قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أخبرني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قراءة، أنا الشافعي، أنا إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، يعني: قارئ مكة، قال: قرأت على شبل، يعني: ابن عباد، وأخبره شبل أنه قرأ على عبد الله بن كثير، وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أُبَيِّ بن كعب، وقرأ أُبَيُّ بن كعب على رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قال الشافعي، ﵁: وقرأت على إسماعيل بن قسطنطين، وأما الحديث فرواه عن جماعة ذكرهم شيخنا الإمام الحافظ جمال الدين أبو الحجاج المزي،
﵀، في تهذيبه مرتبين على حروف المعجم وكذلك الرواة عنه، وقد زدت في الرواة عنه مما ذكره الدارقطني وغيره، فقال شيخنا: روى عن إبراهيم بن سعد الزهري، وإبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، وإسماعيل بن جعفر المدني، وإسماعيل ابن علية البصري، وأبي ضمرة أنس بن عياض الليثي، وأيوب بن سويد الرملي، وحاتم بن إسماعيل المدني، وأبي أسامة حماد بن سلمة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وسعيد بن سالم القداح، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن الحارث المخزومي، وعبد الله بن
المؤمل المخزومي، وعبد الله بن نافع الصائغ، ومات قبله، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعطاف بن خالد المخزومي، وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، ومات قبله، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن خالد الجندي، ومحمد بن عثمان بن صفوان الجمحي، وعمه محمد بن علي بن شافع، ومسلم بن خالد الزنجي، ومطرف بن مازن قاضي صنعاء، وهشام بن يوسف الصنعاني القاضي، ويحيى بن حسان التنيسي،
ويحيى بن سليم الطائفي، ويوسف بن خالد السمتي، وروى عنه أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وإبراهيم بن محمد الشافعي، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن خالد الخلال، وأحمد بن أبي سريج الرازي، وأحمد بن سنان القطان الواسطي، وأحمد بن صالح المصري، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري ابن أخي ابن وهب، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، وأحمد بن محمد الأزرقي، وأحمد بن محمد ابن سعيد الصيرفي البغدادي، وأحمد بن يحيى بن عبد العزيز البغدادي، وأبو عبد الرحمن الشافعي المتكلم، وأحمد بن يحيى بن الوزير المصري، وإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، وإسحاق بن
بهلول، وأبو إسماعيل بن يحيى المزني، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، والحارث بن سريج النقال، وحامد بن يحيى البلخي، وحرملة بن يحيى التجيبي، والحسن بن عبد العزيز الجروي، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني البغدادي، والحسن بن علي الكرابيسي، والربيع بن سليمان المرادي المؤذن راوية كتبه، والربيع بن سليمان الجيزي، وسعيد بن عيسى الرعيني، وسليمان بن داود المصري، وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي، وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص، وعبد العزيز بن يحيى الكناني المكي صاحب الحيدة، وعبد الملك بن قريب الأصمعي، وعلي بن سلمة
اللبقي، وعلي بن معبد الرقي، وعمرو ابن سواد بن الأسود العامري، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو حنيفة قحزم بن عبد الله الأسواني، وأبو يحيى محمد بن سعيد بن غالب العطار، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، وابنه أبو عثمان محمد بن محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن يحيى بن حسان التنيسي، ومحمد بن يحيى العدني، ومسعود بن سهل المصري الأسود، وأبو الوليد موسى بن أبي الجارود المكي، وهو راوي كتاب الأمالي وغيره، وهارون بن سعيد الأيلي، ويحيى بن عبد الله الخثعمي، وأبو يعقوب يوسف ابن يحيى البويطي، ويونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري رحمهم الله تعالى.
