هو محمد بن عبد الله بن رزين الخزاعي، ابن عم دعبل: قال أحمد بن إبراهيم الأسدي: قال لي أبو عَصيدة: اجتمع مسلم ابن الوليد صريع الغواني وأبو فراس وأبو الشيص ودعبل بن علي بن رزين في مجلس على الشراب فقالوا: ينشد كل واحد منكم أجود ما قال. ثم قالوا لمسلم: كأنا بك يا أبا الوليد وقد جئت بقولك:
[ ٧٢ ]
إذا ما علت منا ذؤابة واحد تمشت به مشى المقيد في وحلِ
هل العيش إلا أن تروح مع الصبا وتغدو صريع الكأس والأعين النُّجْل
ومن هنا سمى صريح الغواني، سماه بذلك الرشيد، وله مع ذلك قصة عجيبة سنذكرها في أخباره - ثم قالوا لأبي نواس: كأنا بك يا أبا علي قد جئت بقولك:
لا تبكِ ليلى ولا تطرب إلى هند واشرب على الورد من حمراء كالوردِ
كأسًا إذا انحدرت من كف شاربها أجدته حمرتها في العين والخد
فالكأس ياقوتة والخمر للؤلؤة من كفة لؤلؤة ممشوقة القد
تسقيك من عينها خمرًا ومن يدها خمرًا فمالك من سكرين من بد
لي سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من بينهم وحدي
ثم قالوا لدعبل: كأنك قد جئت بقولك:
لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى
ومنها:
لا تأخذوا بظلامتي أحدًا طرفي وقلبي في دمي اشتركا
ثم قالوا لأبي الشيص: كأنك قد جئت بقول:
حُلي عقال مطيتي لا عن قلى وأمضى فإني يا أميمة ماضي
اثنان لا تصبو النساءُ إليهما ذو شيبة ومحالف الإنفاض
قال أبو الشيص: بل أنشدكم أبياتًا قلتها في هذه الأيام. قالوا: هات. فأنشدهم:
[ ٧٣ ]
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدمُ
أجد الملامة في هواك لذيذة حبًّا لذكرك فليلُمني اللومُ
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدًا ما مَن يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ كان حظي منك حظي منهم
قال أبو نواس: أحسنت والله وملحت ولتعلمن أني سآخذ منك هذا المعنى فيشتهر ما أقول ولا يشتهر ما قلت. فأخذه وضمنه قوله في الخصيب:
فما جازه جود وما حل دونه ولكن يصير الجود حيث يصير
فسار هذا لأبي نواس ولم يسر بيت أبي الشيص إلا دون ذلك.
وحدثني أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: قال ابن الأعمش كان أبو الشيص عند عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي وكان من أكرم الناس عليه، لانقطاعه إليه ومدحه إياه، ولما بينهما من العشرة وكان لعقبة بن الأشعث خادم يحبه حبًا شديدًا، فشرب أبو الشيص ليلة مع عقبة فسكر وبات. فلما كان في بعض الليل دب إلى الخادم، فوجأه الخادم بالسكين فأصاب مقتله، فقال له أبو الشيص: ويحك قتلتني، فأما إذ قد فعلت فلا تفضحني ونفسك. فقال الخادم: وما أصنع؟ قال: هات قرابًا فاكسره تحتي لأموت فوقه فيقال: إنه كان سكران فوقع عليه فمات. ففعل ذلك. ومات أبو الشيص من ساعته، فلم يأت على الخادم إلا أيام يسيرة حتى حدث مولاه الحديث فلم يُنَهنِه عقبة أن قتل الخادم.
وكان أبو الشيص أحد شعراء الرشيد ممن قد مدحه مدائح كثيرة
[ ٧٤ ]
ثم لما مات الرشيد رثاه ومدح محمدًا الأمين فمما قال في ذلك:
جرت جوار بالسعد والنحس فنحن في وحشة وفي أنسِ
العين تبكي والسن ضاحكة فنحن في مأتم وفي عرسِ
يضحكنا القائم الأمين ويُب كينا وفاةُ الإمام بالأمس
بدران: بدر هذا ببغداد في ال خلد وبدر بطوس في الرمس
ومما يختار من شعره قوله:
أبقى الزمان به ندوب عضاض ورمى سواد قرونه ببياضِ
نفرت به كأس النديم وأغمضت عنه الكواعب أيما إغماض
ولربما جُعلت محاسن وجهه لجفونها غرضًا من الأغراض
حسر المشيب قناعه عن رأسه فرمينه بالصد والإعراض
اثنان لا تصبو النساء إليهما ذو شيبة ومحالف الإنفاض
فوعودهن إذا وعدنك باطل وبروقهن كواذب الإيماض
لا تنكري صدى ولا إعراضي ليس المقل على الزمان براض
حُلّى عِقال مطيتي لا عن قلى وأمضى فإني يا أميمة ماض
عُوِّضتُ عن برد الشباب ملاءةً خَلَقًا وبئس معوضة المعتاض
أيام أفراس الشباب جوامحٌ تأبى أعنتها على الرواض
وركائبٍ صرفت إليك وجوهها نكبات دهر للفتى عضاض
شدوا بأعواد الرحال مطيهم من كل أهوج للحصى رضاض
يرمين بالمرء الطريق وتارة يَحذفن وجه الأرض بالرضراض
[ ٧٥ ]
قطعوا إليك رياض كل تنوفة ومهامه ملس المتون عراض
أكل الوجيف لحومها ولحومهم فأتوك أنقاضًا على أنقاض
ولقد أتتك على الزمان سواخطًا فرجعن عنك وهن عنه رواض
إن الأمان من الزمان وريبه يا عُقبَ شطا بحرك الفياض
بحر يلوذ المعتفون بنيله فعم الجداول مُترع الأحواض
ثبت المقام إذا التوى بعدوه لم يخش من زلل ولا إدحاض
غيث توشحت الرياض عهاده ليث يطوف بغابة وغياض
ومشمرٍ للموت ذيلَ قميصه قاني القناة إلى الردى خواض
لأبي محمد المرجى راحتا ملك إلى أعلى العلا نهاض
فيد تدفق بالندى لوليه ويد على الأعداء سم قاض
وجناح مقصوص وتحيف ريشه ريبُ الزمان تحيُّفَ المِقراض
أنهضته ووصلت ريش جناحه وجبرته يا جابر المنهاض
نفسي فداؤك أي ليث كتيبة يرمى بها بين القنا المرفاض
ومن مختار أبي الشيص قوله:
خلع الصبا عن منكبيه مشيبُ فطوى الذوائب رأسه المخضوب
[ ٧٦ ]
نشر البلى في عارضيه عقاربًا بيضًا لهن على القرون دبيبُ
ومما يستحسن له قوله:
نهى عن خُلة الخمر بياض لاح في الشعرِ
وقد أغدو وعين الشم س في أثوابها الصفر
على جرداء قباء ال حشا ملهبة الحضرِ
بسيف صارم الحد وزق احدب الظهرِ
وظبي يعطف الأزرَ ويثنيها على الخصر
على ألطف ما شدت عليه عقد الأزر
مهاة ترتمي الألبا ب عن قوس السحر
لها طرف يشوب الخم ر للندمان بالخمر
عفيف اللحظ والأعضا ء في الصحو وفي السكر
على عذراء لم تفتق بنار لا ولا قدر
عجوز نسج الماء لها طوقًا من الشذرِ
كأن الذهب الأحم ر في حافاتها يجري
وليل تركب الركبا ن في أجوافه الخضر
بأرض تقطع الحير ة فيها بالقطا الكدر
تمسكت على أهوا لها بالله والصبر
وإعمال بنات الري ح في المهمة والقفر
شماليل يصافحن متون الصخر بالصخر
[ ٧٧ ]
بإيجاف يقد اللي ل عن ناصية الفجر
ومما طار لأبي الشيص في الدنيا وسارت به الركبان هذه:
أشاقك والليل ملقى الجران غراب ينوح على غصن بان
أحمُّ الجناح شديد الصياحِ يبكي بعينين لا تهملانِ
وفي نعبات الغراب اغترابٌ وفي البان بين بعيد التدان
لعمري لئن فزعت مقلتاك إلى دمعة قطرها غير وان
فحق لعينيك ألا تجف دموعهما وهما تطرفان
ومن كان في الحي بالأمس منك قريب المكان بعيد المكان
فهل لك يا عيش من رجعة بأيامك المونقات الحسان
فيا عيشنا، والهوى مورق له غصن أخضر العود دانِ
لعل الشباب وريعانه يسود ما بيض القادمان
وهيهات يا عيش من رجعة بأغصانك المائلات الدواني
لقد صدع الشيب ما بيننا وبينك صدع الرداء اليماني
عليك السلام فكم ليلة جموحٍ وليل خليعِ العنان
قصرت بك اللهو في جانبيه بقرع الدفوف وعزف القيان
وعذراء لم تفترعها السقاة ولا استامها الشرب في بيت حان
ولا احتلبت درها أرجل ولا وسمتها بنار يدان
ولكن غذتها بألبانها ضروع يحف بها جدولان
إلى أن تحول عنها الصبا وأهدى الفطام لها المرضعان
فلم تزل الشمس مشغولة بصبغتها في بطون الدنان
[ ٧٨ ]
ترشحها للثام الرجال إلى أن تصدى لها الساقيان
ففضا الخواتيم عن جونة صدوف عن الفحل بكر عوان
عجوز غذا المسك أصداغها مضمخة الجلد بالزعفران
يطوف علينا بها أحور يداه من الكأس مخضوبتان
ليالي تحسب لي من سنيَّ ثمان وواحدة واثنتان
غلام صغير أخو شرةٍ يطير معي للهوى طائران
جرور الإزار خليل العذار على لعهد الصبا بردتان
أصيب الذنوب ولا أتقي عقوبة ما يكتب الكاتبان
تنافس في عيون الرجال وتعثر بي في الحجول الغواني
فأقصرت لما نهاني المشيبُ وأقصر عن عذلي العاذلان
وعافت عيوف وأترابها رُنُوي إليها وملت مكاني
وراجعت لما أطار الشباب غرابان عن مفرقي طائران
رأت رجلًا وَسَمَتْه السنون بريب المشيب وريب الزمان
فصدت وقالت: أخو شيبة عديم. ألا بئست الحالتان
فقلت: كذلك من عضه من الدهر ناباه والمخلبان
وعجت إلى جمل بازل رحيب رحى الزور فحل هجان
سبوح اليدين طموح الجران غؤول لأنساعه والبطان
فعضيت أعواد رحلي به وناباه من زمع يضربان
[ ٧٩ ]
فلما استقل بأجرانه ولان على السير بعض الليان
قطعت به من بلاد الشآم خروقًا يضل بها الهاديان
إلى ملك من بني هاشم كريم الضرائب سبط البنان
إلى علم البأس، في كفه من الجود عينان نضاختان
ومما يستحسن من شعره قوله هذه اللامية:
ختلته المنون بعد اختيال بين صفين من قنًا ونصال
في رداء من الصفيح صقيل وقميص من الحديد مذال
لأبي الشيص في الرشيد مرثية عجيبة:
غربت في المشرق الشم س فقل للعين تدمع
ما رأينا قطّ شمسًا غربت من حيث تطلع
وهي طويلة. ولو ذهبنا نسوق قصائد خرج الكتاب عن حدّ قصدناه، وإنما نأتي بالبيت والبيتين دليلًا على قصيدة مشهورة ونتفرق في خلال ذلك القصيدة - في الفرط - إذا كانت رائعة كثيرة الفوائد ليكون أحفظ. للناظر في الكتاب إذا أراد الحفظ.
ومن قلائد أبي الشيص كلمته في عقبة بن الأشعث يمتدحه:
مرت عينه للشوق فالدمع منسكب طلول ديار الحيّ مغترب
كسا الدهر برديها البلى ولربما لبسنا جديديها وأعلامنا قشب
[ ٨٠ ]
فغير مغناها ومحت رسومها سماء وأرواح ودهر لها عقب
تربع في أطلالها بعد أهلها زمان يشت الشمل، في صرفه عجب
تبدلت الظلمان بعد أنيسها وسودًا من الغربان تبكي وتنتحب
وعهدي بها غناء مخضرة الربا يطيب الهوى فيها ويستحسن اللعب
وفي عرصات الحي أظبٍ كأنها موائد أغصان تأود في كثب
عواتق قد صان النعيم وجوها وخفرها خفر الحواضن والحجب
عفائف لم يكشفن سترًا لغدرةٍ ولم تنتح الأطراف منهن بالريب
فأدرجهم طيّ الجديدين فانطووا كذاك انصداع الشعب ينأى ويقترب
وكأس كسا الساقي لنا بعد هجعة حواشيها مامج من ريقه العنب
كميت أجادت جمرة الصيف طبخها فآبت بلا نار تحش ولا حطب
لطيمة مسك فت عنها ختامها معتقة صهباء حيرية النسب
ربيبة أحقاب جلا الدهر وجههافليس بها إلا تلأ لؤها ندب
إذا فرجات الكاس منها تخليت تأملت في حافاتها شعل اللهب
كأنّ اطراد الماء في جنباتها تتبع ماء الدر في سبك الذهب
سقاني بها والليل قد شاب رأسهغزال بحناء الزجاجة مختضب
يكاد إذا ما ارتج ما في إزاره ومالت أعاليه من اللين ينقضب
[ ٨١ ]
لطيف الحشى عبل الشوى مدمج القرى مريض جفون العين في طيه قبب
أميل إذا ما قائد الجهل قادني إليه وتلقاني الغواني فتصطحب
فورعني بعد الجهالة والصبا عن الجهل عهد بالشبيبة قد ذهب
وأحداث شيب يفترعن عن البليودهر تهر الناس أيامه كلب
فأصبحت قد نكبت عن طرق الصبا وجانبت أحداث الزجاجة والطرب
يحطان كأسًا للنديم إذا جرت عليّ وإن كانت حلالًا لمن شرب
ولو شئت عاطاني الزجاج أحورٌ طويل قناة الصلب منخزل العصب
ليالينا بالطف إذ نحن جيرة وإذ للهوى فينا وفي وصلنا آزب
تخالسني اللذات أيدي عواطل وجوف من العيدان تبكي وتصطخب
إلى أن رمى بالأربعين مشبها ووقرني قرع الحوادث والنكب
وكفكف من غربي مشيب وكبرة وأحكمني طول التجارب والأدب
وبحر يحار الطرف فيه قطعته بمهنوءة من غير عر ولا جرب
ملاحكة الأضلاع محبوكة القرى مداخلة الرايات بالقار والخشب
موثقة الألواح لم يدم متنها ولا صفحيتها عقد رحل ولا قتب
[ ٨٢ ]
عريضة زور الصدر دهماء رسلة سناد خليع الرأس مزمومة الذنب
جموح الصلاة موارة الصدر جسرة تكاد من الإغراق في السير تلتهب
مجفرة الجنبين جوفاء جونة نبيلة مجرى العرض في ظهرها حدب
معلمة لا تشتكي الأين والوجي ولا تشتكي عض النسوع ولا الدأب
ولم يدم من جذب الخشاشة أنفها ولا خانها رسم المناسب والنقب
مرققة الأخفاف صم عظامها شديدة طي الصلب معصوبة العصب
يشق حباب الماء حد جرانها إذا ما تفرى عن مناكبها الحبب
إذا اعتلجت والريح في بطن لجةً رأيت عجاج الموت من حولها يثب
ترامى بها الخلجان من كل جانب إلى متن مقتر المسافة منجذب
ومثقوبة الأخفاف تدمي أنوفها معرفة الأصلاب مطوية القرب
