اشتهر من مذهب الشافعي أن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وعكسه مذهب أبي حنيفة ﵀، وقال مالك وأحمد: هو حقيقة فيهما، ومذهبه أنه لا يجوز إجبار الثيب، وإن كانت صغيرة، وهو وجه لأصحاب أحمد.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وجماعة من مذهب الإمام أحمد: يجوز، وللشافعي قول: أن المسلم لا يلي نكاح أمته الكتابية، والقول الآخر: أنه يلي كقول الثلاثة، ومذهب الشافعي: أن الابن لا يلي تزويج أمه البنوة، خلافا للثلاثة، وقدمه مالك على الأب أيضا، وقال أبو
[ ٧٨ ]
حنيفة، وأحمد: الأب أحق منه.
وقال أبو حنيفة: هو أولى من الجد، وعن أحمد فيه: مع الجد أيهما يقدم، على روايتين، أما إذا كان الابن معتقا، أو حاكما، أو عصبة، فإنه يجوز أن يلي عند الشافعي بذلك، ولا تكون البنوة مانعة من ذلك، ومذهبه أن الوالي إذا غاب، أو غفل أن الولاية تنتقل إلى السلطان، وقالوا: تنتقل إلى من بعده من الأولياء، وحد هذه الغيبة عند الشافعي مسافة القصر.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: ألا تصل القافلة إليه إلا مرة في السنة، وعن أبي حنيفة: حدها أن لا يصبر المكفر حتى يرجع الآذان، ومذهبه أن الوالي إذا كان ممن تحل له بولايته، لا يجوز له أن يلي العقد بنفسه، ولا يوكل، وقال أحمد: يجوز له أن يوكل ولا يلي بنفسه، وقال مالك، وأبو حنيفة: له أن يلي ذلك بنفسه، وأن يوكل، وهذا وجه في المذهب اختاره من أصحابنا أبو يحيى البلخي قاضي دمشق، ولنا وجه آخر: أنه كان الإمام الأعظم أجاز له أن يلي بنفسه دون سائر الأولياء لعموم ولايته، ولو قال الولي: زوجتك، فقال: قبلت، لم يصح حتى يقول: قبلت هذا النكاح في أحد القولين، والقول الآخر:
إنه يصح، وإن لم يقل قبلت هذا النكاح، كقول الثلاثة، ولو تزوج امرأة بغيا صح النكاح عنه ولا يشترط توبة ولا استبراء، وله أن يطأها في حال حملها من الزنا؛ لأنه لا حرمة لماء الزاني سواء كان هو المتزوج، أو غيره.
[ ٧٩ ]
وقال أبو حنيفة: يصح العقد عليها، ولكن لا يطأ حتى يستبرأها، إما بوضع الحمل، أو بحيضة إن كانت حائلا، وثلاث حيض أحب إلي، ويكره تزويجها قبل أن يستبرأها، وقال الإمام أحمد: لا يصح العقد حتى تستبرأ، وتستتاب أيضا، والله أعلم.
وعنده في المخلوقة من ماء الزاني هل يحل له تزوجها قولان المشهور: نعم، ويحكي رواية عن مالك، والقول الثاني: لا، وهو المشهور عن مالك، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، قال الوزير ابن هبيرة: أجمعوا على جواز العزل عن الأمة، وأجمعوا على أنه ليس له العزل عن الحرة، إلا بإذنها، قلت: اختيار أصحابنا الخراسانيين أنه يجوز من غير إذنها، وهو الذي صححه الرافعي والنووي وغيرها من المتأخرين،
[ ٨٠ ]
وأما طريقة العراق فلا يجوز إلا بإذنها، قال: فأما الزوجة الأمة تحت الحر، فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: ليس لزوجها أن يعزل عنها إلا بإذن مولاها، وقال الشافعي: إن عزل عنها من غير
إذن مولاها ولا إذنها جاز، ومذهبه أن الزيادة في الصداق بعد العقد لا يلتحق به بل هي وعد يستحب الوفاء به، وقال أحمد: حكمها حكم الأصل.