قال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري السجستاني، في كتاب مناقب الشافعي، ﵁: سمعت بعض أهل المعرفة بالحديث، يقولون: إذا قال الشافعي، ﵁، في كتبه: أنا الثقة عن ابن أبي ذئب فهو ابن أبي فديك، وإذا قال: أنا الثقة، عن الليث بن سعد فهو يحيى بن حسان، وإذا قال: أنا الثقة، عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة، وإذا قال: أنا الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة، وإذا قال: أنا الثقة، عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد الزنجي، وإذا قال: أنا الثقة، عن صالح مولى التوأمة فهو إبراهيم بن أبي يحيى، أخرج له أصحاب السنن الأربع أبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه، وذكره البخاري في موضعين من صحيحه أحدهما: في الركاز، وقال مالك، وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله، وكثيره الزكاة، وليس المعدن بركاز، والثاني: في البيوع، وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد، لا تكون بالجزاف، ومما يقويه قول سهل بن أبي حثمة بالأوسق الموسقة، قلت: وإنما لم يخرج له صاحبا الصحيح لنزول إسناده عندهما وإلا فجلالته وإمامته مجمع عليها.
قلت: ووقع لي من مصنفات الشافعي، ﵁، رواية مسنده المنتخب من كتاب الأم، ورواية الرسالة الكبيرة في أصول الفقه، والسنن من طريق المزني.
وأما الفقه فأخذه الشافعي، ﵁، أولا عن مسلم بن خالد الزنجي بمكة، والزنجي تفقه على ابن جريج، وابن جريج أخذ الفقه عن عطاء بن أبي رباح وتفقه عطاء على ابن عباس، وابن الزبير وغيرهما، وأولئك أخذوا عن رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وتفقه ابن عباس على عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة، ﵃، وأخذه الشافعي أيضا عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس وابن عمر، ﵃، ثم تفقه الشافعي، ﵁، بمالك بن أنس إمام دار الهجرة في زمانه، ومالك تفقه بشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن،
عن أنس بن مالك، ومالك أيضا عن نافع، عن ابن عمر، ﵃ أجمعين.
وأما الذين تفقهوا بالشافعي، ﵃، ومن بعدهم من الطبقات إلى زماننا، فسأفرد لهم ديوانا يجمع طبقات أصحاب المذهب من أصحاب الوجوه والمشهورين بحمله من المتقدمين منهم، والمتأخرين، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة والمستعان.
قلت: ومن أجل من أخذ عنه، واجتمع به، وتفقه بكتبه الإمامان السيدان الكبيران الحبران شيخا السنة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه المروزيان.
قال الحسن بن محمد الزعفراني: كنا نختلف إلى الشافعي عندما قدم إلى بغداد ستة أنفس: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، والحارث النقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، وأنا، ورجل آخر سماه، وما عرضنا على الشافعي كتبه إلا وأحمد بن حنبل حاضر لذلك، وقال الخطيب: أنا أبو طالب عمر بن إبراهيم، ثنا محمد بن خلف بن جيان الجلال، حدثني عمر بن الحسن، عن أبي القاسم بن منيع، حدثني صالح بن أحمد بن حنبل، قال: مشى أبي مع بغلة الشافعي، ﵁، فبعث إليه ابن معين، فقال: يا أبا عبد الله أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟ فقال: يا أبا زكريا، لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك.
وقال البيهقي: أنا الحاكم، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر العدل، قال: وحدث عن أبي القاسم بن منيع، قال لي صالح بن أحمد: ركب الشافعي، ﵁، حماره فجعل أبي يسايره يمشي، والشافعي راكب وهو يذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين فبعث إلى أبي، فبعث إليه، إنك لو كنت في الجانب الآخر من الحمار كان خيرا لك، هذا، أو معناه، وقال: أبو أحمد بن عدي، سمعت موسى بن القاسم بن موسى بن الحسن بن موسى الأشيب، يذكر عن بعض شيوخه، قال: لما قدم الشافعي، ﵁، بغداد لزمه أحمد بن حنبل يمشي مع بغلة له فأخلى الحلقة التي يقعد فيها أحمد، ويحيى، وأبو خيثمة وغيرهم، فوجه يحيى
بن معين: إنك تمشي مع بغلة هذا الرجل، يعني: الشافعي، فوجه أحمد: لو كنت من الجانب الآخر كان أنفع لك، وقال الحافظ أبو نعيم، ثنا أحمد بن إسحاق: ثنا أحمد بن روح، ثنا محمد بن ماجه القزويني، قال: جاء يحيى بن معين يوما لأحمد بن حنبل، فبينما هو عنده إذ مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد فسلم عليه وتبعه فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء قال يحيى: يا أبا عبد الله لم هذا؟ فقال أحمد: دع هذا عنك إن أردت الفقه فالزم ذنب البغلة، قلت: الإمام أحمد، ﵀، عرف قدر الشافعي، ﵁، لما عنده من الفقه ويحيى بن معين لم يكن عنده من ذلك كما عند الإمام أحمد رحمهم
الله، وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود، يقول: ما رأيت أحمد بن حنبل يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي، وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن الفضل القزاز، قال: سمعت أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل، ونزلت في مكان واحد معه، أو في دار، يعني: بمكة، وخرج أبو عبد الله، يعني: أحمد بن حنبل، باكرا، وخرجت أنا بعده فلما صليت الصبح وردت المسجد فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة فكنت أدور مجلسا مجلسا طلبا لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حتى وجدت أحمد بن حنبل عند شاب أعرابي، وعليه ثياب مصبوغة وعلى رأسه جمة فزاحمت حتى قعدت عند أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، تركت ابن عيينة
عنده الزهري، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة، ومن التابعين ما أنت به عليم، فقال لي: اسكت، فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول لا يضرك في دينك ولا في عقلك ولا بفهمك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي، قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.
