حدثني أبو الخصيب قال: حدثني المزيدي قال: أبو العتاهية اسمه إسماعيل بن القاسم وكنيته أبو إسحاق وهو مولى لعنزة،
[ ٢٢٧ ]
ويرمى بالزندقة مع كثرة أشعاره في الزهد والمواعظ، وذكر الموت والحشر والنار والجنة والذي يصح لي أنه كان ثنويًا.
حدَّثني أبو رجاء البصري قال: حدَّثنا علي بن معمر التميمي قال: حدثني شيخ من قدماء الكتاب قال: كنت: آتي أبا العتاهية فأنسخ أشعاره في الزهد وغيره، وكان له بنتان: إحداهما يقال لها بالله، والأخرى لله وكان له ابن زاهد ناسك، وكان مع ذلك شاعرًا، إلا أنه قد تخلى من الدنيا.
حدثني أبو الأزهر التبان عن أبي العنقاء البصري قال: كان أبو العتاهية أحد المطبوعين، وممن كاد يكون كلامه شعرًا كله، وغزله لين جدًا مشاكل لكلام النساء، موافق لطباعهن، وكذلك كان عمر بن أبي ربيعة المخزومي، والعباس بن الأحنف، وكان أبو العتاهية يتغزل في عتبة جارية رائطة بنت أبي العباس السفاح ويظهر عشقها، وكان يجيد الوصف. فمما قاله في عتبة قوله:
أعلمت عتبة أنني منها على شرف مطل
وشكوت ما ألقى إلي ها والمدامع تستهل
حتى إذا برمت بما أشكو كما يشكو الأذل
قالت: فأي الناس يع لم ما تقول فقلت: كل
أجمع أهل الأدب أنهم لم يسمعوا قافية أحق بمكانها من قوله
[ ٢٢٨ ]
فقلت كل وهي قصيدة مشهورة يغني بها.
وحدثني المبرد قال: حدثني محمد بن البصري قال: كان أبو العتاهية، لسهولة شعره وجودة طبعه فيه، ربما قال شعرًا موزونًا ليس من الأعاريض المعروفة، وكان يلعب بالشعر لعبًا، ويأخذ كيف شاء.
وحدثني إبراهيم بن العباس الكاتب عن أبيه قال: قال أبو العتاهية: قال لي المأمون: أنت أشعر أم أبو نواس؟ فقلت: أنا من قد علمت يا أمير المؤمنين، ولوددت أن أبيات أبي نواس لي فأستعلي بها على شعراء أهل الأرض، قال: وما هي؟ قلت قوله:
ومستبعد إخوانه بثرائه لبست له كبر أبر على الكبر
متى ضمني يومًا وإياه مجلس رأى جانبي وعرًا يزيد على الوعر
وقد زادني تيهًا على الناس أنني أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر
قال المأمون: أحسن الرجل أحسن.
وحدثني المعروسي الكوفي قال: حدثني محمد بن زياد - كان يروي لأبي العتاهية شعرًا كثيرًا قال: جلس أبو العتاهية يومًا إلى قصار فسمع صوت الكدين فقال باقتداره شعرًا على إيقاعه، منه هذا البيت:
المنون مفنيات واحدًا فواحدا
كأنه نظر إلى القصار أخذ ثوبًا بعد ثوب، فشبهه بأخذ الموت إنسانًا بعد إنسان، وأخذ الوزن من وقع الكدين.
ومما سار له قوله:
بسطت كفي نحوكم سائلًا ماذا تردون على السائل
إن لم تنيلوه فقولوا له قولًا جميلًا بدل النائل
[ ٢٢٩ ]
أو كنتم العام على عسرة ويلي فمنوه إلى قابل
ولهذا الشعر من قلوب النساء موقع الزلال البارد من الظمآن لرقته، وحدثني أبو البلاد عن الأخوص الأصغر قال: كانت عتبة التي يسبب بها ويظهر عشقها أبو العتاهية جارية لرائطة بنت أبي العباس السفاح، وكان رائطة تحت ابن عمها المهدي بن المنصور أمير المؤمنين، فلما بلغ المهدي إكثاره في شعره من ذكرها ووصفها غضب وقال: ما يجد هذا الجرار أحدًا يعبث بحرمة غيرنا؟ وكان أبو العتاهية قديمًا يبيع الجرار في سوق الكوفة، ثم تأدب فارتفع بأدبه. قال: فأمر بحبسه، فعمل أبو العتاهية من قبل يزيد بن منصور خال المهدي - وكان أعز الناس إليه - حتى تخلص، فعاد إلى مثل حاله معها، فلما طال هذا دخلت رائطة على المهدي فشكته وقالت: قد شهر بجاريتي بشعره وفضحها، واحفظته عليه، فأحضره وضربه بالسياط في الدواوين بين يديه، وكان ضعيف البنية فغشى عليه، فلما أفاق رفع رأسه فإذا بعتبة واقفة تنظر إليه من سطح فقال:
بخ بخ يا عتب من مثلكم قد قتل المهدي فيكم قتيل
فتعجب المهدي ورق له ورحمه، وأمر بالإحسان إليه، ووعده بالجارية أن يستوهبها من مولاتها ويدفعها إليه، فلما علمت الجارية ذلك، وألح أبو العتاهية على المهدي يقتضيه ما وعده بشعره قالت: يا أمير المؤمنين أستجير في مروءتك وشرفك وما يلزمك من حق خدمتي وصحبتي أن تخرجني من دار النعمة إلى بائع جرار سوقي دنيء النفس، وبعد، فإنما يريد الذكر والشهرة،
[ ٢٣٠ ]
وليس بعاشق، فإن أردت أن تعرف ما يقول فمر له بمال له خطر، فإنه سيلهيه عني ويشغله عن ذكري، فأمر له المهدي بمائة ألف، ولم يسم ورقًا ولا عينًا، فأورد أبو العتاهية توقيعة بذلك على الكتاب، فأعطوه مائة ألف درهم على أنه لم يسم شيئًا، فأبى ولم يرض وقال: أنا لا أراه وقع لي بمائة ألف دينار، فإنه لم يكن ليعوضني منها أقل من هذا، فقالوا: حتى نؤامره إذًا في هذا الكتاب، وكان يتردد شهرًا يطالب به، فأشرقت عليه عتبة وقالت له: - وقد دخل الدار يقتضي ذلك -: يا صفيق الوجه، لو كنت عاشقًا لشغلك العشق عن المفاضلة بين الدراهم والدنانير. وبلغ كلامها المهدي، فعلم أنها كانت أعرف بقصة الرجل، فأمسك عن أمره.
