرِ، ﵎.
والشَّفَاعَةُ يومَ القِيَامَةِ حَقٌّ، يَشْفَعُ قَوْمٌ في قَوْمٍ فَلَا يَصِيْرُوْنَ إِلَى النَّارِ، ويَخرُجُ قومٌ مِنَ النَّارِ بشفَاعَةِ الشَّافِعِينِ، ويَخُرجُ قومٌ مِنَ النَّارِ بعدَما دَخَلُوهَا ولَبِثُوا فِيْهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَقَوْمٌ يُخَلَّدُونَ فِيْها
[ ١ / ٥٩ ]
أَبَدًا (^١)، وَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ، والتِّكْذِيبِ، والجُحُودِ، والكَفْرِ باللهِ ﷿
ويُذْبَحُ المَوتُ يَوْمَ القَيَامةِ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ.
وَقَدْ خُلِقَتِ الجَنَّةُ ومَا فِيْهَا، والنَّارُ ومَا فِيْهَا، خَلَقَهُمَا اللهُ ﷿، وخَلَقَ الخَلْقَ لَهُمَا، لا يَفْنَيَانِ ولا يَفْنَى مَا فِيْهُمَا أَبَدًا.
فإِنْ احْتَجَّ مُبْتَدِعٌ، أَو زِنْدِيْقٌ، بقولِ اللهِ ﷿ (^٢): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وبنَحْوِ هَذَا مِن مُتَشَابِهِ القُرآن؟ قيلَ لَهُ: كلُّ شَيْءٍ مِمَّا كَتَبَ اللهُ علَيْهُ الفَنَاءَ والهَلَاكَ هَالِكٌ، والجَنَّةُ والنَّارُ خُلِقَتَا لِلْبَقَاءِ لا لِلْفَنَاءِ ولَا لِلْهَلَاكِ، وهُمَا مِنَ الآخِرَةِ لا مِنَ الدُّنْيَا، والحُوْرُ العِيْنُ لا يَمُتْنَ عِندَ قِيَامِ السَّاعَةِ، ولا عِنْدَ النَّفْخَةِ، ولَا أَبدًا؛ لأنَّ الله ﷿ خَلَقَهُنَّ للبَقَاءِ لَا للفَنَاءِ، ولم يُكْتَبْ عَلَيْهِنَّ المَوْتُ، فمَنْ قَالَ خِلَافَ هَذَا فَهُو مُبْتَدِعٌ، وقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيْلِ. وخَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وسَبْعَ أَرَضِيْنَ بعضُها أَسْفَلَ من بَعْضٍ، وبينَ الأرضِ العُليَا والسَّمَاءِ الدُّنْيَا مَسِيْرَةَ خَمْسُمَائةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كلِّ سَمَاءٍ إِلى سَمَاءٍ مَسِيْرَةَ خَمْسُمَائةِ عَامٍ، والمَاءُ فَوْقَ السَّمَاءِ العُلْيَا السَّابِعَةِ، وعَرْشُ الرَّحْمَنِ ﷿ فَوقَ المَاءِ، واللهُ ﷿ عَلَى العَرْشِ، والكُرْسِيُّ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، وهو يَعلَمُ مَا في السَّمَواتِ والأَرَضِيْنِ السَّبْعَ ومَا بَيْنَهمَا ومَا تَحْتَ الثَّرَى، ومَا في قَعْرِ البِحَارِ، ومَنْبَتَ كلِّ شَعْرَةٍ وشَجَرَةٍ، وكُلِّ زَرْعٍ، وكلِّ نَبَاتٍ، ومَسْقَطَ كلِّ وَرَقَةٍ، وعَدَدَ كَلِّ
_________________
(١) اللَّفظة مكررة في (ب).
(٢) سورة القصص، الآية: ٨٨.
[ ١ / ٦٠ ]
كَلَمةٍ، وعَدَدَ الحَصَى، والرَّمْلِ، والتُّرابِ، ومَثَاقِيْلَ الجِبَالَ، وأَعْمَالَ العِبَادِ وآثارَهُم، وكَلَامَهُمْ وأَنْفَاسَهُمْ، وَيَعْلَمُ كَلَّ شَيْءٍ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلكَ شَيْءٌ، وهوَ عَلى العَرْشِ فَوقَ السَّمَاءِ السَّابعةِ، ودُوْنَهُ حُجُبٌ من نُورٍ ونارٍ وظُلْمَةٍ، ومَا هُو أَعْلَمُ بِهَا (^١).
فَإِنْ احتَجَّ مُبْتَدِعٌ ومُخَالِفٌ بقَولِ اللهِ ﷿ (^٢): ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ وبِقَوْلهِ (^٣): ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وبقَوْلهِ (^٤): ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٦) إلى قَوْلهِ: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^٥) ونحْوَ هَذَا مِنْ مُتَشَابِهِ القُرْآنِ، فَقُلْ: إِنَّمَا يَعْنِي بِذلك العَلمَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلى العَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ العُلْيَا ويَعْلَمُ ذلِكَ كلُّه، وهو بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، لَا يَخْلُو مِن عِلْمِهِ مَكَانٌ.
وَللهِ ﷿ عَرْشٌ، ولِلْعَرْشِ حَمَلَةٌ يَحْمِلُونَهُ، واللهُ ﷿ على عَرْشِهِ، لَيْسَ لَهُ (^٦) حَدٌّ، واللهُ أَعلمُ بحَدِّهِ. واللهُ ﷿ سَمِيْعٌ لا يَشُكُّ، بَصِيْرٌ لا يَرْتَابُ، عليمٌ لا يَجْهَلُ، جَوَادٌ لَا يَبْخَلُ، حَليْمٌ لا يَعْجَلُ، حَفِيْظٌ لا يَنْسَى، يَقْظَانٌ لا يَسْهُو، قَرِيْبٌ لا يَغْفَلُ، يَتَحَرَّكُ، ويَتَكَلَّمُ،
_________________
(١) في (ط) فقط: "به".
