كانت أمه مروذية وأبوه خوارزميا. وهو المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله. وكان إمامنا يأنس به، وينبسط إليه. وهو الذى تولى إغماضه لما مات وغسله.
وقد روى عنه مسائل كثيرة.
منها: ما أنبأنا أبو بكر المقرى أخبرنا أحمد السّوسنجردى (^١) أخبرنا أبو بكر ابن بخيت حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أبو بكر المروذى قال: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التى تردها الجهمية فى الصفات، والرؤبة والإسراء وقصة العرش؟ فصححها، وقال: قد تلقتها الأمة بالقبول. وتمرّ الأخبار كما جاءت.
وبه حدثنا المروذى حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش الصنعانى عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله
_________________
(١) بضم السين الأولى وفتح الثانية وسكون النون وكسر الجيم وسكون الواو وكسر الدال. من قرى بغداد.
[ ١ / ٥٦ ]
عليه وسلم لأبى ذر «أىّ عرى الإيمان أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال:
الموالاة والمعاداة فى الله، والحب فى الله والبغض فى الله».
وبه قال المروذى: قيل لأبى عبد الله: ما الحب فى الله؟ قال: هو أن لا تحبه لطمع فى دنياه.
وقال المروذى: قال أحمد: إذا أعطيتك كتابى، وقلت لك: اروه عنى، وهو من حديثى، فما تبالي: سمعته، أو لم تسمعه؟.
وقال أيضا: سمعت أحمد يقول: أما الحديث: فقد استرحنا منه، وأما المسائل: فقد عزمت إن سألنى أحد عن شئ أن لا أجيبه.
وقال أيضا: سئل أحمد عن القرآن بالألحان؟ فقال بدعة لا تسمع.
وقال أيضا: قلت لأبى عبد الله: أترى يكتب الرجل كتب الشافعى؟ قال لا. قلت: أترى أن يكتب الرسالة؟ قال: لا تسألنى عن شئ محدث. قلت:
كتبتها؟ قال: معاذ الله.
وقال أيضا: قال أحمد: وقال أبو عبيد لما أنكرت عليه وضع هذه الكتب قال: لم تنصحونى ولم أعلم، فلو علمت أنك تكرهها ما تعرضت لها ولا وضعتها.
قال أحمد: قد ندم.
وقال أيضا: قال أحمد: لا تكتب كلام مالك، ولا سفيان، ولا الشافعى ولا إسحاق بن راهويه، ولا أبى عبيد.
وقال المروذى أيضا: دخلت يوما على أحمد. فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرض؛ ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل. ونفسه تطالبه بهواها. وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يطالبه بقبض روحه، وعياله يطالبونه بنفقتهم؟؟!.
وقال أبو بكر الخلال: خرج أبو بكر المروذى إلى الغزو، فشيعته الناس إلى سامرّا، فجعل يردهم، فلا يرجعون. فحزروا، فإذا هم بسامرّا - سوى من رجع -
[ ١ / ٥٧ ]
نحو خمسين ألف إنسان، فقيل له: يا أبا بكر احمد الله. فهذا علم قد نشر لك.
قال: فبكى، ثم قال: ليس هذا العلم لى، إنما هذا علم أحمد بن حنبل.
وقال أبو يحيى زكريا بن الفرج البزاز: جئت يوما إلى أبى بكر المروذى، وإذا عنده عبد الله بن أحمد، فقال له أبو بكر: أحب أن تخبر أبا يحيى بما سمعت من أبيك فى داود الأصبهانى. فقال عبد الله: لما قدم داود من خراسان جاءنى فسلم على، فسلمت عليه. فقال: قد علمت شدة محبتى لكم وللشيخ. وقد بلغه عنى كلام، فأحب أن تعذرنى عنده، وتقول له: أن ليس هذا مقالتى، أو ليس كما قيل لك. فقلت له: لا يريد، فإنى قد دخلت إلى أبى فأخبرته أن داود جاء فقال: إنه لا يقول بهذه المقالة وأنكر. قال: جئنى بتلك الضبارة الكتب، فجئه بها. فأخرج منها كتابا، فقال: هذا كتاب محمد بن يحيى النيسابورى.
