أحد الأئمة الأعلام، ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، وسكن سمرقند وغيرها، وكان أبوه مروزيا، وهو زوج أخت القاضي يحيى بن أكثم، تفقه على أصحاب الشافعي بمصر، وعلي إسحاق بن راهويه، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الآفاق، فسمع من إسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعمرو بن زرارة، وصدقة بن الفضل، وعلي بن حجر، والقواريري، وحمد بن عبد الله بن نمير، وهشام بن عمار، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، وخلق، وروى عنه: ابنه إسماعيل، وأبو العباس السراج، ومحمد بن المنذر شكر، وأبو حامد بن الشرقي، وأبو عبد الله بن الأخرم، وأبو النضر محمد بن محمد الفقيه،
وخلق، قال الحاكم: هو إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة، وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة، ومن بعدهم.
[ ١٨٤ ]
وقال أبو بكر الصيرفي: لو لم يصنف المروزي إلا كتاب القسامة، لكان من أفقه الناس، فكيف وقد صنف كتبا سواه، وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر بمصر إماما، كيف بخراسان، وقال القاضي محمد بن محمد: كان الصدر الأول من مشايخنا، يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن نصر، وقال السليماني: محمد بن نصر المروزي إمام الأئمة الموفق من السماء، له كتاب تعظيم قدر الصلاة وكتاب رفع اليدين، وغيرهما من الكتب المعجزة، قلت: فلهذا ذكروا أنه أحسن أهل زمانه، ﵀، وكان له مال يقارض عليه، وينفق من غلته عليه،
وكان إسماعيل بن محمد والي خراسان، وأخوه، يصله كل واحد منهما بأربعة آلاف في السنة، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلف، فكان ينفقها من السنة إلى السنة، فقيل له: لو ادخرت لنائبة؟ فقال: سبحان الله! إنما بقيت بمصر كذا وكذا سنة، قوتي، وثيابي وكاغدي، وحبري، وجميع ما أنفقه على نفسي، في السنة عشرين درهما أفيسرني إن ذهب ذا لا يبقى ذاك، وقد ذكر له كرامات، فمن ذلك ما قال أبو الفضل محمد بن عبد الله البلعمي: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد، يقول: كنت بسمرقند فجلست يوما للمظالم، وجلس أخي إلى جنبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر فقمت له إجلالا لعلمه، فلما خرج عاتبني
أخي، وقال: أنت أخو والي خراسان تقوم لرجل من الرعية، هذا ذهاب السياسة، فبت تلك الليلة، وأنا منقسم القلب، فرأيت النبي، ﷺ، في المنام كأني واقف مع أخي إسحاق، إذ أقبل
[ ١٨٥ ]
النبي، ﷺ، فأخذ بعضدي، فقال لي: ثبت ملكك، وملك بنيك، بإجلالك لمحمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق، فقال: ذهب ملك إسحاق، وملك بنيه، باستخفافه بمحمد بن نصر، وقال أبو عبد الله بن منده في مسألة الإيمان: صرح محمد بن نصر في كتاب الإيمان بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار، والشهادة، وقراءة القرآن بلفظه مخلوقة، وهجره على ذلك علماء وقته وخالفه أئمة خراسان، والعراق،
قلت: وهذا الذي صرح به محمد بن نصر، في أن لفظ العبد بالقرآن مخلوق، صرح به البخاري، وغيره من الأئمة محتجين بقوله، ﷺ: «زينوا القرآن بأصواتكم، فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ»، وإنما كان الإمام أحمد، ﵀، يشدد في هذا لحسم مادة القول بخلق القرآن، وتبعه على ذلك جماعة من أئمة الحديث، والله أعلم.
وقال أبو محمد بن حزم، في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم السنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم بمعانيها، وأدراهم بصحتها، ربما اجتمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما يعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله، ﷺ، حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر لما بعد عن الصدق، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، في طبقات الشافعية: ومنهم: أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، واستوطن سمرقند، وولد في سنة اثنتين ومائتين، ومات بغير سمرقند سنة أربع وتسعين ومائتين، روى عنه، أنه
قال: كتبت الحديث بضعا
[ ١٨٦ ]
وعشرين سنة، وسمعت قولا ومسائل، ولم يكن لي حسن رأي في الشافعي، ثم ذكر مناما رأى فيه النبي، ﷺ، يحضه على مذهب الشافعي، ﵁، قال: فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، فكتبت كتب الشافعي، قال: وصنف محمد بن نصر كتبا ضمنها الآثار والاختلاف، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، ﵀، ومن اختياراته: أنه يكفي في الوصية أن يشهد على نفسه أن هذا خطه، وأن ما في هذا الكتاب فقد أوصى به، وهكذا نقله إمام الحرمين، والمتولى، وحكى أبو الحسن البغدادي أنه يكفي الكتاب بلا شهادة.