(٢) سورة ق.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٤. وفي (ب) و(جـ) ذكر قبلها ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا﴾ متقدمة عن موضعها.
(٤) سورة المُجادلة، الآية: ٧.
(٥) لم يرد في (أ) و(ب) لتقدمة عن موضعها كما أشرتُ بزيادة واو في أولها في الموضعين.
(٦) ساقط من (ط).
[ ١ / ٦١ ]
ويَنْظُرُ، ويَبْسُطُ (^١) ويَضْحَكُ، ويَفْرَحُ، ويُحِبُّ، وَيَكْرَهُ، ويُبْغِضُ ويَرْضَى، ويَغْضَبُ، وَيَسْخَطُ، ويَرْحَمُ، ويَعْفُو، ويُفْقِرُ، ويُعْطِيْ، ويَمْنَعُ. ويَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ يَشَاءُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٢) وقُلُوبُ العِبَادِ بينَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، يُقَلِّبُها كيفَ يَشَاءُ، ويُوعِيْهَا ما أَرادَ. وَخَلَقَ آدمَ بِيَدِهِ على صُورَتِهِ، والسَّموَاتُ والأرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ في كَفِّهِ، ويَضَعُ قَدَمَهِ في النَّارِ فتُزْوَى، ويُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِيَدِهِ، ويَنْظُرُوْنَ إِلى وَجْهِهِ (^٣)، أَهْلُ الجَنَّةِ، يَرَوْنَهُ فيُكرِمُهُمْ، ويَتَجلَّى لَهم فيُعطِيْهِم، ويُعْرَضُ عَلَيْهِ العِبَادُ يومَ القِيَامَةِ، وَيَتَوَلَّى حِسَابَهُمْ بِنَفْسِهِ، لا يَلِي ذَلكَ غَيرُهُ ﷿.
والقُرآنُ كَلَامُ اللهِ، تَكَلَّمَ بِهِ، لَيْسَ بمَخْلُوقٍ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرآنَ مَخْلُوقٌ فَهُو جَهْمِيٌّ كَافِرٌ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرآنَ كَلَامُ اللهِ وَوَقَفَ ولم يَقُلْ: ليْسَ بمَخْلُوقٍ فهو أَخْبَثُ مِنْ قَوْلِ الأوَّلِ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ ألفَاظَنَا بِهِ وتِلَاوَتَنَا لَهُ مَخْلُوقَةٌ والقُرآنُ كَلامُ اللهِ فهو جَهْمِيٌّ، ومَنْ لم يُكَفِّرُ هَؤلَاءِ القَوْمَ كُلَّهُمْ فهو مِثْلُهُمْ. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (^٤) مِنْ فِيهِ (^٥)، ونَاوَلَهُ التَّورَاةَ مِنْ يَدِهِ إِلى يَدِهِ، ولم يَزلِ اللهُ ﷿ مُتكَلِّمًا ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
_________________
(١) في (ب): "ويُبصِرُ".
(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٣) في (ط): "وينظُرُ أهل الجَنَّة إِلى وجهه".
(٤) سورة النساء، الآية: ١٦٤.
(٥) كذا في الأصل؟!
[ ١ / ٦٢ ]
الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ (^١).
والرُّؤيَا مِنَ الله ﷿، وهي حَقٌّ إِذَا رأى صَاحِبُهَا شَيْئًا في مَنَامِهِ مَا لَيْسَ هو ضَغْثٌ، فقَصَّها على عَالمٍ، وصَدَقَ فيها، وَأوَّلَهَا العَالِمُ على أصْلِ تَأوِيْلهَا الصَّحيْحِ ولم يُحرِّفْ، فالرُّؤيَا حيْنَئِذٍ حَقٌّ، وقَدْ كَانَتْ الرُّؤيا من الأنْبيَاَء ﵈ وَحْيٌ، فأيُّ جَاهلٍ أَجْهَلُ مِمَّن يَطْعَنُ في الرُّؤْيَا، ويَزْعُمُ أَنَّها لَيْسَتَ بشَيءٍ، وبَلَغَنِي أَنَّ مَنْ قَالَ هَذَا القَوْلَ لَا يَرَى الاغْتِسَالَ من الاحتِلَامِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (^٢): "أَنَّ رؤْيَا المُؤْمِن كلَامٌ يُكَلِّمُ الرَّبُّ عَبْدَهُ" وقَالَ (^٣): "إِنَّ الرُّؤيَا مِنَ الله ﷿" وبالله التَّوفِيْقُ.
ومِنَ الحُجَّةِ الوَاضِحَةِ الثَّابِتَةِ البَيِّنَةِ المَعْرُوفَةِ ذِكْرُ مَحَاسِنِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلِّهم أَجْمَعِين، والكَفُّ عن ذِكْرِ مَسَاويْهِم [والخِلَافِ الَّذِي] (^٤) شَجَرَ بَيْنَهُم، فَمَنْ سَبَّ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ أو أَحدًا مِنْهُم، أو تَنَقَّصَهُ، أَو طَعَنَ عَلَيْهِمْ، أو عَرَّضَ بِعَيْبِهِمْ، أو عَابَ أحدًا مِنْهُم؛ فهو مُبْتَدِعٌ رَافِضِيٌّ، خَبِيْثٌ، مُخَالِفٌ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْه صَرْفًا ولا عَدْلًا، بَلْ حُبُّهم
_________________
(١) سورة المؤمنون.
