أنا شَيْخُنَا الإِمَامُ الْعَالِمُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ ابْنُ الزَّكِيِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ الْمِزِّيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ابْنُ الْبُخَارِيِّ الْمَقْدِسِيُّ، أنا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ الأَصْبَهَانِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ
بْنِ فَارِسٍ، ثنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثنا دَاوُدُ، هُوَ: الطَّيَالِسِيُّ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ مَعْبَدٍ الْكِنْدِيِّ، أَوِ الْعَبْدِيِّ، عَنِ الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «لا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلأُ الأَرْضَ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَذَقْتَ أَوَّلَهَا عَذَابًا، أَوْ وَبَالا، فَأَذِقْ آخِرَهَا نَوَالا» .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هُوَ: أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، ثنا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، ثنا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلأُ طِبَاقَ الأَرْضِ عِلْمًا، اللَّهُمَّ كَمَا أَذَقْتَهُمْ عَذَابًا فَأَذِقْهُمْ نَوَالا» .
وَدَعَا بِهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، قال عبد الملك بن محمد أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، ﵁، هذا حاصل كلامه
وبالإسناد المتقدم إلى الخطيب: أنا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود العبدي، ثنا عثمان بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، ﵁، قال: لا أعلمه إلا عن النبي، ﷺ، قال: «إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو الفضل بن أبي نصر العدل، أخبرنا أبو الحسن، محمد بن أيوب بن يحيى بن حبيب، بمصر: سمعت أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزاز، يقول: سمعت عبد الملك الميموني، يقول: كنت عند أحمد بن حنبل، وجرى ذكر الشافعي، فرأيت أحمد يرفعه، وقال: يروى عن النبي، ﷺ: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يقرر لها دينها»، فكان عمر بن عبد العزيز، ﵁: على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي عل رأس المائة الأخرى.
قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا أبو عبد الله، محمد بن العباس العصمي، حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ياسين الهروي، سمعت إبراهيم بن إسحاق الأنصاري، يقول: سمعت المروروذي، يقول: " قال أحمد بن حنبل: إذا سئلت عن مسألة، لا أعرف فيها خبرا، قلت فيها بقول الشافعي، ﵁، لأنه إمام عالم من قريش، وقد روى عن النبي، ﷺ، أنه قال: «عالم قريش يملأ الأرض علما»، وذكر في الخبر: «إن الله يقيض في رأس كل مائة سنة رجلا يعلم الناس دينهم» .
وروى أحمد بن حنبل ذلك عن رسول الله، ﷺ، قال أحمد: فكان في المائة الأولى: عمر بن عبد العزيز، ﵁، وفي المائة الثانية: الشافعي، ﵁، قال أبو عبد الله: وإني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي، وقال أبو سعيد الفريابي: قال أحمد بن حنبل: «إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله، ﷺ، الكذب»، فنظرنا، فإذا في رأس المائة: عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين: الشافعي، ﵄.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت مالكا يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى، يعني: الشافعي.
وقال ابن عبدي: سمعت عبدان، يقول: سمعت عمرو بن العباس يقول: قيل لعبد الرحمن بن مهدي: إن الشافعي لا يورث المرتد؟ فقال عبد الرحمن: إن الشافعي شاب مفهم، لأن رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قال: «لا يتوارث أهل ملتين» .
وقال أبو ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي، ﵁، وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ المنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة.
قال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو الله للشافعي فيها.
وقال ابن أبي الدنيا: سمعت أبا بكر بن خلاد يقول: سمعت ابن مهدي يقول: أنا أدعو الله في دبر صلاتي للشافعي.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: إني لأدعو الله للشافعي، في كل صلاة، أو في كل يوم، يعني: لما فتح الله عليه من العلم، ووفقه للسداد فيه.
وقال الحافظ أبو أحمد بن الحسين البيهقي، ﵀: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الزبير بن عبد الواحد، سمعت الحسن بن سفيان، سمعت الحارث بن سريج النقال، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول: أنا أدعو الله للشافعي، أخصه بذلك، وبه قال الزبير بن عبد الواحد، سمعت عبدان الأهوازي، يقول، حدثني محمد بن الفضل: حدثنا هارون قال: ذكر يحيى بن سعيد القطان الشافعي، فقال: ما رأيت أعقل، أو أفقه، منه، قال: وعرض عليه كتاب الرسالة له، وروى الحافظ ابن عساكر، عن ابن مهدي أنه، قال: لما نظرت في كتاب الرسالة للشافعي أذهلتني، لأني رأيت كلام رجل عاقل فصيح ناصح، وإني
لأكثر الدعاء له.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَوْحٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيُّ حَاضِرٌ، فَحَدَّثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، وَهُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ، فَقَالَ: «تَعَالَ، هَذِهِ امْرَأَتِي صَفِيَّةُ» .
