فَكَانَ الشافعى يَقُول إِنَّه الْحيض وَأَبُو عبيد يَقُول إِنَّه الطُّهْر فَلم يزل كل مِنْهُمَا يُقرر قَوْله حَتَّى تفَرقا وَقد انتحل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَذْهَب صَاحبه وتأثر بِمَا أوردهُ من الْحجَج والشواهد
قلت وَإِن صحت هَذِه الْحِكَايَة فَفِيهَا دلَالَة على عَظمَة أَبى عبيد فَلم يبلغنَا عَن أحد أَنه نَاظر الشافعى ثمَّ رَجَعَ الشافعى إِلَى مذْهبه
وَقد حكى الرافعى فى شَرحه هَذِه الْحِكَايَة وَقَالَ إِنَّهَا تقتضى أَن يكون للشافعى قَول قديم أَو حَدِيث يُوَافق مَذْهَب أَبى حنيفَة
قلت وَلَيْسَ ذَلِك بِلَازِم فقد يناظر الْمَرْء على مَا لَا يرَاهُ إِشَارَة للفائدة وإبرازا لَهَا وتعليما للجدل فَلَعَلَّهُ لما رأى أَبَا عبيد يعْتَقد أَنه الْحيض انتصب عَنهُ مستدلا عَلَيْهِ
[ ٢ / ١٥٩ ]
لينقطع مَعَه فَيعلم أَبُو عبيد ضعف مذْهبه فِيهِ وَلِهَذَا يتَبَيَّن أَن الشافعى لم يرجع إِلَى أَبى عبيد فى الْحَقِيقَة لِأَن المناظرة لم تكن إِلَّا لما ذَكرْنَاهُ
وَقَوله حَدِيث كَذَا هُوَ بِالْحَاء والثاء لَا جَدِيد بِالْجِيم وَالدَّال لِأَن أَبَا عبيد من أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين فمناظرته إِن صحت كائنة بِبَغْدَاد فَيكون ذَلِك قولا قَدِيما للشافعى أَو حَدِيثا حدث لَهُ بعد أَن كَانَ يخْتَار أَنه الطُّهْر فَيكون الشافعى قَائِلا بِأَنَّهُ الطُّهْر ثمَّ بِأَنَّهُ الْحيض ثمَّ عَائِدًا إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ الطُّهْر وَعَلِيهِ مَاتَ وَرُبمَا صحف بَعضهم حَدِيثا بجديد وَلَيْسَ بجيد
ثمَّ قَالَ الرافعى لَو أعلم قَول الغزالى الْأَقْرَاء الْأَطْهَار بِالْوَاو وللمناظرة المحكية لم يكن بَعيدا وَاعْتَرضهُ الزنجانى شَارِح الْوَجِيز بِأَنَّهُ إِن قَالَ هَذَا عَن نقل فَلَا كَلَام وَإِلَّا فالحكاية لَا تدل عَلَيْهِ لِأَن الْإِنْسَان قد يناظر غَيره فِيمَا لَا يَعْتَقِدهُ
قلت وَعَجِبت لَهُ من ذَلِك فَإِن الرافعى لم يعلم بِالْقَافِ حَتَّى يُقَال لَهُ هَذَا وَإِنَّمَا أعلم بِالْوَاو وَإِشَارَة إِلَى مقَالَة أَبى عبيد وعدها وَجها فى الْمَذْهَب لكَونه على الْجُمْلَة من أَصْحَابنَا فَلَا يبعد أَن تعد مقالاته وُجُوهًا وَقد لَا تعد لِأَنَّهُ يتحدث فى هَذِه الْمَسْأَلَة على قَضِيَّة اللُّغَة لَا على قَوَاعِد إِمَام الْمَذْهَب وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه وَلذَلِك نَاظر صَاحب الْمَذْهَب نَفسه وَلَو كَانَ مخرجا على قَاعِدَته لما ناظره