(٢) يُراجع: كنز العمال (١٥/ ٣٧٦) رقم (٤١٤٥١)، وفتح القدير (٣/ ١٢).
(٣) الموطأ (٢/ ٩٥٧). ويُراجع: تحفة الأشراف (٩/ ٢٧٠)، وشرح السُّنَّة رقم (٣٢٧٤). وأخرجه البخاري ﵀ في بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده، وفي الطب باب النَّفث في الرقية … وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة والدَّارِمِيُّ، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في "صحيحه".
(٤) في الأصول: "مساويهم التي شجر … ".
[ ١ / ٦٣ ]
سُنَّةٌ، والدُّعَاءُ لَهُمُ قُرْبَةٌ، والاقْتِدَاءُ بهم وَسِيْلةٌ، والأخْذُ بآثارِهِم فَضِيْلَةٌ.
وخَيْرُ الأُمَّةِ بعدَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكرٍ، وعُمَرُ بعدَ أَبي بكرٍ، وعُثمانُ بعدَ عُمَرَ، وعليٌّ بعدَ عُثْمَان، ووقفَ قَوْمٌ على عثمان، وهم خُلَفَاءُ راشِدُونَ، مَهْدِيُّونَ، ثُمَّ أَصْحَابُ رَسُوْلِ الله ﷺ بعدَ هَؤلاءِ الأرْبَعَةِ خَيْرُ النَّاسِ، لا يَجُوزُ لأحَدٍ أَنْ يَذكرَ شَيئًا من مَسَاوِيْهِمْ، ولا يَطْعَنَ على أَحَدٍ مِنْهم بعَيْبٍ، ولا بِنَقْصٍ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِك فَقَدْ وَجَبَ على السُّلْطَانِ تأْدِيبُهُ وعُقُوبَتُهُ، لَيْسَ لَهُ أَن يعفوَ عَنْهُ، بل يُعَاقِبَهُ ويَسْتَتِيْبَهُ، فَإِنْ تَابَ قَبِلَ مِنْهُ، وإِنْ ثَبَتَ أَعَادَ (^١) عليه العُقُوبةَ، وخَلَّدَهُ الحَبْسَ، حَتَّى يَموتَ أو يُراجِعَ. ويَعرفُ للعَرَبِ حَقَّها، وفَضْلَهَا، وسابِقَتَها، ويُحبُّهم لِحَدِيْثِ رَسُوْلِ الله (^٢): "فَإنَّ حُبَّهم (^٣) إِيمَانٌ، وبُغْضَهُم نِفَاقٌ" ولا يقولُ بقولِ الشُّعوبيَّةِ وأَرْاذَلِ المَوَالِي الَّذِين لا يُحبُّونَ العَرَبَ، ولا يُقِرُّونَ لهم بِفَضْلٍ، فإِنَّ لهم بدعةً ونِفَاقًا وخِلَافًا.
ومَنْ حَرَّمَ المَكَاسبَ والتِّجارات، وطَيِّبَ المَالِ -مِن وَجْههِ- فَقَدْ جَهَلَ، وأَخْطَأَ، وخَالَفَ، بَلِ المَكَاسِبُ -مِنْ وَجْهِهَا- حَلَالٌ، فقد أَحَلَّهَا
_________________
(١) في (ط): "عاد عليه بالعُقوبة".
(٢) أخرجه الحاكم في المُستدرك (٤/ ٨٧)، وقال: صحيحٌ، وتعقبه الذَّهبي وغيره. وأخرجه العقيلي في الضُّعفاء (٤/ ٣٥٥)، والطَّبراني في "الأوسط"، وعنه أخرجه أبو نعيم في الحلية: (٢/ ٢٣٣) بلفظ: "حبُّ قُرَيْشٍ إيمانٌ وبعضُهُم كفرٌ، وجبُّ العربِ إيمانٌ وبعضُهُم كفرٌ … " ويُراجع: مجمع الزَّوائد (١/ ٨٩، ١٠/ ٢٧).
(٣) في (ط): "قال حبهم" خطأٌ ظاهر.
[ ١ / ٦٤ ]
اللهُ ﷿ ورَسُوْلُهُ ﷺ. فالرَّجُلُ يَنْبغِيْ لَه أَنْ يَسْعَى على نَفْسِهِ وعِيَالِهِ من فَضْلِ رَبِّهِ، فَإِنْ تَرَكَ ذلك على أَنَّه لَا يَرَى الكَسْبَ فهو مُخَالفٌ، وكلُّ أَحَدٍ أحقُّ بمالِهِ الَّذي وَرِثَهُ واسْتَفَادَهُ، أو أُوْصِيَ لَهُ بِهِ، أو كَسِبَهُ، لا كَمَا يَقولُ المُتَكَلِّمونَ المُخالِفُونَ.