وقال ابن أبي حاتم، سمعت من أبي إسماعيل الترمذي، قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول كنا بمكة، والشافعي بها، وأحمد بن حنبل بها، فقال لي أحمد بن حنبل: يا أبا يعقوب، جالس هذا الرجل يعني الشافعي، قلت: وما أصنع به؟ سنه قريب من سننا، أترك ابن عيينة والمقري؟ فقال: ويحك، إن ذاك لا يفوت وهذا يفوت، فجالسته، قلت: هذا لعله كان في سنة ست، أو سبع وتسعين ومائة، بعد أن قدم الشافعي، ﵁، بغداد في سنة خمس وتسعين، فعرف أحمد ثم عاد إلى مكة، ورجع إلى بغداد سنة ثمان وتسعين كما سيأتي، وقال زكريا بن يحيى الساجي: حدثني محمد بن خلاد بن خالد البغدادي، حدثني الفضل بن
زياد، عن أحمد بن حنبل، قال: هذا الذي ترون كله، أو عامته من الشافعي وما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو الله للشافعي، وأستغفر له.
[ ٥ ]
وقال ابن أبي حاتم: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكة فيما كتب إلي: ثنا أبو أيوب حميد بن أحمد البصري، قال: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة، فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله لا يصح فيه حديث، فقال: إن لم يصح فيه حديث ففيه قول الشافعي، ﵁، وحجته أثبت شيء فيه، ثم قال: قلت للشافعي: وما تقول في مسألة كذا وكذا؟ قال: فأجاب فيها، فقلت: من أين قلتها؟ هل فيه كتاب، أو حديث؟ قال: بلى، فنزع في ذلك حديثا للنبي، ﷺ، وهو حديث نص، وروى البيهقي عن المروزي أنه سمع أحمد يقول: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا قلت فيها بقول الشافعي،
لأنه إمام عالم من قريش ويروي عن النبي، ﷺ، أنه قال: «عالم قريش يملأ الأرض علما»، وسيأتي هذا مسندا، وقال الخطيب: حدثني الحسن بن أبي طالب، حدثني علي بن عمر التمار، ثنا محمد بن عبد الله الشافعي، حدثوني عن إبراهيم الحربي، أنه قال: قال أستاذ الأستاذين، قالوا: من هو؟ قال: الشافعي، أليس هو أستاذ أحمد بن حنبل، وقال الحاكم النيسابوري: سمعت الفقيه أبا بكر محمد ابن علي الشاشي، يقول: دخلت على ابن خزيمة وأنا غلام، فقال: يا بني، على من درست الفقه؟ فسميت له أبا الليث، فقال: على من درس؟ قلت: على ابن سريج، فقال: وهل أخذ ابن سريج العلم إلا من
كتب مستعارة، فقال بعضهم: أبو الليث هذا مهجور بالشاشي فإن البلد للحنابلة، فقال ابن خزيمة: وهل كان ابن حنبل إلا غلاما من غلمان الشافعي.