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ»
فقال ابن عيينة للشافعي، ﵁: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ قال: إن كان القوم اتهموا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كانوا، بتهمتهم إياه، كفارا، لكن رسول الله، أدب من بعده، فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا، حتى لا يظن بكم، لا أن النبي، ﷺ، يتهم، وهو أمين الله في أرضه، فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله، ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه.
وقال زكريا الساجي: حدثني ابن بنت الشافعي، ﵁، قال: سمعت أبي وعمي يقولان: كنا عند ابن عيينة، وكان إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها، يلتفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا.
وقال أبو سعيد زياد: حدثنا تميم بن عبد الله أبو محمد: سمعت سويد بن سعيد، يقول: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة، فجاء الشافعي، فسلم عليه وجلس، فروى ابن عيينة حديثا رقيقا، فغشى على الشافعي، فقيل: يا أبا محمد! ما ابن إدريس، فقال عيينة: إن كان مات ابن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه.
وقال الدارقطني: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل النابلسي الشهيد، حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، سمعت تميم بن عبد الله الرازي، سمعت أبا زرعة، سمعت قتيبة، يقول: مات الثوري، ومات الورع، ومات الشافعي ومات السنن، ويموت أحمد بن حنبل كذا وتظهر البدع.
وقال قتيبة بن سعيد: الشافعي إمام.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلا أعقل من الشافعي، وفي رواية: ما رأيت رجلا قط أعقل ولا أورع ولا أفصح من الشافعي، وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدا أعقل من الشافعي، لو جمعت أمة فجعلت في عقل الشافعي، لوسعهم عقله.
وروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، عن الربيع، أنه قال: لو وزن عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض، لرجحهم، ولو كان في بني إسرائيل احتاجوا إليه.
وعن معمر بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول: قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء فوجدته كاملا.
[ ٧ ]
وقال زكريا بن يحيى الساجي: حدثنا أبو جعفر الترمذي، حدثني أبو الفضل الواشجردي، سمعت أبا عبد الله الصاغاني، قال: سألت يحيى بن أكثم، عن أبي عبيد القاسم بن سلام والشافعي، أيهما أعلم عندك؟ فقال يحيى: كان أبو عبيد يأتينا ههنا، وكان رجلا إذا ساعدته الكتب، كان حسن التصنيف من الكتب، ويرتبها بحسن ألفاظه لاقتداره على العربية.
وأما الشافعي فقد كان عند محمد بن الحسن كثيرا في المناظرة، فكان رجلا: قرشي العقل والفهم والذهن، صافي العقل، والفهم والدماغ، سريع الإصابة، أو كلمة نحوها، ولو كان أكثر سماعا للحديث لاستغنى أمة محمد، ﷺ، عن غيره من الفقهاء.
وقال أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي: سمعت خضر بن داود، سمعت الحسن بن محمد الزعفراني يقول: قال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يوما، فبلسان الشافعي، يعني: لما وضع كتبه، رواه ابن عساكر.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكة، فيما كتب إلي: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الدينوري، قال: سمعت أحمد بن حنبل، قال: كانت أقفيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ما كان يلقنه كان قليل الطلب في الحديث.
قلت: معنى قل طلبه للحديث: إنه لم يكثر من السماع على مشايخ الحديث، ولم يمعن في الرحلة فيه، بل قد كان عنده علوم كثيرة وبلاغ عظيم.
وقد سئل إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: هل تعلم سنة لم تبلغ الشافعي؟ فقال: لا، قلت ومعنى هذا أنه ليس ثم سنة معتمد عليها في الأصول والفروع إلا وقد بلغت الشافعي، لكن قد تبلغه من وجه لا يرتضيه، فلذلك يقف في بعضها، أو يعدل عنها، أو يعلق القول على صحتها، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي: حدثنا زكريا الساجي، حدثني داود الأصبهاني، سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال: تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، قال: فجاء فأقامني على الشافعي، وهذا صحيح، وقد تقدم مع غيره.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عمر ابن السماك شفاها، أن عبد الله بن أحمد حدثه، قال: قال لي أبي: كنت أجالس محمد بن إدريس الشافعي، فكنت أذاكره بأسماء الرجال، وكان أبي يصف الشافعي فيطنب في وصفه، وقد كتب أبي عنه حديثا كثيرا، وكتب من كتبه بخطه بعد موته أحاديث عدة، مما سمعه من الشافعي، ﵁.
وقال البيهقي: أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت أبا القاسم بن منيع، سمعت أحمد بن حنبل، يقول: كان الفقه قفلا على أهله، حتى فتحه الله بالشافعي.