والدِّينُ إِنَّمَا هو كتابُ اللهِ ﷿، وآثارٌ، وسُنَنٌ، ورِوَايَاتٌ صِحَاحٌ عن الثِّقَاتِ بالأخْبَارِ الصَّحِيْحَةِ القَوِيَّةِ المَعْرُوفةِ، يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا، حتَّى يَنْتَهِيْ ذلك إِلى رَسُوْلِ الله ﷺ وأَصْحَابِهِ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِمْ، والتَّابعِين وتَابِعِي التَّابعين، ومَنْ بَعْدَهُم من الأئمَّةِ المعرُوفين، المُقتَدَى بِهِم، المُتَمَسِّكِيْنِ بالسُّنَّةِ، والمُتَعَلِّقينَ بالآثارِ، لا يَعرِفُونَ بدعةً، ولا يُطْعَنُ فيهم بكَذِبٍ، ولا يُرْمَوْن بخلافٍ، ولَيْسُوا بأَصْحَابِ قِيَاسٍ ولا رَأْيٍ؛ لأنَّ القِيَاسَ في الدِّينِ بَاطِلٌ (^١)، والرَّأيَ كَذَلكَ وأَبْطَلُ مِنْهُ، وأَصْحَابُ الرَّأيِ والقِيَاسِ في الدِّين مُبْتَدِعَةٌ ضُلّاَلٌ؛ إِلَّا أَنْ يَكونَ في ذلِكَ أثرٌ عمَّن سَلَفَ من الأئمَّةِ الثِّقاتِ. ومَنْ زَعَمَ أَنَّه لَا يَرَى التَّقْليدَ، ولا يُقَلِّدُ دينَهُ أَحَدًا؛ فهو قولُ فَاسِقٍ عِنْدَ الله ورَسُولِهِ ﷺ، إِنَّما يُريدُ بذلكَ إِبْطَالَ الأثَرِ، وتَعْطِيْلَ العِلْمِ والسُّنَّةِ، والتَّفَرُّدَ بالرَّأْيِ، والكَلَامَ، والبِدْعَةَ، والخلَافِ.
وهَذه المَذَاهبُ والأقَاويلُ الَّتِي وَصَفْتُ مَذَاهِبُ أهل السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ والآثَارِ، وأَصحابِ الرِّواياتِ، وحَمَلَةِ العلمِ الَّذين أدْرَكْنَاهُم، وأَخَذْنَا عَنْهُمْ الحَديثَ، وتَعَلَّمْنا مِنْهُم السُّنَنَ، وكانُوا أَئِمَّةً مَعْرُوفينَ، ثِقَاتٍ،
_________________
(١) أي مع وُجُودِ النُّصوص من الكتاب والسُّنَّة.
[ ١ / ٦٥ ]
أَصْحَابَ صِدْقٍ، يُقْتَدَى بِهم، ويُؤْخَذُ عَنْهُم، وَلَمْ يَكُوْنُوا أَصْحَابَ بِدْعَةٍ، ولا خِلَافٍ، ولا تَخْلِيطٍ، وهو قولُ أَئِمَّتِهِمْ، وعُلَمَائِهِمْ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُم، فَتَمَسَّكُوا بِذَلكَ رَحِمَكُمُ اللهُ، وتَعَلَّمُوهُ وعَلِّمُوهُ، وبالله التَّوفيقُ.
وَلأصْحَابِ البَدَعِ ألقابٌ وأَسْمَاءٌ، لا تشبهُ أَسْمَاءَ الصَّالِحِيْنَ، ولا العُلَمَاءِ من أمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ؛ فمن أَسْمَائِهِمْ:
"المُرْجِئَةُ" وهمُ الَّذِينَ يزعُمُونَ أَنَّ الإيمَانَ قَوْلٌ بلَا عَمَلٍ، وأَنَّ الإيْمَانَ قَوْلٌ، والأعْمَالَ شَرَائِعٌ، وأَنَّ الإيمَانَ مُجَرَّدٌ، وأَنَّ النَّاسَ لا يَتَفَاضَلُوْنَ في إِيمَانِهِمْ، وأَنَّ إِيْمَانَ المَلَائِكَةِ والأنْبِيَاءِ وَاحِدٌ، وأَنَّ الإيمَانَ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُضُ، وأَنَّ الإيمانَ ليس فيه استثْنَاءٌ، وأنَّ من آمَنَ بِلِسَانِهِ، ولَمْ يَعْمَلْ فَهُو مؤْمِنٌ حَقًّا، قولُ المُرْجِئَةِ وهو أَخْبَثُ الأقَاوِيْلِ، وأَضَلُّهُ وأَبعَدُهُ مِنَ الهُدَى
و"القَدَرِيَّةُ" وهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُون أَنَّ إِلَيْهِمُ الاستِطَاعةَ والمَشِيْئَةَ والقُدْرَةَ، وأَنَّهُم يَمْلِكُوْنَ لأنْفسِهِمْ الخَيْرَ والشَّرَّ، والضَرَّ والنَّفْعَ، والطَّاعَةَ والمَعْصِيَةَ، والهُدَى والضَّلالَ، وأَنَّ العِبَادَ يَعْمَلُوْنَ بِدْءًا، من غَيْرِ أَنْ يكونَ سَبَقَ لَهُمْ ذَلكَ مِنَ اللهِ ﷿ أو في عِلْمِهِ، وقَولُهُم يُضَارعُ قولَ المَجُوْسِيَّةِ والنَّصْرَانِيَّة، وهو أَصْلُ الزَّنْدَقَةِ.
و"المَعْتَزِلَةُ" وهُمْ يَقُولُونَ بِقَوْلِ القَدَرِيَّةِ، ويَدِيْنُونَ بدِيْنِهِمْ، ويُكذِّبُونَ بِعَذَابِ القَبْرِ، والشَّفاعةِ، والحَوْضِ، ولا يَرَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَ أَحَدٍ منْ أَهْلِ القِبْلَةِ، ولا الجُمُعَةَ إِلَّا وَرَاءَ مَنْ كَانَ على أَهْوائِهِمْ، ويَزْعُمُوْنَ أَنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ لَيْسَتْ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
[ ١ / ٦٦ ]
و"النُّصَيْرِيَّةُ" وهُمْ قَدَرِيَّةٌ، وهُمْ أَصْحَابُ الحَبَّةِ والقِيْرَاطِ، الَّذِين يَزْعُمُوْنَ أَنَّ مِنْ أَخَذَ حَبَّةً، أَوْ قِيْرَاطًا، أَو دَانِقًا حَرَامًا فَهُو كافرٌ، وقولُهُم يُضَاهِيءُ قَوْلَ الخَوَارِجِ.
