أحد الأعلام من أصحاب الشافعي، وأئمة الإسلام، روى عن ابن وهب، والشافعي، وعنه جماعة منهم: إبراهيم الحربي، والربيع بن سليمان المرادي، وزكريا الساجي، وأبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي،
[ ١٥٩ ]
وأبو سهل محمود بن النضر بن واصل البخاري الباهلي، وهو أول من حمل كتب الشافعي إلى بخاري، وأبو الوليد بن أبي الجارود، وأبو حاتم الرازي، وقال: صدوق، وقال الخطيب البغدادي: وكان قد حُمِلَ إلى بغداد في أيام المحنة، وأريد على القول بخلق القرآن، فامتنع من الإجابة إلى ذلك فحبس ببغداد، ولم يزل في الحبس إلى حين وفاته، وكان صالحا متعبدا زاهدا.
وقال أبو الوليد بن أبي الجارود: كان البويطي جارى، فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا أسمعه يقرأ ويصلي، قال الربيع: وكان أبو يعقوب أبدا يحرك شفتيه بذكر الله، وقال الربيع: سمعته، يقول: إنما خلق الله كل شيء بكن، فإن كانت كن مخلوقة، فمخلوق خلق مخلوقا، وقال الربيع: ما رأيت أحدا أبرع بحجة من كتاب الله منه، وقال الربيع: وكانت له من الشافعي منزلة، وكان الرجل ربما يسأل عن المسألة فيقول: سل أبا يعقوب، فإذا أجاب أخبره، فيقول: هو كما قال، وربما جاء إلى الشافعي رسول صاحب الشرطة فيوجه الشافعي أبا يعقوب البويطي، ويقول هذا لساني.
وقال أبو سعيد بن يونس، في تاريخ مصر: كان من أصحاب الشافعي، وكان متقشفا، حمل من مصر أيام المحنة والفتنة بالقرآن إلى العراق، فأرادوه على الفتنة فامتنع، فسجن ببغداد وقيد، وأقام مسجونا إلى أن توفي في السجن والقيد ببغداد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، كذا قال في تاريخ وفاته، والصحيح الذي ذكره موسى بن هارون الحافظ، وغير واحد أنه مات في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
قال الشيخ ابن عبد البر: كان من أهل الدين والعلم، والفهم والثقة، صلبا في السنة يرد على أهل البدع، وكان حسن النظر،
[ ١٦٠ ]
﵀، ورضي عنه.
قرأت على شيخنا الحافظ المزي: أنا أبو العز بن شيبان، أنا أبو اليمن الكندي، أنا أبو منصور القزاز، أنا الحافظ أبو بكر الخطيب، أنا أبو نصر الحسين بن محمد بن طلاب الخطيب بدمشق، أنا محمد بن أحمد بن عثمان السلمي، ثنا محمد بن بشر الزهري بمصر، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت عند الشافعي، أنا، والمزني، وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا، فقال: أنت تموت في الحديث، وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه، أو جدله.
قال الربيع: فدخلت على البويطي أيام المحنة فرأيته مقيدا إلى أنصاف ساقيه، مغلولة يداه إلى عنقه، قلت: هذا من كرامات الشافعي، وأصحابه، ومناقب البويطي، وعن الربيع، ﵀، قال: كان البويطي حين مرض الشافعي بمصر، هو، وابن عبد الحكم، والمزني، فاختلفوا في الحلقة أيهم يقعد فيها، فبلغ الشافعي، فقال: الحلقة للبويطي، فلهذا اعتزل ابن عبد الحكم، الشافعي، وأصحابه، وكانت أعظم حلقة في المسجد، والناس إليه في الفتيا والسلطان إليه، وكان أبو يعقوب البويطي يصوم ويقرأ القرآن، لا يكاد يمر يوم وليلة إلا ختمه، مع صنائع المعروف إلى الناس، قال: فسعى به، وكان أبو بكر
الأصم، وليس ابن كيسان ممن سعى به، وكان من أصحاب ابن أبي داود، وابن الشافعي ممن سعى به، حتى كتب فيه ابن أبي داود إلى وإلى مصر فامتحنه فلم يجب، وكان الوالي حسن الرأي فيه، فقال: قل فيما بيني وبينك، فقال: إنه يقتدي بي مائة ألف ولا يدرون المعنى فيه، وكان قد أمر أن يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد، قال الربيع: فرأيته على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد، وهو يقول: إنما خلق الخلق بكن،
[ ١٦١ ]
فإذا كانت مخلوقة، فكل مخلوق خلق بمخلوق، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه، ولأموتن في حديدي هذا، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في
حديدهم.
قال أبو عمر المستملى: حضرنا مجلس محمد بن يحيى الذهلي، يقرأ علينا كتاب البويطي إليه، وإذا فيه: والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث، لعل الله يخلصني بدعائهم، فإني في الحديد، وقد عجزت عن أداء الفرائض من الطهارة والصلاة، قال: فضج الناس بالبكاء والدعاء له، قلت: وبلغني أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ويتطهر، ويتطيب، ويلبس ثيابه، ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء فيرده السجان، ويقول له: ارجع يرحمك الله، فيقول: اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني، وقد حكاها الشيخ أبو إسحاق، في الطبقات، عن نقل الساجي عنه، قال أبو بكر الأثرم: كنا في مجلس البويطي، فقرأ
علينا: عن الشافعي، ﵁، أن التيمم ضربتان، فقلت له: حديث عمار عن رسول الله، ﷺ: «إن التيمم ضربة واحدة»، قال: فحك من كتابه، «ضربتان»، وصيره ضربة على حديث عمار، قال: قال الشافعي: إذا رأيتم عن رسول الله، ﷺ، الثبت، فاضربوا على قولي، وحدثوا بالحديث، فإنه قولي، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه، وهذا القول الذي حكى عن القديم: أن التيمم للوجه والكف فحسب، وقال الربيع: كتب إلى البويطي: أن اصبر نفسك للغرباء، وحسن خلقك لأهل حلقتك، فإني لم أزل أسمع الشافعي، ﵀، يتمثل بهذا البيت:
[ ١٦٢ ]
أهين لهم نفسي لكي يكرموها ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وروى له أبو داود، في كتاب المسائل، قوله: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، والترمذي عن الشافعي قوله، وقال الشيخ أبو إسحاق: مات ببغداد في السجن، والقيد في رجله، وكان حمل من مصر في فتنة القرآن، فأبى أن يقول بخلقه، فسجن، وقيد حتى مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين.