كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا جَامعا بَين الْفِقْه والْحَدِيث
تفقه أَولا على مَذْهَب أهل الرأى ثمَّ تفقه للشافعى
وَسمع مِنْهُ الحَدِيث وَمن يزِيد بن هَارُون وَإِسْحَاق الْأَزْرَق وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهم
روى عَنهُ عبيد بن مُحَمَّد بن خلف الْبَزَّار وَمُحَمّد بن على فستقة
وَله مصنفات كَثِيرَة وَقد أجَازه الشافعى كتب الزعفرانى
[ ٢ / ١١٧ ]
وَذَلِكَ فِيمَا أخبرنَا بِهِ يحيى بن يُوسُف بن المصرى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة عَن عبد الْوَهَّاب بن رواج أَن الْحَافِظ أَبَا طَاهِر السلفى أخبرهُ سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار أخبرنَا على بن أَحْمد القالى أخبرنَا أَبُو عبد الله أَحْمد بن إِسْحَاق بن خربَان النهاوندى القاضى أخبرنَا الْحسن بن عبد الرَّحْمَن الرامهرمزى حَدثنَا الساجى حَدثنَا دَاوُد الأصبهانى قَالَ قَالَ لى حُسَيْن الكرابيسى لما قدم الشافعى يعْنى إِلَى بَغْدَاد قَدمته فَقلت لَهُ أتأذن لى أَن أَقرَأ عَلَيْك الْكتب فَأبى وَقَالَ خُذ كتب الزعفرانى فقد أجزتها لَك فأخذتها إجَازَة
قَالَ الْخَطِيب حَدِيث الكرابيسى يعز جدا وَذَلِكَ أَن أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ يتَكَلَّم فِيهِ بِسَبَب مَسْأَلَة اللَّفْظ وَهُوَ أَيْضا كَانَ يتَكَلَّم فى أَحْمد فتجنب النَّاس الْأَخْذ عَنهُ لهَذَا السَّبَب
قلت كَانَ أَبُو على الكرابيسى من متكلمى أهل السّنة أستاذا فى علم الْكَلَام كَمَا هُوَ أستاذ فى الحَدِيث وَالْفِقْه وَله كتاب فى المقالات
قَالَ أَيْضا الْخَطِيب وَالِد الإِمَام فَخر الدّين فى كتاب غَايَة المرام على كِتَابه فى المقالات معول الْمُتَكَلِّمين فى معرفَة مَذَاهِب الْخَوَارِج وَسَائِر أهل الْأَهْوَاء
قلت والمروى أَنه قيل للكرابيسى مَا تَقول فى الْقُرْآن قَالَ كَلَام الله غير مَخْلُوق فَقَالَ لَهُ السَّائِل فَمَا تَقول فى لفظى بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لفظك بِهِ مَخْلُوق
فَمضى السَّائِل إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل فشرح لَهُ مَا جرى فَقَالَ هَذِه بِدعَة
والذى عندنَا أَن أَحْمد ﵁ أَشَارَ بقوله هَذِه بِدعَة إِلَى الْجَواب عَن مَسْأَلَة اللَّفْظ إِذْ لَيست مِمَّا يعْنى الْمَرْء وخوض الْمَرْء فِيمَا لَا يعنيه من علم الْكَلَام بِدعَة فَكَانَ السُّكُوت عَن الْكَلَام فِيهِ أجمل وَأولى وَلَا يظنّ بِأَحْمَد ﵁ أَنه يدعى أَن اللَّفْظ الْخَارِج
[ ٢ / ١١٨ ]
من بَين الشفتين قديم ومقالة الْحُسَيْن هَذِه قد نقل مثلهَا عَن البخارى والْحَارث بن أَسد المحاسبى وَمُحَمّد بن نصر المروزى وَغَيرهم وستكون لنا عودة فى تَرْجَمَة البخارى إِلَى الْكَلَام فى ذَلِك
وَنقل أَن أَحْمد لما قَالَ هَذِه بِدعَة رَجَعَ السَّائِل إِلَى الْحُسَيْن فَقَالَ لَهُ تلفظك بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فَعَاد إِلَى أَحْمد فَعرفهُ مقَالَة الْحُسَيْن ثَانِيًا فَأنْكر أَحْمد أَيْضا ذَلِك وَقَالَ هَذِه أَيْضا بِدعَة