صوادع للشعب الشديد التيامه شواعب للصدع الذي ليس ينشعب
ومن قلائد أبي الشيص البالغة السائرة في الأرض قوله:
يا دار مالك ليس فيك أنيس إلا معالم آيهن دروس
[ ٨٣ ]
الدهر غالك أم عراك من البلى بعد النعيم خشونة ويبوس
ما كان أخصب عيشنا بك مرة أيام ربعك آهل مأنوس
فسقاك يا دار البلي متجرف فيه الرواعد والبروق هجوس
دار جلا عنها النعيم فربعها خلق تمر به الرياح يبيس
طلل محت آي السماء رسومه فكأن باقي محوهن دروس
ما استحلبت عينيك إلا دمنة ومخرب عنه الشرى منكوس
ومخيس في الدار يندب أهله رث القلادة في التراب دسيس
أنس الوحوش بها فليس بربعها إلا النعام تروده وتحوس
ربع تربع في جوانبه البلى وعفت معالمه فهنّ طموس
يدعو الصدى في جوفه فيجيبه ربد النعام كأنهن قسوس
ولربما جر الصبا لي ذيله فيه، وفيه مألف وأنيس
من كل ضامرة الحشا مهضومة لحبالها بحبالنا تلبيس
متسترات بالحياء لوابس حلل العفاف عن الفواحش شوس
وسبيئةٌ من كرمها حيريةٌ عذراء من لمس الرجال شموس
لم يفتق النعمان عذرتها ولم يرشف مجاجة كأسها قابوس
كتب اليهود على خواتم دنها يا دن أنت على الزمان حبيس
[ ٨٤ ]
ذمية صلّى وزمزم حولها من آل برمك هربد ومجوس
تجلو الكئوس إذا جلت عن وجههاشمسًا غذاها الشمس فهي عروس
عكفت بها عفر الظباء كأنها بأكفهن كواكب وشموس
من كل مرتج الروادف أحور كسرى أبوه وأمه بلقيس
رخو العنان، إذا ابتديت فخادم وإذا صبوت إليه فهو جليس
يسعى بإبريق كأن فدامه من لونها في عصفر مغموس
يسقيك ريق سبيئة حيرية مما استباه لفصحه القسيس
بين الخورنق والسدير محلة للهو فيها منزل مطموس
فالند من ريحانها متضوعٌ والظهر من غزلانها مدحوس
نحس الزمان بأهلها فتصدعوا إن الزمان بأهله لنحوس
كنّا نحل به ونحن بغبطة أيام للأيام فيه حسيس
فبنى عليه الدهر أبنية البلى فعلى رباه كآبة وعبوس
وصريع كأس بت أرقبه وقد نهشته من أفعى المدام كئوس
عقل الزجاج لسانه وتخاذلت رجلاه فهو كأنه مطسوس
سطت العقار به فراح كأنما مجّ الرّدى في كأسه الفاعوس
مما يختار له من قصيدته:
جلا الصبح أوني الكرى عن جفونه وفي صدره مثل السهام القواصد
[ ٨٥ ]
تمكن من غراته الحب فانتحى عليه بأيد أيدات حواشد
إذا خطرات الشوق قلبن قلبه شددن بأنفاس شداد المصاعد
يذكره خفض الهوى ونعيمه سوالف أيام وليس بعائد
وبلغني أن هذه القصيدة أنشدت عند المأمون فأفرط في استحسانها، ثم أنشد في ذلك المجلس لجماعة من حذاق المحدثين، مثل بشار ومسلم ابن الوليد ونظرائهما، فلم يهش لشيء من ذلك، وفضل عليهم أبا الشيص. وأشعاره ونوادره وملحه كثيرة جدًّا، ولكنا لا نخرج من شرط الكتاب، لئلا يمله القارئ إذا طال عليه الفنّ الواحد، وليحفظ هذه النكت والنوادر والملح، وليستريح من أخبار المتقدمين وأشعارهم فإن هذا شيءٍ قد كثرت رواية الناس له فملوه، وقد قيل: لكل جديد لذة، والذي يستعمل في زماننا إنما هو أشعار المحدثين وأخبارهم، فمن ها هنا أخذنا من كل خبر عينه ومن كل قلادة حبتها.