وقال الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، حدثنا عبد الله بن جعفر بن شاذان، حدثنا عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث.
وقال الميموني: قال أحمد: خمسة أدعو لهم سحرا: أحدهم الشافعي.
وقال الحاكم: حدثني أبو الحسن: أحمد بن محمد السري المقري بأبيورد، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن الأشقر البغدادي: سمعت الفضل بن زياد العطار، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: ما أحد مس محبرة وقلما، إلا وللشافعي في عنقه منة.
وقال زكريا الساجي: ثنا جعفر بن أحمد، قال: قال أحمد بن حنبل: كلام الشافعي، ﵁، في اللغة حجة.
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الزبير بن عبد الواحد، حدثني أبو المؤمل العباس بن الفضل، سمعت محمد بن عوف: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه.
وقال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل عن الشافعي؟ فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران، قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما لك لا تنظر في كتب الشافعي؟ فما من أحد وضع الكتب حتى ظهرت أتبع للسنة من الشافعي.
وقال ابن عساكر: أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني، قراءة، أخبرنا عبد الدائم بن الحسن، أنبأنا عبد الوهاب بن الحسن الكلابي، إجازة، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الهروي، حدثني محمد بن يعقوب الفرجي، قال: سمعت علي ابن المديني يقول لعلي بن المبارك، وقد ذكر مسألة، فقال له علي ابن المديني: عليكم بكتب الشافعي.
وحدثني محمد بن يعقوب، سمعت محمد بن علي المديني، يقول: قال لي أبي: لا تترك للشافعي حرفا واحدا إلا كتبته، فإن فيه معرفة.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت دبيسا، قال: كنت مع أحمد بن حنبل في المسجد الجامع، فمر حسين، يعني: الكربيسي، فقال: هذا، يعني: الشافعي، رحمة من الله تعالى لأمة محمد، ﷺ، ثم جئت إلى حسين، فقلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الكتاب، والسنة، والاتفاق؟ ! وما كنا ندري ما الكتاب والسنة، نحن ولا الأولون، حتى سمعنا من الشافعي، ﵁: الكتاب، والسنة، والإجماع.
قال: وحدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، قال: سمعت أبا إسماعيل الترمذي، قال: سمعت إسحاق بن راهويه، يقول: ما تكلم أحد بالرأي، وذكر الثوري والأوزاعي ومالكا، وأبا حنيفة، إلا والشافعي أكثر اتباعا، وأقل خطأ منه، والله أعلم.
وقال ابن عدي: سمعت منصور بن إسماعيل الفقيه، ويحيى بن زكريا، يقولان: سمعنا أبا عبد الرحمن النسائي، يقول: سمعت عبيد الله بن فضالة النسائي، الثقة المأمون، يقول: سمعت إسحاق بن راهويه، يقول: الشافعي إمام.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم: سمعت أبا إسحاق الشافعي، يعني: إبراهيم بن محمد، وذكر محمد بن إدريس، فقال هو ابن عمي، وعظمه، وذكر من قدره وجلالته، يعني في العلم.
وروى الخطيب عن أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، أنه كان إذا ذكر عنده الشافعي، يقول: حدثنا سيد الفقهاء الشافعي.
وقال زكريا الساجي: حدثني ابن بنت الشافعي: سمعت أبا الوليد بن أبي الجارود، يقول: ما رأيت أحدا إلا وكتبه أكبر من مشاهدته، إلا الشافعي، فإن لسانه كان أكبر من كتابه.
وقال زكريا: حدثني أبو بكر بن سعدان: سمعت هارون بن سعيد الأيلي، يقول: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة أنه من خشب لغلب، لاقتداره على المناظرة.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: محمد بن إدريس: فقيه البدن، صدوق، وقال الزبير بن عبد الواحد: سمعت عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني، بمصر، يقول: سمعت أبا زرعة الرازي، يقول: ما عند الشافعي حديث غلط فيه.
ونقل نحوه عن أبي داود، والله أعلم.
وقال أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت إسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان، يقول: سمعت جدي: سمعت أبا ثور، يقول: ما رأينا مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي مثل نفسه، قال أبو بكر الخطيب: أخبرنا أبو الحسن أحمد ابن محمد المجهز: سمعت عبد العزيز الحنبلي، صاحب الزجاج، يقول: سمعت أبا الفضل الزجاج، يقول: لما قدم الشافعي إلى بغداد، وكان في المسجد: إما نيف وأربعون، أو خمسون حلقة، فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة، ويقول لهم: قال الله، قال الرسول، وهم يقولون: قال أصحابنا، حتى ما بقي في المسجد حلقة غيره.