وَهَذَا يدلك على مَا نقُوله من أَن أَحْمد إِنَّمَا أَشَارَ بقوله هَذِه بِدعَة إِلَى الْكَلَام فى أصل الْمَسْأَلَة وَإِلَّا فَكيف يُنكر إِثْبَات الشئ ونفيه فَافْهَم مَا قُلْنَاهُ فَهُوَ الْحق إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَبِمَا قَالَ أَحْمد نقُول فَنَقُول الصَّوَاب عدم الْكَلَام فى الْمَسْأَلَة رَأْسا مَا لم تدع إِلَى الْكَلَام حَاجَة ماسة وَمِمَّا يدلك أَيْضا على مَا نقُوله وَأَن السّلف لَا يُنكرُونَ أَن لفظنا حَادث وَأَن سكوتهم إِنَّمَا هُوَ عَن الْكَلَام فى ذَلِك لَا عَن اعْتِقَاده أَن الروَاة رووا أَن الْحُسَيْن بلغه كَلَام أَحْمد فِيهِ فَقَالَ لأقولن مقَالَة حَتَّى يَقُول أَحْمد بِخِلَافِهَا فيكفر فَقَالَ لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق
وَهَذِه الْحِكَايَة قد ذكرهَا كثير من الْحَنَابِلَة وَذكرهَا شَيخنَا الذهبى فى تَرْجَمَة الإِمَام أَحْمد وفى تَرْجَمَة الكرابيسى فَانْظُر إِلَى قَول الكرابيسى فِيهَا إِن مخالفها يكفر وَالْإِمَام أَحْمد فِيمَا نعتقده لم يُخَالِفهَا وَإِنَّمَا أنكر أَن يتَكَلَّم فى ذَلِك
فَإِذا تَأَمَّلت مَا سطرناه وَنظرت قَول شَيخنَا فى غير مَوضِع من تَارِيخه إِن مَسْأَلَة اللَّفْظ مِمَّا يرجع إِلَى قَول جهم عرفت أَن الرجل لَا يدرى فى هَذِه المضايق مَا يَقُول وَقد أَكثر هُوَ وَأَصْحَابه من ذكر جهم بن صَفْوَان وَلَيْسَ قصدهم إِلَّا جعل الأشاعرة الَّذين قدر الله لقدرهم أَن يكون مَرْفُوعا وللزومهم للسّنة أَن يكون مَجْزُومًا بِهِ ومقطوعا فرقة جهمية
[ ٢ / ١١٩ ]
وَاعْلَم أَن جهما شَرّ من الْمُعْتَزلَة كَمَا يدريه من ينظر الْملَل والنحل وَيعرف عقائد الْفرق والقائلون بِخلق الْقُرْآن هم الْمُعْتَزلَة جَمِيعًا وجهم لَا خُصُوص لَهُ بِمَسْأَلَة خلق الْقُرْآن بل هُوَ شَرّ من الْقَائِلين بهَا لمشاركته إيَّاهُم فِيمَا قَالُوهُ وزيادته عَلَيْهِم بطامات
فَمَا كفى الذهبى أَن يُشِير إِلَى اعْتِقَاد مَا يتبرأ الْعُقَلَاء عَن قَوْله من قدم الْأَلْفَاظ الْجَارِيَة على لِسَانه حَتَّى ينْسب هَذِه العقيدة إِلَى مثل الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره من السادات ويدعى أَن الْمُخَالف فِيهَا يرجع إِلَى قَول جهم فليته درى مَا يَقُول وَالله يغْفر لنا وَله ويتجاوز عَمَّن كَانَ السَّبَب فى خوض مثل الذهبى فى مسَائِل الْكَلَام وَإنَّهُ ليعز الْكَلَام على فى ذَلِك وَلَكِن كَيفَ يسعنا السُّكُوت وَقد مَلأ شَيخنَا تَارِيخه بِهَذِهِ العظائم الَّتِى لَو وقف عَلَيْهَا العامى لأضلته ضلالا مُبينًا
وَلَقَد يعلم الله منى كَرَاهِيَة الإزراء بشيخنا فَإِنَّهُ مفيدنا ومعلمنا وَهَذَا النزر الْيَسِير الحديثى الذى عَرفْنَاهُ مِنْهُ استفدناه وَلَكِن أرى أَن التَّنْبِيه على ذَلِك حتم لَازم فى الدّين
قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدى سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الصيرفى الشافعى يَقُول لَهُم يعْنى لتلامذته اعتبروا بِهَذَيْنِ حُسَيْن الكرابيسى وأبى ثَوْر فالحسين فى علمه وَحفظه وَأَبُو ثَوْر لَا يعشره فى علمه فَتكلم فِيهِ أَحْمد فى بَاب اللَّفْظ فَسقط وَأثْنى على أَبى ثَوْر فارتفع
قلت هَذَا الْكَلَام من الصيرفى مَعَ علو قدره يدل على علو قدر الْحُسَيْن وَنَظِيره قَول أَبى عَاصِم العبادى لم يتَخَرَّج على يَد الشافعى بالعراق مثل الْحُسَيْن
مَاتَ الكرابيسى سنة خمس وَأَرْبَعين وَقيل ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة