حدثني الخصيب بن محمد الكوفي قال: حدثني ابن العلاف قال: مر أعرابي بأبي الشمقمق الشاعر فقال له: يا أعرابي. قال: ما تشاء؟ قال: أتقول الشعر؟ قال: بعضه، قال: خذ هذا الدرهم واهجني. قال:
[ ١٢٥ ]
فأطرق الأعرابي هنيهة ثم قال: ما رأيت أحدًا يشتري الهجو بالثمن غيرك قال: وما أخذ. قال الأعرابي:
مررت بأير بغل مسبطر فويق الباع كالحبل المطوق
فما إن زلت أعركه بكفي إلى أن صار كالسهم المفوق
فلما أن طغى وربا وأندى ضربت به حر أم أبي الشمقمق
أزيدك، أم كفاك؟ وذاك أني رأيتك في التجارة لم توفق
فقال أبو الشمقمق: أعوذ بالله من الشقاء، ما كان أغناني عن هذه التجارة.
حدثني محمد بن يزيد قال: جعفر بن إسحاق المهلبي قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: ماتت ابنة عم للمنصور، فحضر المنصور دفنها، فلما صار على شفير القبر إذا هو بأبي الشمقمق. فقال له: ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور في ذلك الموضع، على أنه قليل الهزل، وقد روى بعض الناس أن هذا الكلام لأبي دلامة مع المنصور.
ومما يروي له ويستحسن قوله:
عاد الشمقمق في الخسارة وصبا وحنّ إلى زراره
من بعد ما قيل ارعوي وصحا لأبواب الشطارة
من قهوة مسكية واللون مثل الجلنارة
[ ١٢٦ ]
تدع الحليم بلا نهى حيران ليس به إحاره
ولربما غنى بها يا جارتا ما كنت جاره
يا أيها الملك الذي جمع الجلالة والوقاره
ورث المكارم صالحًا والجود منه والعماره
إني رأيتك في المنا م وعدتني منك الزياره
فغدوت نحوك قاصدًا وعليك تصديق العباره
أني أتاني بالندى والجود منك إلى البشاره
إن العيال تركتهم بالمصر خبزهم العصاره
وشرابهم بول الحما ر مزاجه بول الحماره
ضجوا فقلت تصبروا فالنجح يقرن بالصباره
حتى أزور الهاشم ي أخا الغضارة والنضارة
ولقد غدوت وليس لي إلا مديحك من تجاره
وله أيضًا:
ما جمع الناس لدنياهم أنفع في البيت من الخبز
والخبز باللحم إذا نلته فأنت في أمن من الترز
والقلز من بعد على إثره فإنما اللذات في القلز
وقد دنا الفطر وصبياننا ليسوا بذي تمر ولا أرز
وذاك أن الدهر عاداهم عداوة الشاهين للوز
كانت لهم عنز فأودي بها وأجدبوا من لبن العنز
[ ١٢٧ ]
فلو رأوا خبزًا على شاهق لأسرعوا للخبز بالجمز
ولو أطاقوا القفز ما فاتهم وكيف للجائع بالقفز
وله أيضاَ:
الحمد لله شكرًا أمشي ويركب غيري
قد كنت آمل طرفا فصرت أرضى بعير
ليت الأيور دواب فكنت أركب أيري
لم ترض نفسي بهذا يا رب منك لخير
وله يهجو ابن البختكان، وكان خبيث الهجاء:
ومحتجب والناس لا يقربونه وقد مات هزلًا من ورا الباب حاجبه
إذا قيل: من ذا مقبلًا؟ قيل: لاحدٌ وإن قيل: من ذا خلفه؟ قيل كاتبه
ومما يستحسن قوله:
يبس اليدين فما يسطيع بسطهما كأن كفيه شدا بالمسامير
عهدي به آنفًا في مربط لهم يكسكس الروث عن نقر العصافير
وله في بعضهم:
وإبطك قابض الأرواح يرمي بسهم الموت من تحت الثياب
شرابك في الشراب إذا عطشنا وخبزك عند منقطع التراب
وما روحتنا لتذب عنا ولكن خفت مرزئة الذباب
[ ١٢٨ ]
وله:
ذهب الموال فلا موا ل وقد فجعنا بالعرب
إلا بقايا أصبحوا بالمصر من قشر القصب
بالقول بذوا حاتمًا والعقل ريح في القرب
وشعر أبي الشمقمق نوادر كله.
ولما ولي المأمون خالد بن يزيد بن مزيد الموصل خرج معه أبو الشمقمق، فلما كان وقت دخوله البلد اندق اللواء، فتطير خالد لذلك، واغتم غما شديدًا، فقال أبو الشمقمق فيه:
ما كان مندق اللواء لريبة تخشى ولا سبب يكون مزيلًا
لكن رأى صغر الولاية فانثني متقصدًا لما استقل الموصلا
وكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى المأمون، فولى خالدًا ديار ربيعة كلها، وكتب إليه: هذا الاستقلال لوائك ولاية الموصل. وأحسن إلى أبي الشمقمق، ووصله بعشرة آلاف درهم. وتوفي أبو الشمقمق في حدود الثمانين ومائة.