وقال ابن أبي حاتم: ثنا أحمد بن عثمان النحوي، سمعت أبا فديك الكسائي، يقول: سمعت إسحاق بن راهويه، يقول: كتبت إلى أحمد بن حنبل وسألته أن يوجه إليَّ من كتب الشافعي ما يدخل حاجتي فوجه إلي بكتاب الرسالة.
قال: وثنا أبو زرعة، قال: بلغني أن إسحاق بن راهويه كتب له كتب الشافعي، فتبين في كلامه أشياء قد أخذه عن الشافعي، وقد جعله لنفسه، قال أبو زرعة: ونظر أحمد بن حنبل في كتب الشافعي.
قال ابن أبي حاتم: وثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله النيسابوري، قال: تزوج إسحاق بن راهويه بمرو بامرأة رجل كان عنده كتب الشافعي وتوفي، لم يتزوج بها إلا لحال كتب الشافعي، ﵁، فوضع جامعه الكبير على كتاب الشافعي والجامع الصغير على جامع الثوري الصغير، قال: وأخبرني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكة فيما كتب إلي قال: قال أبو ثور: كنت أنا، وإسحاق بن راهويه، وحسين الكرابيسي، وذكر جماعة من العراقيين، ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعي، ﵁.
وحدثنا أبو عبد الله الفسوي، عن أبي ثور، قال: لما ورد الشافعي، ﵁، العراق جاءني حسين بن علي الكرابيسي، وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي، فقال: قد ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه فقم بنا نسخر به، فقمت وذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة فلم يزل الشافعي، ﵁، يقول: قال الله، قال رسول الله، ﷺ، حتى أظلم علنا البيت، وتركنا بدعتنا واتبعناه، وقال داود بن علي الأصبهاني الظاهري، وله كتاب فضائل الشافعي، ﵁: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا، وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة، فسألته عن أشياء، فرأيته رجلا
فصيحا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد كان أوتي فهما في القرآن لو كنت عرفته للزمته، قال داود: فرأيته يتأسف على ما فاته من الشافعي، ﵁، قال داود: عبد العزيز المكي، أحد من له فهم بالقرآن، كان أحد أصحاب الشافعي، ﵁، وممن أخذ عنه، رواه ابن عساكر.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة، يقول: كتبت كتب الشافعي من الربيع أيام يحيى بن عبد الله بن بكير سنة ثمان وعشرين ومائتين، وعندما عزمت على سماع كتب الشافعي بعت ثوبين رقيقين كنت حملتهما لأقطعهما لنفسي فبعتهما، وأعطيت الوراق، قال: وسمعت أبي، يقول: قال لي أحمد بن صالح: تريد أن تكتب كتب الشافعي؟ قلت: نعم لا بد أن أكتبها فهذه أسانيد جيدة تدل على أن كلا من هؤلاء الأئمة ﵏ حذا حذوه، واتبع أثره، وسلك مسالكه في النظر والاستنباط، فإذا عد العاد قول أبي ثور، والحسين بن علي الكرابيسي، والمزني، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأضراب هؤلاء وجوها في مذهب
الشافعي، ﵁، جاز أن يقال مذهب الإمام أحمد يعد وجها في مذهب الشافعي، ﵀، فإنه قد ذكره جماعة من العلماء معدودا من جملة أصحاب الشافعي، منهم: أبو داود السجستاني، داود بن علي الظاهري، والحربي، وأبو إسحاق الشيرازي في الطبقات، وكذا قول إسحاق بن راهويه، كما ذكروا قول ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن سريج وغيرهم من أئمة المذهب وجوها في المذهب يعني أنها معتبرة في مذهب الشافعي، فللحاكم أن يحكم بها، وللمفتي أن يفتي بها، لأنها مؤصلة على تأصيل الشافعي، ومأخوذة من طريقته في الاستنباط، فإنه قد نص في غير موطن على أنه إذا صح الحديث فهو مذهبه، وقال
للإمام أحمد: أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا صح الحديث أعلمني به أذهب إليه حجازيا كان، أو عراقيا، أو شاميا، أو يمينا، وسيأتي ذكر هذا كله في موضعه، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.
