حدثني عبد الرحيم بن ميمون البصري قال: حدثني أبو هفان قال: كان أبان اللاحقي شاعرًا أديبًا، عالمًا ظريفًا منطقيًا، مطبوعًا في الشعر، مقتدرًا عليه، يقتضب الخطب، ويرسل الرسائل الجياد، وهو صاحب البرامكة وشاعرهم وصاحب جوائزهم للشعراء، وهو يستخرجها لهم ويفرقها عليهم، وهو الذي نقل كليلة ودمنة شعرًا بتلك الألفاظ الحسنة العجيبة، وهي هذه المزدوجة التي في أيدي الناس، وكان الذي استدعى ذلك وأراده يحيى بن خالد بن برمك، وكان قد اختار أبا نواس، فصار إليه أبان اللاحقي فقال كالمنتصح: أنت رجل مغرم بهذا الشراب لا تصبر عنه وعن الاجتماع مع إخوانك عليه، وهو لذتك من الدنيا ومتعتك، وهذا الكتاب مشهور، ولم ينتقل إلى هذا الوقت من المنثور إلى الشعر، وإذا فعل ذلك تداوله الناس وطلبوه ونظروا فيه، فإن أنت توليته مع تشاغلك بلهوك ولذتك لم يتوفر عليه فكرك وخاطرك، ولم يخرج بالغًا في الجودة
[ ٢٤٠ ]
والحسن، وإن توفرت عليه واهتممت به قطعك ذلك عن لهوك ولذتك ومتعتك. فلا تقدم عليه إلا بعد إنعام النظر في أمرك. فظن أبو نواس أنه قد نصح له، واستقال الأمر فيه، فاستعفى عنه، وتخلى به اللاحقي، ولزم بيته لا يخرج حتى فرغ منه في أربعة أشهر، وهي قريبة من خمسة آلاف بيت، لم يقدر أحد من الناس أن يتعلق عليه بخطإ في نقله، ولا أن يقول: ترك من لفظ الكتاب أو معناه. ثم حمله إلى يحيى بن خالد، فسر به سرورًا عظيمًا، وأعطاه على ذلك مائة ألف درهم. فحزن أبو نواس وحسده، وتبين له أنه كان احتال عليه. فهذا سبب ما كان بينهما من العداوة. وكان في جميع أحواله أرفع طبقة من أبي نواس. وقد هجاه أبو نواس بشعر كثير. فما سار له فيه شيء على شهرة شعره، ولم يقل في أبي نواس غير ثلاثة أبيات، وقد سارت في الدنيا، وهي هذه:
أبو نواس بن هاني وأمه جلبان
والناس أفطن شيءٍ إلى حروف المعاني
إن زدت بيتًا على ذي ما عشت فاقطع لساني