هو عبد الله بن ربعي بن شبث بن ربعي الرياحي. وقيل: اسمه غالب. من بني رياح بن يربوع بن حنظلة، وكان وقع إلى خراسان، واستوطن آخر عمره سجستان، وهو أحد الدهاة، فصيح جيد البديهة حاضر الجواب، وقد أدرك الدولتين وكان منهومًا بالشراب مستهترًا به، ويقال: إنه كان بخراسان يشرب على قارعة الطريق، فمر به نصر الليثي وإلي خراسان فقال له: ويحك يا أبا الهندي ألا تصون نفسك؟ قال: لو صنت نفسي أنا لما وليت خراسان.
حدثني أبو العميثل الشاعر قال: حدثني أبو الخنساء الشاعر قال: بكر أبو الهندي يومًا من الأيام إلى بيت خمار، وكان ينزل في سكة يقال لها كوى زيان، وتفسيرها بالعربية: سكة الخسران - وهي بسجستان، كان يباع فيها الخمر والفواحش، ويقال لها اليوم: سكة العدول والمستورين وأهل الصلاح - فقال أبو الهندي للخمار: " طربت إلى الصبوح فهاب عجل " فأتاه الخمار بعين الشراب وصفوه، فأعجبه حسن الشراب وعجل فسكر وما من أول النهار. ودخل إلى الخمار نفر فرأوا أبا الهندي فقالوا: من
[ ١٣٦ ]
هذا المطروح على وجهه؟ قال: هذا أبو الهندي، اشتهى وأسرع فسكر ونام. فقالوا للخمار هات ما سقيته وعجل حتى نلحق به، وأتاهم به فشربوا حتى سكروا وناموا. فانتبه أبو الهندي عند العصر، فسأل عنهم الخمار: فقال: قوم دخلوا فرأوك مطروحًا، وسألوني عنك فأعلمتهم عن حالك، واشتاقوا إلى مثلها فسقيتهم من الشراب الذي شربته ما أرواهم، حتى صرعوا كما تراهم، قال أبو الهندي: ويحك عجل، قال: ما تشاء؟ قال: ألحقني بهم ولا تسقني إلا المكيال، حتى سكر ونام، فانتبه القوم فقالوا للخمار: هذا بعد نائم ونحن أفقنا؟ فحدثهم حديثه، فقالوا: ويلك ألحقنا به الساعة وأسرع. فجاءهم بالشراب فشربوا حتى سكروا فتجدلوا. وأقاموا كذلك عشرة أيام في حانة ذلك الخمار، لا يلتقون معه، ولا يلتقي معهم، كلما أفاق وجدهم مصروعين، وإذا قاموا وجدوه مصروعًا كذلك. ففي ذلك يقول:
ندامى بعد عاشرة تلاقوا وضمهم بكوي زيان راح
رأوني في الشروق صريع كأس معتقة وما متع الصباح
فقالوا: أيها الخمار من ذا؟ فقال: أخ تخونه اصطباح
أدار الراح حتى أقصعته فخر كأنه عود شناح
فقالوا: قم وألحقنا وعجل به إنا لمصرعه نراح
وحان تنبهي فسألت عنهم فقال: أتى بهم قدر متاح
فقلت له: فسرع بي إليهم حثيثًا فالسراح هو النجاح
فما إن زال ذاك الدأب منا إلى عشر نفيق ونستباح
[ ١٣٧ ]
نقيم معًا وليس لنا تلاق ببيت ما لنا منه براح
وذكر أنه مذ دخل سجستان إلى أن خرج منها ما فارق كوى زيان وفي ذلك يقول:
ثبت الناس على راياتهم وأبو الهندي في كوى زيان
منزل يزري بمن حل به تستحل الخمر فيه والزواني
إنما العيش فتاة غادة وقعودي عاكفًا في بيت خان
أشرب الخمر وأعصى من نهى عن طلاب الراح والبيض الحسان
في حياتي لذة ألهو بها فإذا مت فقد أودى زماني
وحدثني صالح بن إبراهيم قال: حدثني جعيفران الموسوس الشاعر: قال لي صدقة البكري: شرب أبو الهندي مع قوم في قرية من قرى مرو على سطح ليس لي ستر فسكر، وكان خبيث السكر والنوم، فلما جن الظلام ومضى من الليل ما مضى، وقد سكروا وأرادوا أن يناموا، خشوا على أبي الهندي أن يسقط من السطح، فربطوا في رجله حبلا وأوثقوا، وطولوا الحبل - لسكرهم - وشدوا طرف الحبل إلى شيء في السطح على غير عمد منهم. فقام أبو الهندي في بعض الليل ليبول، فسقط فتدلىّ من السطح وهم لا يشعرون، فلما أصبحوا وجدوه متدليًا ميتًا: وقال صدقة البكري: قرأت على قبر أبي الهندي هذه الأبيات:
اجعلوا إن مت يومًا كفني ورق الكرم وقبري معصره
وادفنوني وادفنوا الراح معي واجعلوا الأقداح حول المقبره
أنني أرجو من الله غدا بعد شرب الراح حسن المغفرة
[ ١٣٨ ]
قال: ورأيت الفتيان يجتمعون عند قبره ويشربون ويصبون نصيبه على قبره.