وفيه: أحل فى بلدنا الحال والمحل. وذكر فى كتابه أنه قال: إن القرآن محدث.
فقلت له: إنه ينكر ذلك. فقال: محمد بن يحيى أصدق منه. لا تقبل قول العدو لله، أو نحو ما قال أبو يحيى.
وقال المروذى: قلت لأبى عبد الله أحمد بن حنبل: بم نال من نال ما نال حتى ذكر به؟ فقال لى: بالصدق، ثم قال: إن الصدق موصول بالجود.
وقال المروذى: قال أبو عبد الله رحمه الله تعالى: أول شئ نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ﴾ وآخر شئ نزل من القرآن: (المائدة).
وأنبأنا على البندار عن ابن بطة حدثنا أبو بكر بن الآجرى حدثنا المروذى قال: وسمعت أبا عبد الله - وذكر الحسن بن حىّ - فقال. لا نرضى مذهبه، وسفيان أحب إلينا. وقد كان ابن حيّ قعد عن الجمعة، وكان يرى السيف.
وقال: قد فتن الناس بسكوته وورعه. وقال: لقد ذكر رجلا فلطم فم نفسه، وقال: ما أردت أن أذكره.
[ ١ / ٥٨ ]
وقال أبو بكر المروذى: سمعت أحمد يقول: من زعم أن الله لا يرى فى الآخرة فهو كافر.
قال المروذى: سئل أحمد: أمرّ فى الطريق فأسمع الاقامة: ترى أن أصلى؟ فقال: قد كنت أسهّل، فأما إذ كثرت البدع فلا تصل إلا خلف من تعرف.
وقال المروذى: قرئ على أبى عبد الله (ولا تمنن تستكثر) قال: تمنّ بما أعطيت، فتأخذ أكثر.
وقال المروذى: قال أبو عبد الله: ما اتّهمت عليه البهائم فلا تتّهم على أربع: تعرف ربها، وتعرف أنها تموت، وتطلب الرزق. ونسى المروذى الرابعة.
أنبأنا على البندار عن ابن بطة حدثنا أبو بكر الآجرى - بمكة - حدثنا أبو بكر المروذى قال: سمعت علىّ بن السكن يقول: حدثنى أبو مروان الدقيقى قال:
كنت جارا لشريك بن عبد الله بالكوفة. وكانت امرأة من العرب جارة لنا رهنت طرازا لها عند قوم على أن يستأدوا الغلة، ويحسبوا لها. قال: فاستأدوا حتى استوفوا ما كان لهم، فطالبتهم بالطراز، فقالوا: الطراز لنا، والشراء شراؤنا فصاروا إلى شريك. وشهد الشهود عند شريك بأنه شراء. فوجّه شريك إلى السكان أن أوقفوا الغلة حتى يأتيكم أمرى. ثم وجه فسأل عن الشهود؟ فعدّلوهم فحكم للذى ادعى أنه شراء، وحكم وكتب على المرأة بالقضية. فقامت المرأة إلى شريك، فقالت له: أيتم الله ولدك، وقطع أرزاقهم من السماء، كما قطعت رزق ولدى. فوقع فى قلب شريك من قولها ما أزعجه وأقلقه. فبعث إلى جار له يلبس خزا وهطرا - يعنى الصوف والقطن - فاستعار كساءه ولبسه، وجاء إلى ذلك الطّراز، فقال للحائك الذى فيه: أتأذن لى أن أدخل أتبرّد عندك؟ فأذن له الحائك بالدخول. فدخل، فسأله شريك عن خبر الطراز؟ فقال له:
كنا فى حديث هذا الطراز قبل دخولك إلينا. وذلك: أنى ساكن فى هذا منذ
[ ١ / ٥٩ ]
ثلاثين سنة، وهو لامرأة من العرب احتاجت، فرهنته عند هؤلاء القوم على أن يأخذوا من الغلة ما أعطوها، ثم يطلقوا لها الطراز. فحكم فيه القاضى - أعمى الله قلبه، وقطع الله رزقه - لهؤلاء القوم الظالمين. وقد علمت أن هذا الشئ لهذه المرأة المسكينة. وقلت لولدى: لا يحل لى الصلاة فى هذا الموضع. فقم بنا نتحول فقام شريك، فتوجه إلى منزله، ثم وجه إلى القوم وأحضرهم، وأحضر البينة، فقال للبينة: تفقدوا الشهادات، كيف تشهدون؟ أما أنتم فقد شهدتم بما علمتم، وقد وقع إلىّ خبر الطراز. وقال للذين حكم لهم: إن استقالوني أقلتكم، وإلا كتبت إلى أمير المؤمنين بما استقر عندى، ورفعتكم مع البينة إلى الخليفة، فيحكم بما يرى - وكان المهدى - فقالوا: ما وقع إليك أيها القاضى؟ فاخبرهم بالقصة التى سأل عنها. فاستقالوه. فأقالهم. فهو لورثة المرأة إلى هذه الغاية.
وبه قال المروذى: سمعت أبا عبد الله يقول: يكره للرجل أن ينام بعد العصر يخاف على عقله.
وبه قال المروذى: سمعت أبا عبد الله يقول: كانوا قبل طلوع الشمس. فقال لهم: هكذا أنهار الجنة.
وبه قال المروذى: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت أبى يقول: دخل شريك إلى المهدى، قال فقال له: إن فى قلبى على عثمان شيئا. فقال شريك:
إن كان فى قلبك فانك من أهل النار، فاستوى قاعدا غضبان، وقال: لتخرجن مما قلت. قال شريك: أنا أوجدك ذلك فى القرآن. قال الله تعالى (٣٩:٤٨ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ)﴾ قال: هو ابن عمك ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أبو بكر ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ عمر ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ عثمان ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ علىّ. قال: فتجلى الغضب، أو قال: سكن عنه. وقال: قد سكن ما فى قلبى.
وقال المروذى: سمعت أبا عبد الله يقول، وقد سئل عن الحب فى الله؟ فقال: هو أن لا تحبه لطمع دنيا.
[ ١ / ٦٠ ]
قال المروذى: سمعت أبا عبد الله يقول: أنشدنى رجل من أهل الشاش:
وكل صديق ليس فى الله وده … فانى به فى وده غير واثق
وبه قال المروذى: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أهون الدنيا على أوليائه.
وبه قال المروذى: سمعت رجلا يقول لأبى عبد الله - وذكر له الصدق والإخلاص - وكان أبو عبد الله يشبهه بالأبدال - فقال أبو عبد الله: بهذا ارتفع القوم.
وقال المروذى: رأيت ربى فى المنام، وكأن القيامة قد قامت ورأيت الخلائق والملائكة حول بنى آدم، فسمعت الملائكة تقول: قد أفلح الزاهدون اليوم فى الدنيا. قال: ورأيت النبى ﷺ وسمعته يقول: يا أحمد بن حنبل، هلمّ إلى العرض على الله ﷿. فرأيت أحمد بن حنبل والمروذى خلفه.
ولما قدم أحمد بن حنبل من سامرّا جعل يقول: جزى الله أبا بكر المروذى عنى خيرا.
وقال أبو محمد دوست الشيخ الصالح: رأيت أحمد بن حنبل فى المنام على باب بيت، وعنده جماعة، وليس عليه رداء، فقلت: يا ابا عبد الله، أين رداؤك؟ فقال: عند المروذى.
وقال المروذى، يوم جنازة فتح بن شخرف: إن الخليقة انحازت عن قول احمد بن حنبل ما تحاشيت أن أجفوها.
ومات المروذى فى جمادى الأولى سنة خمس وسبعين ومائتين. ودفن عند رجل قبر أحمد بن حنبل.
وأنبأنا القاضى الحسين بن المهتدى بالله عن عمر بن شاهين قال: حدثنا أحمد بن ابراهيم بن يحيى بن ابراهيم الرواس قال: سمعت أبا بكر المروذى يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يزيد بن زريع، مات أبوه وخلّف له
[ ١ / ٦١ ]
أربعين بدرة (^١)، فلم يأخذ منها شيئا، وتورع عنها.
وقال أحمد فى رواية المروذى: وإذا أحرمت فاقطع المحمل الذى على النعل والعقب الذى يجعل للنعل. وقد كان عطاء يقول: فيه دم.
وقال أحمد فى رواية المروذى: أول شئ نزل من القرآن (اقرأ) وآخر شئ نزل من القرآن: المائدة.
قال المصنف: وقد روى عن عائشة أم المؤمنين، وأبى صالح، وقتادة، ومجاهد ذلك. ولفظ مجاهد: أول سورة أنزلت على محمد رسول الله ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثم ﴿ن﴾.
وقال أحمد فى رواية المروذى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) *﴾ بالمدينة. ﴿(يا أَيُّهَا النّاسُ) *﴾ بمكة نزلت. وقال: أربع سور نزلت بالمدينة: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة. وقال: (٥٢:٢٢ - ٥٥ ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾) أربع آيات آخرها ﴿تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ هذه نزلت بمكة، والباقى بالمدينة.
وقال المروذى: قال لنا أبو عبد الله: عذاب القبر حق، ما ينكره إلا ضال مضل.
وقال المروذى: سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لا يفلح.
ومن تعاطى الكلام لا يخلو من بدعة.
قال المروذى: قلت لأبى عبد الله: إن الكرابيسى يقول: من لم يقل لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر. فقال: بل هو الكافر
وقال: ثار بشر المريسى وخلفه حسين الكرابيسى، وقال لى: هذا قد تجهم وأظهر الجهمية، ينبغى أن يحذر عنه، وعن كل من اتبعه.
وقال الخلال: أخبرنا المروذى: أن أبا عبد الله ذكر حارثا المحاسبى فقال:
_________________
(١) هى كيس فيه ألف درهم أو أكثر.
[ ١ / ٦٢ ]
حارث أصل البلية، يعنى حوادث كلام جهم - ما الآفة إلا حارث، عامة من صحبه انهتك إلا ابن العلاف. فإنه مات مستورا. حذّروا عن حارث أشد التحذير. قلت: إن قوما يختلفون إليه؟ قال: نتقدم إليهم لعلهم لا يعرفون بدعته. فإن قبلوا وإلا هجروا. ليس للحارث توبة، يشهد عليه ويجحد. إنما التوبة لمن اعترف.
وانبأنا أبو الحسين بن المهتدى بالله عن أبى الحسين ابن اخى ميمى قال:
أخبرنا على بن محمد الموصلى حدثنا موسى بن محمد الغسانى حدثنا المروذى حدثنا أبو مصعب وأحمد بن اسماعيل قالا: مكث مالك بن أنس ستين سنة يصوم يوما ويفطر يوما. وكان يصلى فى كل يوم ثمانمائة ركعة. وكان يرى صوم النذر متتابعا. ولا يقطع.
وبه قال المروذى: سمعت سلمة بن شبيب يقول: كنت عند أحمد بن حنبل، فجاءه رجل فقال: قد ضربت برّها - أو قال بحرها - وقد قصدت إليك، ولولا أن قيل لى فى منامى: آتيك فأخبرك. ما جئت، قيل لى: قل له:
إن الله ﵎ قد باهى بك الملائكة.
روى المروذى: أن أبا عبد الله قال له: قدم بى من خراسان وأنا حمل.
وولدت ههنا. ولم أر جدى ولا أبى، ولا تزوجت إلا بعد الأربعين.