قلت: ولهذا قال حرملة: سمعت الشافعي، يقول: سميت ببغداد ناصر الحديث.
وقال الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أحمد كامل القاضي، حدثني أبو الحسين القواس، حدثني ابن بنت الشافعي، سمعت الزبير بن بكار يقول: قال لي عمي مصعب: كتبت عن فتى من بني شافع، من أشعار هذيل ووقائعها، وقرأ: لم تر عيناني مثله، قال: قلت: يا عم، أنت تقول لم تر عيناني مثله! قال: نعم لم تر عيناني مثله.
وقال ابن أبي حاتم: في كتابي عن الربيع بن سليمان، سمعت أيوب بن سويد يقول: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل: ما رأيت مثل هذا الرجل قط، وقد رواه ابن عدي: حدثنا يحيى بن زكريا بن حيويه، وإبراهيم بن إسحاق بن عمر، قالا: حدثنا الربيع، سمعت أيوب بن سويد، يقول: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي، وقد رأى الأوزاعي.
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: سمعت الزعفراني، يقول: ما رأيت مثل الشافعي: أفضل، ولا أكرم، ولا أسخى، ولا أتقى، ولا أعلم منه، وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت أبي ويوسف بن يزيد يقولان: ما رأينا مثل الشافعي.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: ما أحد ممن خالفنا، يعني: خالف مالكا، أحب إلى من الشافعي.
وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا محمد بن علي بن أحمد المقري، أخبرنا محمد بن جعفر التميمي، بالكوفة، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن حاتم بن إدريس البلخي، أخبرنا نصر بن المكي، حدثنا ابن عبد الحكم، قال: ما رأينا مثل الشافعي: كان أصحاب الحديث ونقاده يجيئون إليه، فيعرضون عليه، فربما أعل نقد النقاد منهم، ويوقفهم على غوامض من نقد الحديث، لم يقفوا عليها، فيقومون وهم متعجبون، ويأتيه أصحاب الفقه: المخالفون والموافقون، فلا يقومون إلا وهم مذعنون له بالحذق والدراية.
ويجيئوه أصحاب الأدب، فيقرئون عليه الشعر، فيفسره، ولقد كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعر من أشعار هذيل، بإعرابها وغريبها ومعانيها.
وكان من أضبط الناس للتاريخ، وكان يعينه على ذلك شيئان: وفور عقل، وصحة دين، وكان ملاك أمره إخلاص العمل لله.
قال ابن عدي: حدثني محمد بن القاسم بن سريج، سمعت محمد بن عبد الله المعمري، سمعت الجاحظ، يقول: نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا، فلم أر أحسن تأليفا من المطلبي، كأن كلامه نظم درا إلى در.
وقال زكريا الساجي: سمعت هارون بن سعيد الأيلي، يقول: ما رأيت مثل الشافعي، قدم علينا مصر، فقالوا: قدم رجل من قريش، فجئناه وهو يصلي، فما رأيت أحسن صلاة، ولا أحسن وجها منه، فلما تكلم، ما رأينا أحسن كلاما منه، فافتتنا به.
وقال زكريا بن يحيى: حدثني الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حج بشر، المريسي سنة إلى مكة، ثم قدم، فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا، يعني: الشافعي، ﵁.
قال: فقدم الشافعي علينا، بعد ذلك، بغداد، فاجتمع إليه الناس، وخفوا عن بشر، فجئت إلى بشر يوما، فقلت: هذا الشافعي الذي كنت تزعم، قد قدم علينا، فقال: إنه قد تغير عما كان عليه.
قال الزعفراني: فما كان مثله إلا مثل اليهود في أمر عبد الله بن سلام، حيث قالوا: سيدنا وابن سيدنا: فلما أسلم؟ قالوا: شرنا وابن شرنا.
فهذه شهادات الموافقين والمخالفين والفضل ما شهدت به الأعداء
وقال ابن عدي: سمعت يحيى بن زكريا بن حيويه، يقول: سمعت هاشم بن مرثد الطبراني، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول: الشافعي صدوق، لا بأس به.
وقال زكريا الساجي: حدثنا أحمد بن روح البغدادي، سمعت الزعفراني، يقول: كنت مع يحيى بن معين في جنازة، فقلت له: يا أبا زكريا! ما تقول في الشافعي؟ فقال: دعنا، لو كان الكذب له مطلقا، لكانت مروءته تمنعه أن يكذب.
وقال الحسن بن محمد الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودا، حتى جاء الشافعي، فأيقظهم، فتيقظوا.
وقال الربيع: كان أصحاب الحديث لا يعرفون مذاهب الحديث وتفسيره حتى جاء الشافعي.
[ ٨ ]