ومما يختار لأبي الهندي كلمته التي تقول فيها:
مفدمة قزا كأن رقابها رقاب بنات الماء أفزعن بالرعد
جلتها الجوالي حين طاب مزاجها وطيبنها بالبان والعنبر الوردي
تمج سلافًا من قوارير صفقت وطاسات صفر كلها حسن القد
كميتا ثوت في الدن تسعين حجة مشعشعة في شربها واجب الحد
عقار إذا ما ذاقها الشيخ أرعشت مفاصله وازداد وجدًا إلى وجد
ويبكي على ما فاته من شبابه بكاء أسير في الصفاد وفي القد
تضمنها زق أزب كأنه كراسيع قطع من جهينة أو نهد
إذا أنفدوا ما فيه جاءوا بمثله غطارفة أهل السماحة والمجد
فيومان يوم للأمير أزوره ويوم لقرع الصنج والراح والنرد
ومما يستحسن له في الشراب واللهو والغزل:
يا لقومي فتنتني جارتي بعد ما شبت وأبلاني الكبر
وأتت لي سنوات أربع بعد ستين تقضت لي أخر
بعد ما كنت فتى ذا مرة بين غزلان أثارتها البطر
شيبة أنكرن حينًا شأنها وأنا القرم إذا عدت مضر
حبذا الشرب بدارين إذا بت أسقاها وقد غاب القمر
[ ١٣٩ ]
عندنا صناجة رقاصة وغلام كلما شئنا زمر
حسن العرنين ذو قصابة زانه شذر وياقوت ودر
وإذا قلت له قم فاسقنا قام يمشي مشية الليث الهصر
وأتانا بشمول قهوة نتعاطاها بكاسات الصفر
وأباريق تناهت سعة والذي في الكف ملثوم أغر
مثل فرخ هب في غبطلة حذر الصقر فأقعى ونظر
أو كظبي اللصب وافى مرقبا حذر القانص صبحًا فنفر
فعلًا ثم استوى مرتبئًا قلة الطود على رأس الحجر
ومما يستحسن له، وإن كان شعره حسنًا جيدًا، ولا سيما إذا قال في الشراب قوله:
وفارة مسك من عذار شممتها يفوح علينا مسكها وعبيرها
سموت إليها بعد ما نام أهلها غدوًا ولما نلق عنها ستورها
سيغني أبا الهندي عن وطب سالم أباريق كالغزلان بيض نحورها
مفدمة قزا كأن رقابها رقاب الكراكي أفزعتها صقورها
مصبغة الأعلى كأن سرابها ذبائح أنصاب توافت شهورها
تلألأ في أيدي السقاة كأنها نجوم الثريا زينتها عبورها
[ ١٤٠ ]
يمج سلافًا من زقاق كأنها شيوخ بني حام تحنت ظهورها
ومن جملة هذه الأبيات:
أقبلها فوق الفراش كأنها صلاية عطار يفوح زريرها
إذا ذاقها من ذاق جاد بماله وقد قام ساقي القوم وهنًا يديرها
خفيفًا مليحًا في قميص مقلص وجبة خز لم تشد زرورها
وجارية في كفها عود بربط يجاوبها عند الترنم زيرها
إذا حركته الكف قلت: حمامة تجيب على أغصان أيك تصورها
تجاوب قمريا أغن مطوقًا شقائقه منشورة وشكيرها
إذا غردت عند الضحاء حسبتها نوائح ثكلى أوجعتها قبورها
وكأس كعين الديك، قبل صياحه شربت بزهر لم يضرني ضريرها
فما ذر قرن الشمس حتى كأنها أرى قرية حولي تزلزل دورها
ومما يستحسن له قوله:
شبت جدي وجدي مؤثر لم ينازعني عروق المؤتشب
من بني شيبان أصلي ثابت وبني يربوع فرسان العرب
أجمع المال وما أجمعه أطلب اللذة في ماء العنب
[ ١٤١ ]
وأستبائي الزق من حانوته شائل الرجلين معضوب الذنب
وإذا صبت لشرب خلتها حبشيًا قطعت منه الركب
ومنها:
يا خليلي اسقياني عفوها بالبواطي البيض ليست بالعلب
من شراب خسرواني إذا ذاقه الشيخ تغنى وطرب
يترك القوم إذا ما طربوا في صياح ومراء وصخب
وإذا ما منتش قامت به رفعوا الأوصال منه بالخشب
ثم ناحوا نوحة ثم بكوا ثم ضجوا ضحكًا، يا للعب
قال: وكان جماعة مثل أبي نواس والخليع وأبي هفان وطبقتهم إنما اقتدروا على وصف الخمر بما رأوا من شعر أبي الهندي، وبما استبطنوا من معاني شعره ومن هذه القصيدة قوله:
وهو منكب على جبهته مزبد الشدقين مسترخي العصب
رفع الشرب له يافوخه بعد لأي ما تولى وانقلب
ساعة ثم دعوه باسمه فأجاب المرء صوتًا ووثب
ينفض الرأس، عليه غبرة من تراب ورماد وقتب
وأتوه بطهور طيب ليصلي فتلكا وقطب
أين ما رجله زكرته يتوسدها وطنبور طرب
[ ١٤٢ ]
وسراويل له مرفوعة حلق النيفق منها قد ذهب
ولأبي الهندي أيضًا:
اصبب على كبدك من بردها إني أرى الناس يموتونا
ودع أناسًا كرهوا شربها ليسوا بما في الخمر يدرونا
لو شربوها فانتشوا مرة لأصبحوا بالخمر يهذونا
وقد عهدت الناس إذ دهرهمدهر يلوطون ويزنونا