حَاجِب الرشيد ثمَّ وزيره
كَانَ من رجال الدَّهْر رَأيا وحزما ودهاء ورياسة وَمَكَارِم وعظمة فى الدُّنْيَا ولوالده الجاه الرفيع عِنْد مخدومه أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبى جَعْفَر الْمَنْصُور
وَلما آل الْأَمر إِلَى هَارُون الرشيد واستوزر البرامكة جعل الْفضل حَاجِبه وَكَانَ الْفضل يروم التَّشَبُّه بالبرامكة ومعارضتهم وَلم يكن لَهُ إِذْ ذَاك من الْمقدرَة مَا يدْرك اللحاق بهم فَمن ثمَّ كَانَت بَينهم إحن وشحناء إِلَى أَن قدر الله زَوَال نعْمَة البرامكة على يدى الْفضل فَإِنَّهُ تمكن بمجالسة الرشيد وأوغر قلبه فِيمَا يذكر عَلَيْهِم حَتَّى اتّفق لَهُ مَا تناقلته الروَاة
[ ٢ / ١٥٠ ]
وَاسْتمرّ الْفضل مُتَمَكنًا عِنْد هَارُون إِلَى أَن قضى هَارُون نحبه فَقَامَ بالخلافة وَلَده مُحَمَّد الْأمين وسَاق إِلَيْهِ الخزائن بعد موت أَبِيه وَسلم إِلَيْهِ الْقَضِيب والخاتم وَأَتَاهُ بذلك من طوس
وَكَانَ الْفضل هُوَ صَاحب الْحل وَالْعقد لاشتغال الْأمين باللهو وَلما تداعت دولة الْأمين ولاح عَلَيْهَا الإدبار اختفى الْفضل مُدَّة طَوِيلَة فَلَمَّا بُويِعَ إِبْرَاهِيم بن المهدى ظهر الْفضل وساس نَفسه وَلم يدْخل مَعَهم فى شئ فَلذَلِك عَفا عَنهُ الْمَأْمُون بشفاعة طَاهِر بن الْحُسَيْن وَاسْتمرّ بطالا فى دولة الْمَأْمُون لاحظ لَهُ إِلَّا السَّلامَة إِلَى أَن مَاتَ
وفى تقصى أخباره طول وفصول وَلَكنَّا نذْكر فَوَائِد من أوائلها وأواخرها فَمِنْهَا قيل دخل الْفضل يَوْمًا على يحيى بن خَالِد البرمكى وَقد جلس لقَضَاء الْحَوَائِج وَبَين يَدَيْهِ وَلَده جَعْفَر يُوقع فى الْقَصَص فَعرض الْفضل عَلَيْهِ عشر رقاع للنَّاس فتعلل يحيى فى كل رقْعَة بعلة وَلم يُوقع فى شئ مِنْهَا أَلْبَتَّة فَجمع الْفضل الرّقاع وَقَالَ ارْجِعْنَ خائبات خاسئات ثمَّ خرج وَهُوَ ينشد
(عَسى وَعَسَى يثنى الزَّمَان عنانه بتصريف حَال وَالزَّمَان عثور)
(فتقضى لبانات وتشفى حسائف وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور)
فَسَمعهُ يحيى فَقَالَ عزمت عَلَيْك يَا أَبَا الْعَبَّاس إِلَّا رجعت فَرجع فَوَقع لَهُ فى جَمِيع الرّقاع ثمَّ لم يمض إِلَّا الْقَلِيل ونكبت البرامكة على يَدَيْهِ وَتَوَلَّى هُوَ الوزارة بعد أَن كَانَ حاجبا
وتنازع يَوْمًا جَعْفَر بن يحيى وَالْفضل بن الرّبيع بِحَضْرَة الرشيد فَقَالَ جَعْفَر للفضل يالقيط إِشَارَة إِلَى شئ كَانَ يُقَال عَن أَبِيه فَقَالَ الْفضل اشْهَدْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ جَعْفَر للرشيد ترَاهُ عِنْد من يقيمك هَذَا الْجَاهِل شَاهدا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنت حَاكم الْحُكَّام
[ ٢ / ١٥١ ]
وَالْفضل بن الرّبيع هُوَ الذى يَقُول فِيهِ أَبُو نواس
(وَلَيْسَ لله بمستنكر أَن يجمع الْعَالم فى وَاحِد)
من أَبْيَات
مَاتَ الْفضل سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ فى عشر السّبْعين
ويستحسن إِيرَاده فى أَصْحَاب الشافعى لما أخبرتنا بِهِ زَيْنَب بنت الْكَمَال المقدسية إِذْنا عَن الْحَافِظ أَبى الْحجَّاج الدمشقى أَنه قَالَ أخبرنَا أَبُو المكارم اللبان أخبرنَا الْحسن بن أَحْمد الْحداد أخبرنَا أَبُو نعيم الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد ابْن جَعْفَر البغدادى غنْدر حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبيد حَدثنَا أَبُو نصر المخزومى الكوفى حَدثنَا الْفضل بن الرّبيع حَاجِب هَارُون الرشيد أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ دخلت على هَارُون الرشيد فَإِذا بَين يَدَيْهِ ضبارة سيوف وأنواع من الْعَذَاب فَقَالَ لى يَا فضل فَقلت لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ على بِهَذَا الحجازى يعْنى الشافعى
فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ذهب هَذَا الرجل
قَالَ فَأتيت الشافعى فَقلت لَهُ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَقَالَ أصلى رَكْعَتَيْنِ
فَقلت صل فصلى ثمَّ ركب بغلة كَانَت لَهُ فسرنا مَعًا إِلَى دَار الرشيد فَلَمَّا دَخَلنَا الدهليز الأول حرك الشافعى شَفَتَيْه فَلَمَّا دَخَلنَا الدهليز الثانى حرك شَفَتَيْه فَلَمَّا وصلنا بِحَضْرَة الرشيد قَامَ إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ كالمشرئب لَهُ فأجلسه مَوْضِعه وَقعد بَين يَدَيْهِ يعْتَذر إِلَيْهِ وخاصة أَمِير الْمُؤمنِينَ قيام ينظرُونَ إِلَى مَا أعد لَهُ من أَنْوَاع الْعَذَاب فَإِذا هُوَ جَالس بَين يَدَيْهِ فتحدثوا طَويلا ثمَّ أذن لَهُ بالانصراف
فَقَالَ لى يَا فضل
قلت لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
[ ٢ / ١٥٢ ]
فَقَالَ احْمِلْ بَين يَدَيْهِ بدرة فَحملت فَلَمَّا صرنا إِلَى الدهليز الأول لِخُرُوجِهِ قلت سَأَلتك بالذى صير غَضَبه عَلَيْك رضَا إِلَّا مَا عرفتنى مَا قلت فى وَجه أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى رضى
فَقَالَ لى يَا فضل فَقلت لَهُ لبيْك أَيهَا السَّيِّد الْفَقِيه قَالَ خُذ منى واحفظ عَنى قلت ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ الْآيَة اللَّهُمَّ إنى أعوذ بِنور قدسك وببركة طهارتك وبعظمة جلالك من كل عاهة وَآفَة وطارق الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا طَارِقًا يطرقنى بِخَير يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ بك ملاذى فبك ألوذ وَبِك غياثى فبك أغوث يَا من ذلت لَهُ رِقَاب الفراعنة وخضعت لَهُ مقاليد الْجَبَابِرَة اللَّهُمَّ ذكرك شعارى ودثارى ونومى وقرارى أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت اضْرِب على سرادقات حفظك وقنى رعبى بِخَير مِنْك يَا رَحْمَن
قَالَ الْفضل فكتبتها وجعلتها فى بركَة قبائى وَكَانَ الرشيد كثير الْغَضَب على وَكَانَ كلما هم أَن يغْضب أحركها فى وَجهه فيرضى فَهَذَا مِمَّا أدْركْت من بركَة الشافعى