ولأبي العتاهية في الرشيد وكان وجد عليه فحبسه فكتب إليه:
تفديك نفسي من كل ما كرهت نفسك إن كنت مذنبًا فاغفر
يا ليت قلبي لديك صور ما فيه لتستيقن الذي أضمر
فرق له، ووقع في رقعته: لا بأس عليك، فاطمأن إلى ذلك. ثم تمادى مكثه في الحبس فكتب إليه:
كأن الخلق ركب فوق روح له جسد وأنت عليه رأس
أمين الله إن الحبس بأسٌ وقد وقعت: ليس عليك باسُ
فأمر بإطلاقه.
ومما كتب إليه في الحبس أيضًا هذا:
إنما أنت رحمة وسلامة زادك الله غبطة وكرامة
[ ٢٣١ ]
قيل لي قد رضيت عني فمن لي أن أرى لي على رضاك علامه
وحقيق ألا يراع بسوء من رآك ابتسمت منه ابتسامه
لو توجعت لي فروحت عني روح الله عنك يوم القيامة
وكان الرشيد حين حبسه جعل أمره خادم له يقال له ماهر، وكان يحسن إليه، فهو يقول:
كفاني العناية من أمره بتشمير ما كان من غرسه
وكان الشفيع إلى غيره فصار الشفيع إلى نفسه
وحدثني بعض أهل الأدب قال: أهدي أبو العتاهية إلى الرشيد نعلًا وكتب إليه:
نعل بعثت بها لتلبسها قدمًا تسير بها إلى المجد
لو كان يمكن أن أشركها خدي جعلت شراكها خدي
وسمع رجل أبا العتاهية ينشد:
فانظر بعينك حيث شئ ت فلن ترى إلا بخيلا
أراد ما في صورة الإسراء " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورًا " فقال الرجل: يا أبا العتاهية بخلت بجميع الناس، قال: فأكذبني بواحد.
حدثني محمد بن راشد الكاتب عن ابن جبلة البنوي قال: أتى أبو العتاهية باب أحمد بن يوسف كاتب المأمون، فحجب عنه فقال:
متى يظفر الغادي بحاجة ونصفك محجوب ونصفك نائم
[ ٢٣٢ ]
فسار بيته هذا في الأفاق، وجعل الناس يتناشدونه، فاعتذر إليه. ومما يستحسن له في المواعظ والحكمة:
وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه تبلى وعن صور شتت
وأرتك قبرك في القبو ر وأنت حيّ لم تمت
وله في استبطاء بعض الناس، وما سمع بأحسن منها:
ما أنا إلا لمن يراني أرى خليلي كما يراني
لست أرى ما ملكت أمري مكان من لا يرى مكاني
من ذا الذي يرتجي الأقاصي إن لم ينل خيره الأداني
فلي إلى أن أموت رزق لو جهد الخلق ما عداني
لا يكرم الدهر كل من لا يصلح إلا على الهوان
واستغن بالله عن فلان وعن فلان وعن فلان
فالمال من حله صيان للوجه والعرض واللسان
والفقر بيت عليه قفل مفتاحه العجز والتواني
ولا تدع مكسبًا حلالًا تكون منه على بيان
ورزق ربي له وجوه هن من الله في ضمان
سبحان من لم يزل عليا ليس له في العلو ثاني
قضى على خلقه المنايا فكل شيء سواه فاني
يا رب لم نبك من زمان إلا بكينا على زمان
[ ٢٣٣ ]
وهو القائل أيضًا:
نعمى نفسي إليّ من الليالي تصرفهن حالًا بعد حال
فما لي لست مشغولًا بنفسي ومالي لا أخاف الموت مالي
لقد أيقنت أن غير باق ولكني أراني لا أبالي
أمالي عبرة في ذكر قوم تفانوا ربما خطروا ببالي
كأن ممرضي قد قام يسعى بنعشي بين أربعة عجال
وخلفي نسوة يبكين شجوًا كأن قلوبهن على المقالي
تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفوًا أليس مصير ذاك إلى الزوال
فما ترجو بشيء ليس يبقى وشيكًا ما تغيره الليالي
بلوت الناس قرنًا بعد قرن فلم أر غير خلاب وقالي
وذقت مرارة الأشياء جمعًا فما شيء أمر من السؤال
ولم أر في الأمور أشد هولًا وأفظع من معاداة الرجال
وأشعار أبي العتاهية كثيرة جدًا، إلا أنها مشهورة وموجودة، وفيما أوردناه منها كفاية.