و"الجَهْمِيَّةُ" - أَعْداءُ اللهِ - وهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُوْنَ أَنَّ القُرآنَ مَخْلُوْقٌ، وأَنَّ اللهَ ﷿ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى، وأَنَّ اللهَ ليسَ بَمُتَكَلِّمٍ، ولا يَتَكَلَّمُ، ولا يَنْطِقُ، وكَلَامًا كَثِيْرًا أَكْرَهُ حِكَايَتَهُ، وهم كُفَّارٌ، زَنَادِقَةٌ، أَعْدَاءُ اللهِ.
و"الوَاقِفَةُ" وهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّ القُرآنَ كلامُ الله، ولكِنَّ ألفاظُنَا بالقُرآن وقِرَاءَتِنَا له مَخْلُوقَةٌ، وهم جَهْمِيَّةٌ فُسَّاقٌ.
و"الرَّافِضَةُ" وهُمْ الَّذين يَتَبَرَّؤُنَ من أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ (^١) ويسبُّونَهُمْ، ويَنْتَقِصُوْنَهُمْ، وَيُكفِّرونَ الأئمَّةَ الأرْبَعَةَ (^٢)؛ عليٌّ، وعمَّارٌ، والمِقْدَادُ، وسَلْمَان، ولَيْسَتِ الرِّافِضَةُ من الإسْلَامِ في شَيْءٍ.
و"المَنْصُوْرِيَّةُ" وهُمْ رَافِضَةٌ أَخْبَثُ من (^٣) الرَّوافِضِ. وهم الَّذين يَقُولُونَ: مَنْ قَتَلَ أَرْبَعِيْنَ نَفْسًا مِمَّن خَالَفَ هَوَاهُمْ دَخَلَ الجَنَّةَ، وهم الَّذِين يُخِيْفُوْنَ النَّاسَ ويَسْتَحِلُّونَ أَمْوَالَهُمْ، وهمُ الَّذِينَ يقولُونَ: أَخْطأَ جبريلُ ﵇ بالرِّسَالةِ، وهذَا هو الكُفْرُ الوَاضِحُ الَّذي لا يَشُوْبُهُ إِيْمَانٌ، فَنَعُوْذُ باللهِ مِنْهُ.
_________________
(١) في (ط): "رَسُول الله … ".
(٢) العبارة هُنا غيرُ مُستقيمةٍ؛ وهي هكذا في النُّسخ، ولا شك أَنَّ خَللًا ما لحِقَها، وصحتها - والله أعلم - هكذا: يكفِّرُونَ الأئمةَ والصَّحابةَ إلَّا أربعة: عليًّا … ". والرَّفعُ لا وَجْهَ له إلا على ضعفٍ.
(٣) يبدو أنَّ "من" زائدةٌ.
[ ١ / ٦٧ ]
و"السَّبَئِيَّةُ" وهُمْ رَافِضَةٌ، وهم قَرِيبٌ مِمَّنْ ذَكَرْتُ، مُخَالِفُون للأئِمَّةِ، كذَّابُون، وصِنْفٌ منهم يَقُولُون: عليٌّ في السَّحَابِ، وعليٌّ يُبْعَثُ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ، وهذَا كَذِبٌ وزُوْرٌ وبُهْتَانٌ.
و"الزَّيْدِيَّةُ" وهُمْ رَافِضَةٌ، وهم الَّذِيْنَ يَتَبَرَّؤُونَ من عُثْمَانَ، وطَلْحَةَ، والزُّبيرِ، وعائشةَ، ويَرَوْنَ القِتَالَ مع كُلِّ مَنْ خَرَجَ من وَلَدِ عَليٍّ، بَرًّا كَانَ أو فَاجِرًا، حَتَّى يَغْلِبَ أو يُغْلَبَ.
و"الخَشَبِيَّةُ" وهُمْ يَقُولُونَ بِقَوْلِ الزَّيْدِيَّةِ، وهم - فِيما يَزْعُمُوْنَ - يَنْتَحِلُوْنَ [حُبَّ] (^١) آلِ مُحمَّدٍ ﷺ، وكَذَبُوا، بل هُمُ المُبْغِضُوْنَ لآلِ مُحمَّدٍ ﷺ دُوْنَ النَّاسِ، إِنَّما الشِّيْعَةُ لآلِ محمَّدٍ المُتَّقُونَ، أهلُ السُّنَّةِ والأثَرِ، مَنْ كَانُوا وحيثُ كانُوا، الَّذِينَ يُحِبُّونَ آلَ مُحمَّدٍ ﷺ، وجَمِيْعَ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَذْكُرُونَ أَحَدًا (^٢) بسُوْءٍ، ولا عَيْبٍ، ولا مَنْقَصَةٍ، فمَنْ ذَكَرَ أحدًا من أَصْحَابِ مُحمَّدٍ ﵇ بسُوْءٍ، أو طَعَنَ عليهم؛ أوْ تَتَبرَّأَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم أو سَبَّهم، أو عَرَّضَ بسَبِّهم (^٣)؛ فَهُو رافضيٌّ، خَبيثٌ، مُخْبِثٌ.
وأَمَّا "الخَوَارجُ" فمَرَقُوا من الدِّينِ، وفَارَقُوا المِلَّةَ، وشَرَدُوا عَنِ الإسْلَامِ، وشَذُّوا عن الجَمَاعَةِ، فَضَلُّوا عنِ السَّبِيْلِ والهُدَى، وخَرَجُوا على السُّلْطَانِ، وسَلُّوا السَّيْفَ على الأُمَّةِ، واسْتَحَلُّوا دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُم،
_________________
(١) ساقط من الأصول، ويصححه السِّياق.
(٢) في (ط): "أحدًا منهم".
(٣) في (ط): "بعيبهم".
[ ١ / ٦٨ ]
وأبعدُوا (^١) مَنْ خَالَفَهُم إلَّا مَنْ قَالَ بقَولِهِمْ، وكان على مِثْلِ قَوْلِهِمْ ورَأْيِهِمْ، وثَبَتَ مَعَهُم في بَيْتِ ضَلَالَتِهِمْ، وهُمْ يَشْتُمُونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأَصْهَارَهُ وأَختَانَهُ، ويَتَبَرَّءُونَ مِنْهُم، ويَرْمُونَهُم بالكُفرِ والعَظَائِمِ، ويَرَوْنَ خِلَافَهُم في شَرائعِ الإسْلَامِ، ولا يُؤمِنُونَ بعذَابِ القَبْرِ ولا الحَوْضِ ولا الشَّفَاعةِ، ولا بِخُرُوجٍ أحدٍ مِنَ النَّارِ، ويقُولُونَ: مَن كَذَبَ كَذْبَةً، أو أَتَى صَغِيْرةً أو كَبِيْرةً من الذُّنُوبِ، فماتَ من غيرِ تَوْبَةٍ فَهُو في النَّارِ، خَالِدًا مُخَلَّدًا أَبَدًا، وهم يَقُولُونَ بقولِ البَكْرِيَّةِ في الحَبَّةِ والقِيْرَاطِ (^٢). وهُم قَدَرِيَّةٌ، جَهْمِيَّةٌ، مُرْجِئَةٌ، رافِضَةٌ، لا يَرَوْنَ الجَمَاعَة إلَّا خَلْفَ إِمَامِهِمْ، وهم يَرَوْنَ تأْخيرَ الصَّلاةِ عَنِ وَقْتها، ويَرَوْنَ الصَّوْمَ قبلَ رُؤْيَةِ الهِلَالِ، والفِطْرِ قَبلَ رُؤْيَتِهِ، وهم يَرَوْنَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَليٍّ ولا سُلْطَانٍ، ويَرَوْنَ المُتْعَةَ في دِيْنِهِمْ (^٣)، ويَرَوْنَ الدِّرْهَمِ بدِرْهَمَيْنِ يدًا بيَدٍ. ولا يَرَوْنَ الصَّلاةَ في الخِفَافِ ولا المَسْحَ عَلَيْهَا، ولا يَرَوْنَ للسُّلْطَانِ عليهم طاعةً، ولا لقُرَيْشٍ عَلَيْهم خِلَافةً، وأَشْيَاءَ كثيرةً يُخَالِفُون عليها الإسْلَامَ وأَهْلَهُ. وكفي بقومٍ ضَلالةَ [أَن] (^٤) يكونَ هذَا رأيَهُم ومَذْهَبَهِم ودِيْنَهم] (^٣). ولَيْسُوا من الإسْلَامِ في شَيْءٍ.
_________________
(١) في (ط): "وعَادَوا".
(٢) سبق أَنْ ذكر المؤلِّف ﵀ أَنَّ النُّصيريَّةَ هم الذين يقولون بالحَبَّةِ والقِيْراط.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) ساقط من (ب) و(جـ) وهي ضمن السَّقْط السابق في (أ).
[ ١ / ٦٩ ]
ومِنْ أَسْمَاءِ الخَوَارجِ: الحَرُوْرِيَّةُ؛ وهُم أَصْحَابُ حَرَوْرَاءَ (^١). (والأَزَارِقَةُ) وهُم أصْحَابُ نَافِعِ بنِ الأزْرَقِ (^٢)، وقولُهُم أَخبثُ الأَقَاويلِ، وأبعدُهُ مِنَ الإسلامِ والسُّنَّة. و(النَّجْدِيَّةُ) وهُمْ أصحابُ نَجْدَةَ بن عامرٍ الحَرُوْرِيِّ. و(الإبَاضِيَّةُ) وهم أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بن إِبَاضٍ (^٣). و(الصُّفَّرِيَّةُ)
_________________
(١) منسوبة إلى حَرَوْرَاءَ -بفتحتين وسكون الواو، وراء أُخرى، وألفٌ ممدودةٌ. كذا قال ياقوت في "معجم البلدان" (٢/ ٢٤٥) وقال: "قرية بظاهر الكُوفةِ، وقيل: موضع على ميلين منها؛ نَزَلَ به الخوارج الَّذين خَالَفُوا عليَّ بن أبي طالبٍ ﵁ فنُسِبُوا إليها". ويُراجع: معجم البلدان (٢/ ٢٨٣)، والرَّوض المعطار (٥٧٦) برسم (النَّخليَّة). وقَدْ وَرَدَ في الأثرِ أَنَّ عائشةَ ﵂ قَالَت لبعضِ مَنْ كَانَ يقطعُ أَثَرَ دَمِ الحَيْضِ من الثَّوْبِ: "أَحَرُوْرِيَّةٌ أَنْتِ؟! " تعني أنَّهم كانُوا يُبَالِغُون في العِبَاداتِ ويُروَى: "أتُجزئ إحدانا صَلاتها إِذا طَهُرَت" تعني أليس عليها أن تقضيَ ما تركته مدّة حيضها من الصَّلَوَات. فقالت عائشةُ: أحروريَّة أنتِ" وممَّن اشتُهر منهم: نَجْدَةُ بنُ عَامرٍ الحَرُوْرِيُّ الحَنَفِيُّ (ت ٦٩ هـ) الَّذي تُنْسَبُ إِليه الفِرقةُ النَّجْدِيَّةُ من الخَوارج التي ذكرَها الإمام هُنَا.
