أبو العباس الفارسى الاصطخرى روى عن إمامنا أشياء:
منها: ما قرأت على المبارك عن علىّ بن عمر البرمكى. قال أخبرنا أحمد بن عبد الله المالكى، حدثنا أبى حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب بن زوران - لفظا - حدثنا أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسى الاصطخرى قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل:
«هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبى ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها.
فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها: فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونيّة، وتمسك بالسنة. والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى فى الإيمان، غير أن لا يكون الاستثناء شكّا؛ إنما هى سنة ماضية عند العلماء.
[ ١ / ٢٤ ]
قال: وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول، والاعمال شرائع: فهو مرجئ. ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء فى الإيمان فهو مرجئ. ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل والملائكة فهو مرجئ. ومن زعم أن المعرفة ننفع فى القلب لا يتكلم بها فهو مرجئ.
قال: والقدر خيره وشرّه، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه. وأوّله وآخره: من الله، قضاء قضاه، وقدرا قدّره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله ﷿. ولا يجاوز قضاءه: بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدّر عليهم لأفعاله. وهو عدل منه عزّ ربنا وجل. والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام. والشرك بالله والمعاصى كلها: بقضاء وقدر، من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجّة. بل لله الحجة البالغة على خلقه. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وعلم الله ﷿ ماض فى خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممن عصاه - من لدن أن عصى ﵎ إلى أن تقوم الساعة - المعصية.
وخلقهم لها. وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها. وكلّ يعمل لما خلق له.
وصائر لما قضى عليه وعلم منه. لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته. والله الفاعل لما يريد، الفعال لما يشاء.
ومن زعم أن الله شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم للشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلظ من مشيئة الله ﵎. فأى افتراء أكثر على الله ﷿ من هذا؟.
ومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنا
[ ١ / ٢٥ ]
وجاءت بولد: هل شاء الله ﷿ أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى فى سابق علمه؟ فإن قال: لا. فقد زعم أن مع الله خالقا. وهذا هو الشرك صراحا.
ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر، وأكل المال الحرام: ليس بقضاء وقدر:
فقد زعم: أن هذا الانسان قادر على أن يأكل رزق غيره. وهذا صراح قول المجوسية. بل أكل رزقه، وقضى الله أن يأكله من الوجه الذى أكله.
ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله ﷿، وأن ذلك بمشيئته فى خلقه: فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله. وأى كفر أوضح من هذا؟ بل ذلك بقضاء الله ﷿. وذلك بمشيئته فى خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحق الذى يفعل ما يريد. ومن أقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصّغر والقماء.
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة: أنه فى النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون فى ذلك حديث، كما جاء على ما روى فنصدّقه، ونعلم أنه كما جاء. ولا ننصّ الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه فى الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون فى ذلك حديث، كما جاء على ما روى، ولا ننص الشهادة.
والخلافة فى قريش ما بقى من الناس اثنان. ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة. والجهاد ماض قائم مع الأئمة، برّوا أو فجروا، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. والجمعة والعيدان، والحج مع السلطان، وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء. ودفع الصّدقات والخراج والأعشار، والفيئ والغنائم إلى الأمراء، عدلوا فيها أم جاروا.
والانقياد إلى من ولاّه الله أمركم، لا تنزع يدا من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا. ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعة. فمن فعل ذلك: فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة. وإن أمرك
[ ١ / ٢٦ ]
السلطان بأمر هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة. وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه.
والإمساك فى الفتنة سنة ماضية واجب لزومها، فإن ابتليت فقدّم نفسك دون دينك، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك. والله المعين.
والكفّ عن أهل القبلة. ولا تكفر أحدا منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون فى ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء، وكما روى، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روى، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام فاتبع الأثر فى ذلك ولا تجاوزه.
والأعور الدجّال خارج لا شك فى ذلك ولا ارتياب، وهو أكذب الكاذبين
وعذاب القبر حق، يسأل العبد عن دينه وعن ربه، وعن الجنة، وعن النار، ومنكر ونكير حق، وهما فتّانا القبر. نسأل الله الثبات.
وحوض محمد ﷺ حق ترده أمته. وله آنية يشربون بها منه.
والصراط حق يوضع على سواء جهنم، ويمرّ الناس عليه. والجنة من وراء ذلك.
نسأل الله السلامة. والميزان حق توزن به الحسنات والسيئات، كما يشاء الله أن، توزن. والصّور حق ينفخ فيه إسرافيل فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه الأخرى، فيقومون لربّ العالمين وللحساب والقضاء. والثواب والعقاب، والجنة والنار، واللوح المحفوظ تستنسخ منه أعمال العباد لما سبق فيه من المقادير والقضاء. والقلم حق، كتب الله به مقادير كل شئ وأحصاه فى الذكر ﵎.
والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم فى قوم فلا يصيرون إلى النار. ويخرج قوم من النار بشفاعة الشافعين. ويخرج قوم من النار بعد ما دخلوها ولبثوا فيها ما شاء الله، ثم يخرجهم من النار. وقوم يخلدون فيها أبدا. وهم أهل الشرك
[ ١ / ٢٧ ]
والتكذيب والجحود، والكفر بالله ﷿. ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار.
وقد خلقت الجنة وما فيها، والنار وما فيها، خلقهما الله ﷿. وخلق الخلق لهما. لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدا.
فإن احتج مبتدع، أو زنديق، بقول الله ﷿ (٨٨:٢٨ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾) وبنحو هذا من متشابه القرآن؟.
قيل له: كل شئ مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك. والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك. وهما من الآخرة لا من الدنيا. والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدا. لأن الله ﷿ خلقهن للبقاء لا للفناء. ولم يكتب عليهن الموت. فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضلّ عن سواء السبيل.
وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض. وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام. وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام. والماء فوق السماء العليا السابعة. وعرش الرحمن ﷿ فوق الماء. والله ﷿ على العرش. والكرسى موضع قدميه. وهو يعلم ما فى السموات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى. وما فى قعر البحار ومنبت كل شعرة وشجرة. وكل زرع وكلّ نبات ومسقط كل ورقة. وعدد كل كلمة.
وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم. ويعلم كل شئ. لا يخفى عليه من ذلك شئ وهو على العرش فوق السماء السابعة. ودونه حجب من نور ونار وظلمة. وما هو أعلم به.
فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله ﷿ (١٦:٥٠ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾) وبقوله (٤:٥٧ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾) وبقوله (٧:٥٨ ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾) ونحو هذا من متشابه القرآن.
[ ١ / ٢٨ ]
فقل: إنما يعنى بذلك العلم. لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العلياء ويعلم ذلك كله. وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان.
ولله ﷿ عرش. وللعرش حملة يحملونه. والله ﷿ على عرشه، ليس له حدّ والله أعلم بحدّه. والله ﷿ سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، قريب لا يغفل، (يتحرّك) ويتكلم وينظر، ويبصر ويضحك، ويفرح ويحبّ ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفو، ويفقر ويعطى ويمنع. وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء (١١:٤٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾) وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، ويوعيها ما أراد. وخلق آدم بيده على صورته، والسموات والأرض يوم القيامة فى كفّه، ويضع قدمه فى النار فتزوى، ويخرج قوما من النار بيده، وينظر أهل الجنة إلى وجهه يرونه فيكرمهم، ويتجلّى لهم فيعطيهم، ويعرض عليه العباد يوم القيامة، ويتولى حسابهم بنفسه، لا يلى ذلك غيره ﷿.
والقرآن كلام الله، تكلم به، ليس بمخلوق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمىّ كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف، ولم يقل: ليس بمخلوق: فهو أخبث من قول الأوّل، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله: فهو جهمى، ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم.
وكلم الله موسى تكليما من (فيه) (^١)، وناوله التوراة من يده إلى يده، ولم يزل الله ﷿ متكلما، فتبارك الله أحسن الخالقين.
والرؤيا من الله ﷿، وهى حقّ إذا رأى صاحبها شيئا فى منامه ما ليس هو ضغث، فقصّها على عالم، وصدق فيها، وأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرّف. فالرؤيا حينئذ حق. وقد كانت الرؤيا من الأنبياء ﵈ وحى فأى جاهل أجهل ممن يطعن فى الرؤيا، ويزعم أنها ليست بشئ. وبلغنى أن
_________________
(١) كذا بالأصول، ولعل فيها تحريفا أو نحوه، فلتحرر
[ ١ / ٢٩ ]
من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام. وقد روى عن النبى ﷺ «أن رؤيا المؤمن كلام يكلم الربّ عبده (^١)» وقال «إن الرؤيا من الله ﷿» وبالله التوفيق.
ومن الحجة الواضحة الثابتة البينة المعروفة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساويهم، والخلاف الذى شجر بينهم. فمن سبّ أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدا منهم، أو تنقّصه أو طعن عليهم، أو عرّض بعيبهم، أو عاب أحدا منهم: فهو متبدع رافضى خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. بل حبهم سنة، والدّعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
وخير الأمّة بعد النبى ﷺ: أبو بكر، وعمر بعد أبى بكر، وعثمان بعد عمر، وعلى بعد عثمان. ووقف قوم على عثمان. وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير النّاس.
لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب، ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السّلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فان تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلّده الحبس، حتى يموت أو يراجع.
ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ويحبهم، لحديث رسول الله ﷺ. قال «حبهم إيمان، وبغضهم نفاق» ولا يقول بقول الشّعوبيّة وأراذل الموالى الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون لهم بفضل. فان لهم بدعة ونفاقا وخلافا
ومن حرّم المكاسب والتجارات، وطيب المال من وجهه: فقد جهل وأخطأ.
وخالف، بل المكاسب من وجهها حلال. فقد أحلها الله ﷿ ورسوله صلّى الله
_________________
(١) فى نسخة القرشى «يكلم العبد ربه»
[ ١ / ٣٠ ]
عليه وسلم. فالرجل ينبغى له أن يسعى على نفسه وعياله من فضل ربه. فان ترك ذلك على أنه لا يرى الكسب: فهو مخالف. وكل أحد أحق بماله الذى ورثه واستفاده، أو أوصى له به أو كسبه، لا كما يقول المتكلمون المخالفون.
والدين إنما هو كتاب الله ﷿ وآثار وسنن، وروايات صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة، يصدق بعضها بعضا، حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ﷺ وأصحابه. رضوان الله عليهم. والتابعين وتابعى التابعين، ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم، المتمسّكين بالسنة، والمتعلقين بالآثار. لا يعرفون بدعة. ولا يطعن فيهم بكذب، ولا يرمون بخلاف.
وليسوا بأصحاب قياس ولا رأى. لأن القياس فى الدين باطل. والرّأى كذلك وأبطل منه. وأصحاب الرأى والقياس فى الدين مبتدعة ضلال، إلا أن يكون فى ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات.
ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحدا: فهو قول فاسق عند الله ورسوله ﷺ، إنما يريد بذلك إبطال الأثر، وتعطيل العلم والسنة، والتفرّد بالرأى والكلام والبدعة والخلاف.
وهذه المذاهب والأقاويل التى وصفت مذاهب أهل السنة والجماعة والآثار، وأصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن. وكانوا أئمة معروفين ثقات أصحاب صدق، يقتدى بهم ويؤخذ عنهم.
ولم يكونوا أصحاب بدعة، ولا خلاف ولا تخليط. وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم.
فتمسكوا بذلك رحمكم الله وتعلموه وعلموه. وبالله التوفيق.
ولأصحاب البدع ألقاب وأسماء، لا تشبه أسماء الصالحين ولا العلماء من أمة محمد ﷺ.
فمن أسمائهم «المرجئة» وهم الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل، وأن
[ ١ / ٣١ ]
الأيمان قول والأعمال شرائع، وأن الإيمان مجرد، وأن الناس لا يتفاضلون فى إيمانهم، وأن إيمان الملائكة (^١) والأنبياء واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقا:
قول المرجئة. وهو أخبث الأقاويل، وأضله وأبعده من الهدى.
و«القدرية» وهم الذين يزعمون أن إليهم الاستطاعة والمشيئة والقدرة، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وأن العباد يعملون بدءا، من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله ﷿ أو فى علمه. وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية. وهو أصل الزندقة.
و«المعتزلة» وهم يقولون بقول القدرية ويدينون بدينهم. ويكذبون بعذاب القبر، والشفاعة والحوض. ولا يرون الصلاة خلف أحد من أهل القبلة، ولا الجمعة إلا وراء من كان على أهوائهم. ويزعمون أن أعمال العباد ليست فى اللوح المحفوظ.
و«النصيرية» وهم قدرية. وهم أصحاب الحبّة والقيراط. الذين يزعمون أن من أخذ حبة أو قيراطا، أو دانقا حراما فهو كافر. وقولهم يضاهى قول الخوارج.
و«الجهمية» أعداء الله. وهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأن الله ﷿ لم يكلم موسى، وأن الله ليس بمتكلم. ولا يتكلم، ولا ينطق. وكلاما كثيرا أكره حكايته. وهم كفار زنادقة أعداء الله.