وقال أبو حنيفة: يلتحق ويلزم إن دخل بها، أو مات عنها، وإن طلقها قبل الدخول استحقت نصف المسمى بلا زيادة، وقال مالك في رواية ابن القاسم: هي ثابتة، سواء دخل، أو لم يدخل، إلا أن يموت قبل الدخول فيبطل، وعنده أن الخلوة لا تقرر المهر في الجديد من مذهبه، وقال في القديم: تقرر كمذهب أبي حنيفة، وأحمد، إذا لم يكن ثم مانع من الوطء، وقال مالك: لا تقرر إلا بطول المدة فإن المهر يستقر، وإن لم يطأ، وقدر ابن القاسم طول هذه المدة بعام، ومذهبه في أظهر القولين عنه: أن الوليمة واجبة، والقول الآخر: أنها مستحبة
[ ٨١ ]
كقولهم، فأما المسألة الملقبة بالسريجية، وهي ما إذا قال
الرجل لامرأته متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، فقد اختلف أصحابنا فيها على ثلاثة أوجه، ولا يوجد للإمام الشافعي، ﵁، فيها نص، أحدها: لا يقع عليها طلاق أصلا، وهذا اختيار أبي العباس بن سريج، وهو أول من تكلم فيها، ولهذا نسبت إليه، ورجحها أبو بكر بن الحداد، والقفال، وجماعة من كبار المذهب، والثاني: إذا قال لها بعد ذلك: أنت طالق، فإنه يقع المنجز ولا يقع من المعلق شيء، والثالث: أنه يقع المنجز، ويكمل من المعلق حتى يبلغ الثلاث، وهكذا مذهب أصحاب الثلاثة، مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، فهذه المسألة على الوجه الأول، وهو اختيار ابن سريج من مفردات
الأصحاب، لا من مفردات الإمام، والله أعلم.
واختلف قوله في المبتوتة في مرض الموت هل ترث أم لا؟ على قولين أحدهما: أنها لا ترث، وهو الجديد، والثاني: أنها ترث كقول الثلاثة، وإلى متى ترث؟ فيه ثلاثة أقوال فِي المذهب، أحدها: أنها ترث ما لم تنقض عدتها، وهو قول أبي حنيفة، والثاني: إلى أن تتزوج، وهو رواية عن أحمد، والثالث: ترث أبدا ولو تزوجت، كمذهب مالك، وهو رواية عن أحمد، وله قول: أن الإشهاد شرط في صحة
[ ٨٢ ]
الرجعة، كابتداء النكاح، وهو رواية عن أحمد، والقول الآخر: ليس بشرط كقولهم، وله قول آخر: أن الإجلال يحصل بالنكاح الفاسد، والثاني: لا كقولهم، وقال في القديم: لا يلزم المولى إذا أفاء كفارة لقوله
تعالى:] فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٦] .
وقال في الجديد: تلزمه الكفارة كقولهم، والجديد من مذهبه: أنه لا يحرم على المظاهر القبلة، واللمس بشهوة، والقديم: يحرم ذلك، كقول مالك، وأبي حنيفة، والمشهور عن أحمد، ﵏، وعنده أن الصائم عن كفارة الظهار إذا جامع ناسيا ليلا، أو نهارا، لا يفسد صومه ولا يلزمه الاستئناف بل يبني، وقال الثلاثة: يستأنف واتفقوا على العمد.
