حدَّثني ابن أبي شبرمة قال: دخل أبو العميثل على طاهر بن الحسين وقد جلس للناس فقبل يده، فقال طاهر: ما أخشن شاربك يا أبا العميثل! فقال: أيها الأمير، إن شوك القنفذ لا يضر ببرثن الأسد. فضحك طاهر وقال: هذه الكلمة أعجب إليّ من قصيدتك. وأعطاه ألف درهم على قصيدته، وثلاثة ألف درهم على كلمته.
وحدثني محمد بن أبي يونس قال: كان أبو العميثل أحد شعراء طاهر، وكان يقدمه ويؤثره، وأنه وجد عليه في شيء فجفاه وتركه، فقال:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه على ما أرى حتى تلين قليلا
إذا لم أجد يومًا إلى الإذن سلمًا وجدت إلى ترك المجيء سبيلا
فرجع إليه طاهر، ولم يزل محسنًا ما عاش.
ومما يستحسن من شعر أبي العميثل قوله في الفضل والحسن ابني سهل يذكرهما معًا:
كأن أشكال وجه الحزم بينهما ظل تلاقي عليه الشمس والقمر
وله أيضًا:
قد جار والله على جاره والله قد أوصاه بالجار
حتى متى يا سيدي أنت لي تمزج إقبالا بإدبار
يا من رأى فيمن رأى قبله ال دينار في راحة الدينار
وهذه أبيات فيها من خفر الوزن ما ترى.
[ ٢٨٧ ]
أخبار أبي عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة، ويزعم آل المهلب أن أبا عيينة اسم. وقال لي شيخ منهم: كل من كان من المهالبة يدعى أبا عيينة، وكنيته أبو المنهال، وكذلك يقول بنو سدوس: إن أبا رهم هو اسم، وكثير فيهم.
حدثني إبراهيم بن سعيد قال: أخبرني أبو هاشم العبيد قال: أبو عيينة ابن محمد بن أبي عيينة هو الذي كان يهجو ابن عمه خالد بن يزيد بن حاتم المهلبي، وأخوه عبد الله بن محمد هو الذي صاحب طاهر بن الحسين فلم يرض صحبته وهجاه، وأخوه داوود بن محمد هو الذي يقول فيه وفي آل سليمان بن علي:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم واستوثقوا من رتاج الباب في الدار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ولا تكف يد عن حرمة الجار
فهؤلاء الثلاثة كلهم بنو محمد شعراء.
وحدثني أبو عبد الرحمن قال: أخبرني محمد بن المظفر قال: دخل أبو عيينة يومًا على المأمون فقال له: يا أبا عيينة. هجوت ابن عمك بألف بيت ما عرضت له بمحرم ولا تجاورته إلا في بيت واجد، وددت إنك ما قلته. قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قولك:
ولأوذينك فوق ما آذيتني ولأوسدن على نعاجك ذيبي
[ ٢٨٨ ]
فقال: يا أمير المؤمنين، فإني أدرت بالنعاج بنيه لا غيرهم، فسرى عن المأمون.
وهو القائل في خالد:
بح بما قد كنت تخفي هـ وصرح لا خفاء
ما على هذا عزاء غلب الصبر العزاء
وبدا الأمر المغطى كاشفًا عنه الغطاء
خالد كلفني جر جان ظلمًا واعتداء
خطة ما نلت منها طائلًا إلا العناء
خالد لولا أبوه كان والكلب سواء
لو كما ينقص يزدا د إذن نال السماء
وهو القائل:
يا حفص عاط أخاك عاطه كأسًا تهيج من نشاطه
صرفًا تعود بشربها كالظبي أطلق من رباطه
جزع المخنث خالدٌ لما وقعت على نماطه
وهي طويلة جدًا. وشعر أبي عيينة أنقى من الراحة، ليس فيه عيب، فلا بيت يسقط.
وهو القائل:
داوود محمود وأنت مذمم عجبًا لذاك وأنتما من عود
فلرب عود قد يشق: لمسجد نصفٌ، وسائره لحش يهود
والحش أنت له، وذاك المسجد كم بين موضع مسلح وسجود
[ ٢٨٩ ]
داوود يفتح كل باب مغلق بندي يديه وأنت قفل حديد
وأبو عيينة أحد المطبوعين الأربعة الذين لم ير في الجاهلية والإسلام أطبع منهم: وهم بشار وأبو العتاهية والسيد وأبو عيينة.
وحدثني خلف بن إسحاق الكوفي قال: حدَّثنا بعض أهل العلم: أن رجلًا من أهل البصرة تاق إلى الخروج إلى داوود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبي صفرة زائرًا له بالسند هو واليها، فتخير له كتبًا من إخوانه وأهل بيته، ثم أتى عبد الله بن محمد أخا أبي عيينة فقال له: جعلت فداك، تكتب إلى ابن عمك داوود بن يزيد، فكتب إليه كتابًا لطيفًا ودفعه إليه، وقال له: إذا أوصلت إليه ما معك من الكتب وقرأها فادفع إليه كتابي. فلما وصل ودفع إليه الكتب وقرأها قال له: أصلحك الله، إن معي من أبي جعفر عبد الله بن محمد كتابًا إليك. قال: هات كتاب أبي جعفر، ولم أخرته؟ قال: بذلك أوصاني. ودفعه إليه ففضه فإذا فيه:
إن امرأ قصدت إليك به في البحر بعض مراكب البحر
تجري الرياح به فتحمله وتكف أحبانًا فلا تجري
ويرى المنية كلما عصفت ريح له للخوف والذعر
للمستحق بأن تزوده كنت الأمان له من الفقر
قال داوود: لا جرم لا تترك حتى ترجع إليه غنيًا. فأعطاه ألف دينار وخمسة آلاف درهم.
[ ٢٩٠ ]
ولعبد الله يعاتب طاهرا:
يا ذا اليمنين ما شيء إقامته على الإطالة إقصاء وتقصير
وما شهاب منير قد أضر به هم بنارك حتى ما له نور
وله أيضًا:
أيا ذوا اليمنين إن العتا ب يشفي صدورًا ويغري صدورا
وكنت أرى أن ترك العتا ب خير وأجدر ألا يضيرا
إلى أن ظننت بأن قد ظنن ت أني لنفسي أرضى الحقيرا
ثم هجاه بعد ذلك:
وما طاهر إلا سفاه تحركت برائحة الفضل بن يحيى فمرت
فأغنت بريح الفضل كل غنائها بالفضل ساءت حين ساءت وسرت