(٢) هو نافعُ بن الأزْرَقَ بن قَيْسٍ الحَنَفِيُّ البَكْرِيُّ الوَائِليُّ الحَرُورِيُّ أَبو رَاشِدٍ (ت ٦٥ هـ) من أهلِ البَصْرَةِ، صَحِبَ في أولِ أَمْرِهِ ابنَ عبَّاسٍ، واشتُهرت أسئلته لابن عباس ﵁. قاتله المهلَّبُ بنُ أبي صُفْرَةَ حتَّى قُتِلَ يومَ دُوْلَابٍ، على مَقْرُبَةٍ من الأهْوَازِ، في السَّنةِ المَذْكُوْرَةِ. وفيه يَقُولُ عِمْرَان بن حطَّان: وَضَارِبَةٍ خَدًّا كَرِيْمًا على فَتىً … أَغَرَّ نَجِيْبِ الأُمَّهَاتِ كَرِيْمِ أُصِيْبَ بِدُولَابٍ ولم تَكُ مَوْطِنًا … لَهُ أَرضَ دُوْلَابٍ ودَيرَ حَمِيْمِ
(٣) هو عبدُ الله بن أُباضٍ المَقَاعِسِيُّ المُرِّيُّ التَّمِيميُّ (ت ٨٦ هـ)، من بني مُرَّة بن عُبَيْدِ بن مُقَاعِسٍ إليه نسبتُهُم. وفي خُطَط المَقْرِيزيِّ (٢/ ٣٥٥): "ويُقال: إِنَّ نسبة الإباضيَّة إلى أُبَاضٍ -بضَمِّ الهَمْزَةِ- وهي قريةٌ بالعِرْضِ من اليَمَامَةِ نَزَلَ بها نَجدةُ بنُ عامرٍ". أقولُ: تكون نسبتهم الإباضيَّة بالكَسْرِ وهي على هذا من شَوَاذِّ النَّسبِ. والموضع=
[ ١ / ٧٠ ]
وهم أَصْحَابُ داودَ بنِ النُّعمان. و(المُهَلَّبِيَّةُ)، و(الحارِثِيَّةُ)، و(الخُرَّمِيَّةُ). كلُّ هؤلاءِ خَوَارِجٌ، فُسَّاقٌ مُخالِفُونَ للسُّنَّةِ، خَارِجُونَ من الملَّةِ، أهلُ بِدْعَةٍ وضَلَالةٍ.
و"الشُّعُوبيَّةُ" وهم أَصْحَابُ بدْعَةٍ وضَلالةٍ، وهم يَقُوْلُونَ: إِنَّ العَرَبَ والمَوَالي عِنْدَنَا وَاحَدٌ، لا يَرَوْنَ للعَرَبِ حَقًّا، ولا يعرِفُون لهم فَضْلًا، ولا يُحبُّونَهم، بل يُبْغِضُونَ العَرَبَ، ويُضْمِرُوْنَ لهم الغِلَّ والحَسَدَ والبُغْضَةَ في قُلُوبِهِمْ، وهذا قَوْلٌ قَبِيْحٌ، ابتَدَعَهُ رَجُلٌ من أَهْلِ العِرَاقِ فَتَابَعَهُ عَليه يَسِيْرٌ، فقُتِلَ عليه.
و"أصْحَابُ الرَّأْيِ" وهم مُبْتَدِعَةٌ ضُلّاَلٌ، أعَدَادٌ للسُّنَّةِ والأثرِ، يُبطلون الحَدِيثَ، ويَرُدُّونَ على الرَّسُولِ ﵊، ويَتَّخِذُون أَبا حَنِيْفةَ ومَنْ قَالَ بقَولِهِ إِمَامًا، ويَدِيْنُونَ بِدِيْنِهِمْ، وأَيُّ ضَلَالَةٍ أَبينُ مِمَّن قَالَ بِهذَا، وتَرَكَ قولَ الرَّسُولِ وأَصْحَابِهِ، واتَّبَعَ قولَ []، (^١) وأَصْحَابِهِ؟ فكَفَى بِهَذَا غَيًّا مُرْدِيًا، وطُغيَانًا.
_________________
(١) = المذكور في "معجم البلدان" (١/ ٦٠) ولم يذكر نسبة الخوارج إليه؟! قال المبرِّدُ في "الكامل": "قول ابن إباضٍ أقربُ الأقاويل إلى السُّنَّةِ". أقول - وعلى الله أعتَمِدُ - لذا فالإباضِيَّةُ في وقتنا ينكِرُون أن يُنْسبُوا إلى الخوارج.
(٢) بياضٌ بالأصُول كُلِّها، وفي (ط): "أبي حنيفة" مع أَنَّه ذكر في الهامش: بياض "في الأصُول"، وواضحٌ أَنَّ المقصودَ أبو حنيفةَ ﵀ من كلامِهِ السَّابقِ، لكنَّ الالتزامَ بما اتَّفقت عليه الأُصُولُ وَاجِبٌ.
[ ١ / ٧١ ]
و"الوَلَايَةُ" بِدْعَةٌ.
و"البَرَاءَةٌ" بدْعَةٌ. وهم الَّذِينَ يَقُولُونَ: نتَوَلَّى فُلانًا، ونَتَبَرَّأُ مِن فُلانٍ، وهذَا القَولُ بدعةٌ فاحْذَرُوهُ.