وقال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت عبد الرحمن بن عبد الله الذبياني، سمعت أبا الهبير سهل بن عبد الصمد الرقي، سمعت داود بن علي هو الأصبهاني، يقول: اجتمع للشافعي، ﵁، من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، فأول ذلك شرف نسبه ومنصبه، وأنه من رهط النبي، ﷺ، ومنها صحة الدين وسلامة المعتقد من الأهواء والبدع، ومنها سخاوة النفس، ومنها معرفته بصحيح الحديث وسقيمه، ومنها معرفته بناسخ الحديث ومنسوخه، ومنها حفظه لكتاب الله، وحفظه لأخبار رسول الله، ومعرفته بسير النبي، ﷺ، وبسير خلفائه، ﵃، ومنها كشفه
لتمويه مخالفيه، ومنها تأليفه الكتب القديمة والجديدة، ومنها ما اتفق له من الأصحاب والتلامذة، مثل أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، في زهده وعلمه وورعه وإقامته على السنة، ومثل سليمان بن داود الهاشمي، وعبد الله بن الزبير الحميدي، والحسين الفلاس، وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، وحرملة بن يحيى التجيبي، والربيع بن سليمان المرادي، وأبي الوليد موسى بن أبي الجارود، والحارث بن سريج النقال، وأحمد بن خالد الخلال، والقائم بمذهبه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني ولم يتفق لأحد من
العلماء والفقهاء ما اتفق له.
قال البيهقي: إنما عد داود من أصحاب الشافعي، ﵁، طائفة يسيرة، وقد عد أبو الحسن الدارقطني، من روى عنه من أحاديثه وأخباره وكلامه زيادة على مائة، مع قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة، وإنما يكثر الرواة عن العالم إذا جاوز سنه الستين، أو السبعين، والشافعي، ﵁، لم يبلغ في السن أكثر من أربع وخمسين سنة.
قال: وأنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، ثنا الفضل بن الفضل الكندي، ثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال: قلت لأبي داود السجستاني: من أصحاب الشافعي؟ قال: أولهم عبد الله بن الزبير الحميدي، وأحمد بن حنبل، ويوسف بن يحيى، وأبو يعقوب البويطي، والربيع بن سليمان، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وأبو الوليد بن أبي الجارود المكي، والحسن بن محمد الزعفراني، والحسين بن علي الكرابيسي، وإسماعيل بن يحيى المزني، وحرملة بن يحيى، قال: ورجل ليس بالمحمود أبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى الذي يقال له الشافعي، وذلك أنه بدل وقال بالاعتزال، هؤلاء ممن تكلم في العلم وعرفوا به
من أصحابه.
وأما أنا فأخذت الفقه في مذهب الإمام الشافعي، ﵁، أولا عن الإمام العالم المحقق محيي الدين أبي زكريا يحيى بن إسحاق بن خليل بن فارس الشيباني الشافعي الحاكم، ﵀، وهو أخذ الفقه عن الشيخ الإمام العلامة العابد الزاهد الورع ضابط المذهب محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف بن مري النواوي، نَوَّرَ الله ضريحه، وقال: أخذت الفقه عن أبي الحسن سلار بن الحسن الإربلي ثم الدمشقي وهو الإمام المجمع على جلالته وإمامته وتقدمه يا رسول الله علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحي، وهو أخذه عن جماعة، منهم: أبو بكر الماهاني، عن أبي القاسم بن البزري الجزري، عن
أبي الحسن علي بن محمد بن علي الكيا الهراسي.
ثم أخذت الفقه أيضا، عن شيخنا الإمام العلامة شيخ المذاهب برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ الإمام العلامة تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري، وغير واحد من أصحاب الشيخ تاج الدين المذكور، رحمة الله عليهم كلهم عنه، وهو تفقه بالشيخ الإمام عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام، وهو تفقه على الفخر بن عساكر عن الشيخ الإمام قطب الدين النيسابوري عن الإمام أبي سعد عمر بن سهل بن سعد الدامغاني، عن أبي حامد الغزالي الطوسي، والغزالي الكيا الهراسي تفقها على إمام الحرمين واسمه أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، وهو أخذه عن أبيه
الشيخ أبي محمد الجويني، عن أبي بكر عبد الله بن أحمد القفال المروزي الصغير إمام الطريقة الخراسانية، عن أبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المروزي، عن أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج، عن أبي القاسم عثمان بن بشار الأنماطي، عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإمام العالم أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، ورضي عنه.
[ ٦ ]