و«الواقفة» وهم يزعمون أن القرآن كلام الله، ولكن ألفاظنا بالقرآن وقراءتنا له: مخلوقة. وهم جهمية فساق.
_________________
(١) كذا، ولعله «العامة»
[ ١ / ٣٢ ]
و«الرافضة» وهم الذين يتبرءون من أصحاب محمد رسول الله ﷺ ويسبّونهم وينتقصونهم، ويكفرون الأئمة الأربعة: على، وعمار، والمقداد، وسلمان. وليست الرافضة من الإسلام فى شئ.
و«المنصورية» وهم رافضة أخبث من الروافض. وهم الذين يقولون: من قتل أربعين نفسا ممن خالف هواهم دخل الجنة. وهم الذين يخيفون الناس ويستحلون أموالهم. وهم الذين يقولون: أخطأ جبريل ﵇ بالرسالة.
وهذا هو الكفر الواضح الذى لا يشوبه إيمان. فنعوذ بالله منه.
و«السبئيّة» وهم رافضة. وهم قريب ممن ذكرت مخالفون للأئمة، كذابون وصنف منهم يقولون: علىّ فى السحاب، وعلىّ يبعث قبل يوم القيامة. وهذا كذب وزور وبهتان.
و«الزيدية» وهم رافضة. وهم الذين يتبرءون من عثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة. ويرون القتال مع كل من خرج من ولد على، برّا كان أو فاجرا، حتى يغلب أو يغلب.
و«الخشبية» وهم يقولون بقول الزيدية. وهم فيما يزعمون ينتحلون حب آل محمد ﷺ، وكذبوا، بل هم المبغضون لآل محمد ﷺ دون الناس، إنما الشيعة لآل محمد المتقون، أهل السنة والأثر، من كانوا وحيث كانوا، الذين يحبون آل محمد ﷺ. وجميع أصحاب محمد ﷺ، ولا يذكرون أحدا منهم بسوء ولا عيب ولا منقصة. فمن ذكر أحدا من أصحاب محمد ﵇ بسوء أو طعن عليهم؛ أو تبرأ من أحد منهم أو سبّهم، أو عرض بعيبهم: فهو رافضى خبيث مخبث.
وأما «الخوارج» فمرقوا من الدين، وفارقوا الملة، وشردوا عن الإسلام، وشذوا عن الجماعة، فضلوا عن السبيل والهدى، وخرجوا على السلطان، وسلّوا السيف على الأمة، واستحلّوا دماءهم وأموالهم. وعادوا من خالفهم إلا من قال
[ ١ / ٣٣ ]
بقولهم. وكان على مثل قولهم ورأيهم، وثبت معهم فى بيت ضلالتهم. وهم يشتمون أصحاب محمد ﷺ وأصهاره وأختانه. ويتبرءون منهم، ويرمونهم بالكفر والعظائم، ويرون خلافهم فى شرائع الإسلام. ولا يؤمنون بعذاب القبر ولا الحوض ولا الشفاعة، ولا بخروج أحد من النار. ويقولون: من كذب كذبة، أو أتى صغيرة أو كبيرة من الذنوب، فمات من غير توبة: فهو فى النار، خالدا مخلدا أبدا. وهم يقولون بقول البكرية (^١) فى الحبة والقيراط. وهم قدرية جهمية مرجئة رافضة. لا يرون الجماعة إلا خلف إمامهم. وهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها، ويرون الصوم قبل رؤية الهلال والفطر قبل رؤيته. وهم يرون النكاح بغير ولى ولا سلطان. ويرون المتعة فى دينهم. ويرون الدرهم بدرهمين يدا بيد.
ولا يرون الصلاة فى الخفاف ولا المسح عليها. ولا يرون للسلطان عليهم طاعة، ولا لقريش عليهم خلافة، وأشياء كثيرة يخالفون عليها الإسلام. وأهله. وكفى بقوم ضلالة: أن يكون هذا رأيهم ومذهبهم ودينهم. وليسوا من الإسلام فى شئ
ومن أسماء الخوارج: الحرورية. وهم أصحاب حروراء (^٢) والأزارقة: وهم أصحاب نافع بن الأزرق، وقولهم أخبث الأقاويل، وأبعده من الإسلام والسنة، والنجدية: وهم أصحاب نجدة بن عامر الحرورى، والإباضة: وهم أصحاب عبد الله بن إباض. والصّفّرية: وهم أصحاب داود بن النعمان. والمهلّبية والحارثية والخرّمية. كل هؤلاء خوارج، فساق مخالفون للسّنة، خارجون من الملّة، أهل بدعة وضلالة. والشّعوبية: وهم أصحاب بدعة وضلالة. وهم يقولون: إن العرب والموالى عندنا واحد، لا يرون للعرب حقا. ولا يعرفون لهم فضلا. ولا يحبونهم، بل يبغضون العرب، ويضمرون لهم الغل والحسد والبغضة فى قلوبهم. وهذا قول
_________________
(١) سبق قريبا: أن النصيرية هم الذين يقولون بالحبة والقيراط
(٢) قرية بالكوفة، كانت بها وقعة على الخوارج بقيادة نجدة بن عامر.
[ ١ / ٣٤ ]
قبيح، ابتدعه رجل (^١) من أهل العراق فتابعه عليه يسير، فقتل عليه.
وأصحاب الرأى: وهم مبتدعة ضلال، أعداء للسّنة والأثر، يبطلون الحديث، ويردون على الرسول ﵊، ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إماما، ويدينون بدينهم. وأى ضلالة أبين ممن قال بهذا، وترك قول الرسول وأصحابه، واتبع قول أبى حنيفة (^٢) وأصحابه؟ فكفى بهذا غيّا مرديا، وطغيانا.
والولاية بدعة. والبراءة بدعة. وهم الذين يقولون: نتولى فلانا، ونتبرأ من فلان. وهذا القول بدعة فاحذروه.
فمن قال بشئ من هذه الأقاويل، أو رآها أو صوّبها، أو رضيها أو أحبها: فقد خالف السّنة، وخرج من الجماعة، وترك الأثر. وقال بالخلاف، ودخل فى البدعة، وزال عن الطريق. وما توفيقى إلا بالله.
وقد رأيت لأهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة، يسمون بها أهل السّنة، يريدون بذلك عيبهم، والطعن عليهم، والوقيعة فيهم، والإزراء بهم عند السفهاء والجهّال.
فأما المرجئة: فإنهم يسمون أهل السّنة: شكّاكا، وكذبت المرجئة، بل هم بالشك أولى، وبالتكذيب أشبه.
وأما القدرية: فإنهم يسمون أهل السنة: والإثبات، مجبرة. وكذبت القدرية، بل هم أولى بالكذب والخلاف، ألغوا قدر الله ﷿ عن خلقه. وقالوا: ليس له بأهل. ﵎.
وأما الجهمية: فإنهم يسمون أهل السّنة: المشبّهة، وكذبت الجهمية أعداء الله، بل هم أولى بالتشبيه والتكذيب، افتروا على الله ﷿ الكذب، وقالوا الإفك والزّور، وكفروا بقولهم.
_________________
(١) المشهور: أن الذى كان يدعو إلى الشعوبية، ويتكلم فى مثالب العرب هو: أبو عبيدة معمر بن المثنى، لكنه لم يقتل، فالله أعلم.
(٢) بياض بالأصول.
[ ١ / ٣٥ ]
وأما الرافضة: فإنهم يسمون أهل السّنة: الناصبة، وكذبت الرافضة، بل هم أولى بهذا. لانتصابهم لأصحاب رسول الله ﷺ بالسب والشتم، وقالوا فيهم بغير الحق، ونسبوهم إلى غير العدل كفرا وظلما. وجرأة على الله ﷿، واستخفافا بحق الرسول ﷺ. وهم أولى بالتعيير والانتقام منهم.
وأما الخوارج: فإنهم يسمون أهل السّنة والجماعة: مرجئة. وكذبت الخوارج فى قولهم، بل هم المرجئة، يزعمون أنهم على إيمان وحق دون الناس. ومن خالفهم كافر
وأما أصحاب الرأى: فإنهم يسمون أصحاب السنة: نابتة، وحشوية. وكذب أصحاب الرأى أعداء الله، بل هم النابتة والحشوية، تركوا آثار الرسول ﷺ وحديثه، وقالوا بالرأى، وقاسوا الدين بالاستحسان، وحكموا بخلاف الكتاب والسنة. وهم أصحاب بدعة، جهلة ضلال، وطلاب دنيا بالكذب والبهتان.
رحم الله عبدا قال بالحق واتبع الأثر. وتمسك بالسنة واقتدى بالصالحين.
وبالله التوفيق.
اللهم ادحض باطل المرجئة، وأوهن كيد القدرية، وأذل دولة الرافضة، وامحق شبه أصحاب الرأى، واكفنا مؤنة الخارجية. وعجل الانتقام من الجهمية.