وقال الشافعي في المتلاعنين في الملاعن: أنه تقع الفرقة بينه وبين زوجته على التأبيد، وإن لم تلاعن المرأة، وقال مالك: لا يقع إلا بلعانهما، وهو رواية عن أحمد، وقال أبو حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى: لا يقع الفرق إلا بلعانهما، وحكم الحاكم، ومذهبه أن الكفارة تجب في اليمين الغموس.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، في المشهور: هي أعظم من أن تكفر، ومذهبه أن من عقد اليمين على أمر بظنه فبان بخلافه أنه يحنث، وقال الثلاثة: لا تنعقد يمينه والحالة هذه، وأدخلوا ذلك في لغو اليمين، ولو حلف لا تسكن هذه الدار وهو فيها، فخرج منها بنفسه، دون رحله، وأهله، فعنده يبر، وعند الثلاثة: لا يبر حتى يخرج أهله، ورحله معه منها، والله أعلم، ولو حلف لا يدخل هذه الدار فدخل بيتا فيها له باب شارع إلى الطريق، أو وقف على سطحها، أو حائطها، لم
[ ٨٣ ]
يحنث عند الشافعي حتى يدخل عرصتها، وعندهم: يحنث، ولو حلف لا تكلمه حينا ولم يعين وقتا بر عنده بأدنى زمان.
وقال مالك، وأحمد: لا بد من مضى ستة أشهر، وعن مالك: سنة، ولو حلف لا يأكل الرءوس رءوس الإبل، والبقر، والغنم، ولا يحنث بما سواها، وقال أبو حنيفة: إنما يحنث برؤوس البقر والغنم فقط، وقال مالك وأحمد: حنث بكل ما يسمى رأسا في حقيقة اللغة وعرفها، ولو حلف لا يشم البنفسج فاشتم دهنه لم يحنث عنده خلافا للثلاثة، ولو حلف لا أستخدم هذا العبد فخدمه العبد وهو ساكت، لا يحنث إن لم يكن العبد ملكه، وإن كان فعلى وجهين في المذهب، وقال أبو حنيفة: إن سبقت له خدمة قبل اليمين حنث، وإلا فلا.
وقال مالك، وأحمد: يحنث مطلقا، سواء كان له، أو لغيره، أو تقدمت له خدمة، أم لا، والله أعلم.
ولو حنث العبد المملوك فكفر بالصوم، فللسيد منعه إن كان لم يأذن له في اليمين.
وقال أصحاب أبو حنيفة: له منعه مطلقا، إلا في كفارة الظهار، وقال مالك: إن أضر به الصوم، فله منعه إلا في الظهار، وقال أحمد: ليس له منعه مطلقا، ولا يحرم من الرضاع إلا خمس عند الشافعي، وهو رواية عن أحمد، وعنه ثلاث، وعنه واحدة، كقول أبي حنيفة، ومالك: ونفقة الصغيرة واجبة على زوجها في قول الشافعي، والقول الآخر: لا كمذهب الثلاثة، وقال الشافعي بوجوب نفقة الآباء، وإن علوا، والأبناء، وإن سفلوا فقط.
[ ٨٤ ]
وقال مالك: إنما تجب نفقة الأبوين الأدنيين، وأولاد الصلب فقط، وقال أحمد: تجب نفقة كل من يرثه، ويرث منه بفرض، أو تعصب، وقال أبو حنيفة: إنما تجب نفقة كل ذي رحم محرم، فلا يدخل ابن العم، ونحوه مما ليس بمحرم، ومذهبه أن الأم أحق بحضانة الغلام، والجارية، إلى سبع سنين، ثم يخير كل واحد منهما بين الأب والأم، وقال مالك: الأم أحق بهما حتى يبلغ الغلام، وتزوج الجارية، ويدخل بها الزوج، وعنه رواية أن الغلام يكون عندها حتى يثغر، وقال أبو حنيفة، وأحمد: الأم أحق بالغلام حتى يستقل بنفسه، في مطعمه، ومشربه، وملبسه، ثم الأب أحق به منها، والجارية تكون عند الأم حتى
تزوج، وعن أحمد رواية أخرى: أن الغلام والجارية يكونان عند الأم إلى السبع، ثم يخير، وتنتقل الجارية إلى الأب من غير تخيير، والله أعلم.