- ويقال الكلبى - الأثرم الإسكافى أبو بكر، جليل القدر حافظ إمام. سمع حرميّ بن حفص، وعفان بن مسلم، وأبا بكر بن أبى شيبة، وعبد الله بن مسلم القعنبىّ، وإمامنا فى آخرين.
نقل عن إمامنا مسائل كثيرة. وصنفها ورتبها أبوابا.
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد - قراءة - أخبرنا إبراهيم البرمكى أخبرنا محمد بن نجيب حدثنا عمر بن محمد حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا محمد بن سيار حدثنى أبو داود صاحب الطيالسة حدثنا شعبة عن عاصم الأحول عن أبى حاجب عن الحكم بن عمرو الغفاري، وهو الأقرع «أن النبى ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة».
[ ١ / ٦٦ ]
وبه قال قلت لأبى عبد الله: فضل وضوء المرأة؟ قال إذا خلت به فلا يتوضأ منه. إنما رخّص النبى ﷺ أن يتوضّأ جميعا.
وبه قال: سمعت أبا عبد الله سئل عن مسح الرأس: كيف هو؟ فقال: هكذا ووضع يديه كلتيهما على مقدم رأسه، ثم جرهما إلى مؤخر رأسه، ثم ردهما جميعا إلى المكان الذى منه بدأ. وذلك كله فى مرة، لم يرفعهما عن رأسه. ثم قال: على حديث عبد الله بن زيد.
وبه قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسح على العمامة، قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم. قال أبو عبد الله من خمسة وجوه عن النبى ﷺ
وبه قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل نسيى المضمضة والاستنشاق فى وضوئه؟ قال: يعيد الصلاة. قلت لأبى عبد الله: يعيدهما، أم يعيد الوضوء كله؟ قال: لا، بل يعيدهما ولا يعيد الوضوء. قلت لأبى عبد الله: فنسى المضمضة وحدها فقال: الاستنشاق عندى أوكد.
وبه قال: سألت أبا عبد الله عن الوضوء من القئ؟ فقال: نعم، يتوضأ قلت له: على إيجاب الوضوء؟ قال: نعم. واحتج بحديث ثوبان «أنا صببت لرسول الله وضوءه».
وقال الاثرم: سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان؟ فقال: كل شئ محدث فانه لا يعجبنى، إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه.
وقال الاثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف فى الامصار، يجتمعون فى المساجد يوم عرفة؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، فعله غير واحد، قال أبو عبد الله: الحسن، وبكر، وثابت، ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة.
وقال الاثرم: سمعت أحمد - وذكر سفيان بن عيينة - فقال: ما رأينا نحن مثله وقال على بن المدينى: حج سفيان بن عيينة اثنتين وسبعين حجة. مات عطاء
[ ١ / ٦٧ ]
سنة خمس عشرة ومائة. وحج سفيان بعد موته بستة، وهو ابن تسع سنين. فلم يزل يحج حتى مات.
وقال الاثرم: سألت أحمد عن مقاتل بن سليمان؟ فقال لى: ما أقول؟ لما رأيت أحدا أعلم بالتفسير من مقاتل بن سليمان.
وقال الاثرم: كنت عند خلف البزاز، يوم جمعة. فلما قمنا من المجلس صرت إلى قرن الصّراة. فأردت أن أغتسل للجمعة. فغرقت. فلم أجد شيئا أتقرب به إلى الله جل ثناؤه أكثر عندى من أن قلت: اللهم إن تحينى لأتوبن من صحبة حارث - يعنى المحاسبى.
وقال الاثرم: كان حارث المحاسبى فى عرس لقوم، فجاء يطّلع على النساء من فوق الدرابزين، ثم ذهب يخرجه - يعنى رأسه - فلم يستطع. فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: أردت أن أعتبر بالحور العين.
قال الاثرم، فى أثناء كتاب إلى الثغر: أعاذنا الله وإياكم من كل موبقة، وأنقذنا وإياكم من كل مهلكة. وسلمنا وإياكم من كل شبهة، ومسّكنا وإياكم بصالح ما مضى عليه أسلافنا وأئمتنا.
كتابى إليكم - ونحن فى نعم متواصلة. نسأل الله تمامها، ونرغب إليه فى الزبادة من فضله، والعون على بلوغ رضاه - إن فى كثير من الكلام فتنة، وبحسب الرجل ما بلغ به من الكلام حاجته. ولقد حكى لنا أن فضلا كان يتلاكن فى كلامه، فان فى السكوت لسعة، وربما كان من الامور ما يطيق عنه السكوت. وذلك لما أوجب الله من النصيحة: وندب العلماء من القيام بها للخاصة والعامة، ولولا ذلك كان ما دعا إليه من الخمول أصوب فى دهر قلّ فيه من يستراح إليه، ونشأ فيه من يرغب عنه. ونحن فى موضع انقطاع عن الأمصار، فربما انتهى إلينا الخبر الذى يزعجنا، فنحرص على الصبر. فنخاف وجوب الحجة من العلم.
ولقد تبين عند أهل العلم عظم المصيبة بما فقدنا من شيخنا ﵁،
[ ١ / ٦٨ ]
أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إمامنا ومعلمنا، ومعلم من كان قبلنا منذ أكثر من ستين سنة. وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد. وما عالم كعالم، إنهم يتفاضلون ويتباينون بونا بعيدا. فقد ظننت أن عدو الله وعدو المسلمين إبليس وجنوده قد أعدوا من الفتن أسبابا، انتظروا بها فقده، لأنه كان يقمع باطلهم، ويزهق أحزابهم.
وكانت أول بدعة علمتها فاشية من الفتن المضلة، ومن العماية بعد الهدى.
وقد رأيت قوما فى حياة أبى عبد الله كانوا لزموا البيت على أسباب من النسك، وقلة من العلم. فأكرمهم الناس ببعض ما ظهر لهم من حبهم للخير، فدخلهم العجب مع قلة العلم. فكان لا يزال أحدهم يتكلم بالامر العجيب. فيدفع الله ذلك بقول الشيخ، جزاه الله أفضل ما جزى من تعلمنا منه، ولا يكون من أحد منهم من ذلك شئ إلا كان سبب فضيحته، وهتك ما مضى من ستره. فأنا حافظ من ذلك لأشياء كثيرة. وإنما هذا من مكايد إبليس مع جنوده. يقول لأحدهم: أنت أنت، ومن مثلك؟ فقل، قد قال غيرك، ثم يلقى فى قلبه الشئ.
وليس هناك سعة فى علم، فيزين عنده: أن يبتدئه ليشمت به. وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار.
وقد ظننت أن آخرين يلتمسون الشهرة، ويحبون أن يذكروا. وقد ذكر قبلهم قوم بألوان من البدع فافتضحوا، ولأن يكون الرجل تابعا فى الخير خير من أن يكون رأسا فى الشر. وقد قال ابن مسعود «اتبعوا، ولا تبتدعوا. فقد كفيتم، كل بدعة ضلالة» وقال «أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول» وقال النبى ﷺ «البركة مع أكابركم» وقال ابن مسعود «لا يز الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم» وقال ابن عمر «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة» وقال النبى ﷺ «ألا هلك المنتطعون» وقال الصديق ﵁ «أى أرض تقلّنى؟ وأى
[ ١ / ٦٩ ]
سماء تظلنى؟ إذا قلت فى كتاب الله ما لا أعلم» وقال على «ما أبردها على الكبد إذا سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول: لا أعلم» وقال أبو موسى «من علمه الله علما فليعلمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به، فيصير من المتكلفين، ويمرق من الدين» وقال ابن مسعود «إذا سئل أحدكم عما لا يعلم، فليقر، ولا يستحى» وروى عن النبى ﷺ فى أحاديث أنه قال «من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» وفي بعضها «لا تجوز شهادة محدث فى الإسلام» وفى بعضها: أنه قيل «يا رسول الله، وما الحدث؟ قال: من قتل نفسا بغير نفس. ومن امتثل مثلة بغير قود، أو ابتدع بدعة بغير سنة» فقرن ذلك بقتل النفس، ولعنة الله والملائكة. وقال الشعبى: ما حدثوك عن رأيهم فألقه فى الحشّ.
وقال عمر بن عبد العزيز «إياك وما أحدث المحدثون. فإنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة منها، فعليك بلزوم السنة. فإنها لك بإذن الله عصمة. وإن السنة إنما سها من قد علم ما جاء فى خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق. وارض لنفسك بما رضى به القوم لأنفسهم. فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل - لو كان فيها - أحرى. إنهم لهم السابقون. فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، وإن قلتم: حدث حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم. ولقد تكلموا منه بما يكفى، ووصفوا منه ما يشفى. فما دونهم مقصر ولا فوقهم محسر. لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا.
وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم».
وقال القاسم بن محمد «لأن يعيش الرجل جاهلا خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم».
وقال ابن مسعود «إن من العلم: إذ سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول:
الله أعلم».
[ ١ / ٧٠ ]
وقال ابن عمر «العلم ثلاث: آية محكمة، وسنة ماضية. ولا أدرى».
وقال الشعبى «لا أدرى: نصف العلم».
وقال الربيع بن خثيم «إياك أن يقول الرجل: حرم هذا، ونهى عن هذا.
فيقول الله له: كذبت».
وقال أحمد بن عبد الرحمن الحميرى «لأن أرده مغبة أحب إلى من أن أتكلفه»
وقال الشعبى «والله ما أبالى سئلت عما أعلم، أو عما لا أعلم».
يقول: إنه يسهل على أن أقول: لا أعلم.
وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود «إنك لن تخطئ الطريق ما دمت على الأثر».
وقال ابن عباس «عليك بالاستقامة، وإياك والبدع والتبدع».
وقال معاذ بن جبل «إياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق».
وقال ابن عباس «لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. فإن ذلك يوقع الشك فى قلوبكم».
وقال ابراهيم «ما جعل الله فى هذه الأهواء مثقال ذرة من خير. وما هى إلا زينة من الشيطان. وما الأمر الا الأمر الأول. وقد جعل الله على الحق نورا يكشف به العلماء، ويصرف به شبهات الخطأ. وإن الباطل لا يقوم للحق. قال الله ﷿ (٨:٢٢ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾.
﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾) فهذه لكل واصف كذب إلى يوم القيامة. وإن أعظم الكذب أن تكذب على الله»
وإن أبا عبد الله، وإن كان قريبا موته: فقد تقدّمت إمامته، ولم يخلّف فيكم شبهة. وإنما أبقاه الله لينفع به. فعاش ما عاش حميدا. ومات بحمد الله
[ ١ / ٧١ ]
مغبوطا. يشهد له خيار عباد الله الذين جعلهم الله شهداء فى أرضه. ويعرفون له ورعه وتقواه، واجتهاده وزهده، وأمانته فى المسلمين وفضل علمه
ولقد انتهى إلينا أن الأئمة الذين لم ندركهم كان منهم من ينتهى إلى قوله، ويسأله. ومنهم من يقدمه ويصفه. ولقد أخبرت أن وكيع بن الجرّاح كان ربّما سأله؛ وأن عبد الرحمن بن مهدى كان يحكى عنه ويحتج به. ويقدمه فى العلم ويصفه. وذلك نحو ستين سنة. وأخبرت أن الشافعىّ كانت أكثر معرفته بالحديث مما تعلم منه. ولقد أخبرت أن إسماعيل بن عليّة كان يهابه. وقال لى شيخ مرّة: ضحكنا من شئ، وثمّ أحمد بن حنبل، فجئنا بعد إلى إسماعيل فوجدناه غضبانا. فقال: تضحكون وعندى أحمد بن حنبل؟ وأخبرت أن يزيد بن هارون ذكره فبكى. وأخبرت أن يزيد عاده فى منزله. وأخبرت أن أبا عاصم قال: ما جاءنا مثله.
وكم بلغنا مثل هذا. وذكر تمام الرسالة بطولها.
وقال أبو بكر الخلال - وذكر الأثرم - فقال: جليل القدر، حافظ.
وكان عاصم بن على بن عاصم لما قدم بغداد طلب رجلا يخرج له فوائد يمليها.
فلم نجد له فى ذلك الوقت غير أبى بكر الأثرم. فكأنه لما رآه لم يقع منه بموقع لحداثة سنّه. فقال له: أخرج كتبك. فجعل يقول له: هذا الحديث خطأ، وهذا الحديث كذا، وهذا غلط، وأشياء نحو هذا. فسرّ عاصم به، وأملاه قريبا من خمسين مجلسا، فعرضت على أحمد بن حنبل فقال: هذه أحاديث صحاح.
وكان يعرف الحديث ويحفظه، ويعلم العلوم والأبواب والمسند. فلما صحب أحمد بن حنبل ترك ذلك، فأقبل على مذهب أبى عبد الله.
فسمعت أبا بكر المروذى يقول: قال الأثرم: كنت أحفظ - يعنى الفقه والاختلاف - فلما صحبت أحمد بن حنبل تركت ذلك كله.
[ ١ / ٧٢ ]
وكان معه تيقظ عجيب، حتى نسبه يحيى بن معين ويحيى بن أيوب المقابرى، فقال: أحد أبوى الأثرم جنّى.
وقال الخلال: وأخبرنى أبو بكر بن صدقه قال: سمعت أبا القاسم بن الجيلى قال: قدم رجل، فقال أريد رجلا يكتب لى من كتاب الصلاة ما ليس فى كتب ابن أبى شيبة. قال فقلنا له - أو فقالوا - ليس لك إلا أبو بكر الأثرم. قال:
فوجّهوا إليه ورقا. فكتب ستمائة ورقة من كتاب الصلاة. قال: فنظرنا فإذا ليس فى كتاب ابن أبى شيبة منه شئ.
قال: وسمعت الحسن بن على بن عمر الفقيه يقول: قدم شيخان من خراسان للحج، فحدثا. فلما خرجا طلب قوم من أصحاب الحديث أحدهما. قال: فخرج - يعنى إلى الصّحراء - فقعد هذا الشيخ ناحية، معه خلق من أصحاب الحديث والمستملى. وقعد الآخر ناحية. قال: وقعد الأثرم بينهما. فكتب ما أملاه هذا وما أملاه هذا.
قال: وأخبرنى عبد الله بن محمد قال: سمعت سعيد بن عتاب يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أحد أبوى الأثرم جنيا.
قال: وأخبرنى أبو بكر بن صدقة، قال سمعت ابراهيم بن الأصبهانى يقول:
أبو بكر الأثرم أحفظ من أبى زرعة الرازى وأتقن.
قال: وسمعت أبا بكر محمد بن على يقول: سمعت أبا بكر الأثرم يقول:
أحمد بن حنبل ستر من الله على أصحابه. فينبغى لأصحاب أحمد أن يتقوا الله ولا يعصوه، مخافة أن يعيروا بأحمد بن حنبل
وقال أحمد فى رواية الأثرم: والمحرم لا يلبس نعلا لها قيد. ووصف القيد سير يجعل فى الزمام معترضا
قال وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله مرارا يقول: إذا قام من المجلس سبحانك اللهمّ وبحمدك، حتى أرى شفتيه تتحركان. فلا أفهم بقية كلامه،
[ ١ / ٧٣ ]
كأنه يذهب إلى ما روى عن النبىّ ﷺ فى كفارة المجلس. روى أبو برزة وأبو هريرة عن النبى ﷺ أن يقول «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ولم يقع لى تاريخ وفاته (^١).