فَمَنْ قَالَ بشيءٍ مِنْ هَذِه الأقَاويلِ، أو رَآهَا، أَوْ صَوَّبَها، أَوْ رَضِيَهَا، أَوْ أحَبَّهَا؛ فَقَدْ خَالفَ السُّنَّة، وخَرَجَ من الجَمَاعَةِ، وتَرَكَ الأثَرَ، وقالَ بالخِلَافِ، ودَخَلَ في البِدْعَةِ، وزالَ عَنِ الطَّرِيْقِ، ومَا تَوْفِيْقِي إِلَّا باللهِ.
وقَدْ رَأَيْتُ لأهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ والخِلَافِ أَسمَاءَ شَنِيْعةً قَبِيْحَةً، يُسَمُّونَ بِهَا أَهلَ السُّنَّةِ، يُريدونَ بِذلكَ عَيْبَهُم، والطَّعْنَ عليهم، والوقِيْعَةَ فِيْهمْ، والإزْرَاءَ بِهِمْ عِنْدَ السُّفَهَاءِ والجُهَّالِ.
أَمَّا "المُرْجِئَةُ" فإِنَّهُم يُسَمُّونَ أهلَ السُّنةِ شُكَّاكًا، وكَذَبَتِ المُرْجِئَةُ، بَلْ هُمْ بالشَكِّ أَوْلَى، وبالتَكْذِيْبِ أَشْبَهُ.
وأَمَّا "القَدَرِيَّةُ" فإِنَّهُم يُسَمُّونَ أهلَ السُّنَةِ والإثبات؛ مُجْبِرَةً. وكَذَبَتِ القَدَرِيَّةُ، بل هُمْ أولى بالكَذِبِ والخِلَافِ، أَلْغَوْا قَدَرَ اللهِ ﷿ عن خَلْقِهِ، وقالُوا: ليسَ له بأهلٍ، ﵎.
وأَمَّا "الجَهْمِيَّةُ" فإِنَّهُم يُسَمُّونَ أهلَ السُّنَّة المُشَبِّهَة، وكَذَبَتِ الجَهْمِيَّةُ أَعْدَاءُ اللهِ، بلْ هُمْ أَوْلَى بالتَّشْبِيهِ والتَّكْذِيبِ، افتَرَوا عَلَى الله ﷿ الكَذِبَ، وقَالُوا الإفْكَ والزُّورَ، وكَفَرُوا بقَوْلِهِمْ.
وأَمَّا "الرَّافِضَةُ"، فإِنَّهُم يُسَمُّونَ أهلَ السُّنَّة النَّاصِبَةَ، وكَذَبَتِ الرَّافِضَةُ،
[ ١ / ٧٢ ]
بل هُمْ أَوْلَى بِهذَا؛ لإنْصَابِهِمْ (^١) لأصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ بالسَّبِّ والشَتْمِ، وقَالُوا فيهم بغيرِ الحَقِّ، ونَسَبُوهم إلى غيرِ العَدْلِ، كُفْرًا وظُلْمًا، وجُرْأَةً على الله ﷿ واستِخْفَافًا بحقِّ الرَّسُوْلِ ﷺ، وَهُمْ - واللهِ - (^٢) أولَى بالتَّعيِيْرِ والانْتِقَامِ مِنْهم.
وأَمَّا "الخَوَارِجُ"، فإِنَّهُمْ يُسَمُّوْن أَهلَ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مُرْجِئَةً. وَكَذَبَتِ الخَوَارِجُ في قَولهم، بَلْ هُمُ المُرْجِئَةُ، يَزْعُمُوْنَ أَنَّهم على إِيْمَانٍ وحَقٍّ دُوْنَ النَّاسِ، ومَنْ خَالَفَهُمْ كَافِرٌ.
وأمَّا أَصْحَابُ الرَّأي، فإِنَّهُم يُسَمُّونَ أَصْابَ السُّنَّةِ؛ نَابِتَةً، وحَشْويَّةً. وكَذَبَ أَصْحَابُ الرَّأي أَعْدَاءُ اللهِ، بل هُمُ النَّابِتَةٌ والحَشَوِيَّةُ، تَرَكُوا آثارَ الرَّسُوْلِ ﷺ وحَدِيْثَهُ، وقَالُوا بالرَّأي، وقَاسُوا الدِّين بالاسْتِحْسَانِ، وحَكَمُوا بخلافِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وهُم أَصْحَابُ بِدْعَةٍ، جَهَلَةٌ، ضُلّاَلٌ، وطُلّاَبُ دُنْيَا بالكَذِبِ والبُهْتَانِ.
رَحِمَ اللهُ عَبْدًا قَالَ بالحَقِّ واتَّبَعَ الأثَرَ، وتَمَسَّكَ بالسُّنَّةِ، واقْتَدَى بالصَّالِحِيْنَ، وبالله التَّوْفِيْقُ.
اللَّهُمَّ ادْحَضْ باطِلَ المُرْجِئَةِ، وأَوْهِنْ كَيْدَ القَدَرِيَّةِ، وأَزِلْ (^٣) دَوْلَةَ
_________________
(١) في (ط): "لانتصابهم".
(٢) في (ط): "وهم أولى بالتَّعبير .. ".
(٣) في (ط): "أذل". ويُستدرك على المؤلِّف ﵀: - أحمد بنُ جَنَاحٍ، أَبُو صَالِحٍ. ذكره النابُلُسِيُّ في المختصر (١٥) وقال: "ذكره أبو الفرج بن=
[ ١ / ٧٣ ]
الرَّافِضَةِ، وامْحَقْ شُبَهَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، واكفِنَا مُؤْنَةَ الخَارِجِيَّةِ، وعَجِّلْ الانتِقَامِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ.