حدثني إدريس بن محمد قال: لما قال أبو سعد دعي بني مخزوم في الأشعث بن جعفر الخزاعي:
أتيت بابك مرات لتأذن لي فصار عني إذن الباب محجوبا
[ ٢٩٤ ]
إن كنت تحجبنا بالذئب مزدهيًا فقد لعمري أبوكم كلم الذيبا
فكيف لو كلم الليث الهصور؟ إذا تركتم الناس مأكولا ومشروبا
هذا السنيدي لا تخفى دمامته يكلم الفيل تصعيدًا وتصويبا
أني امرؤ من قريش في أرومتها لا يستطيع لي الأعداء تكذيبا
ولا مصاهرة الحبشان من شيمي ولا ترى لو وجهي الدهر غربيبا
اذهب إليك، فلن آتي عليك ولن ألفي ببابك طلابا ومطلوبا
فأخذه الأشعث فضربه مائتي سوط، فعوقب في ذلك فقال: إني لم أضربه للهجاء، ولكن ضربته لكذبه في الشعر وجهله، إنه جعل كلام الذئب لأبي السندي، هذا مثل ذاك؟ وحدثني بعض أصحابنا عن النوفلي قال: ادعى أبو سعد في بني مخزوم. ولم يكن منهم، ولا عرف بهم قط. وقال أبو البرق مولى خثعم وشاكر المدائني في أبي سعد:
وما تاه على الناس شريف يا أبا سعد
فته ما شئت إذ كنت بلا أصل ولا جد
[ ٢٩٥ ]
وإذا حظك في الأشبا هـ بين الحر والعبد
وإذ قاذفك المفح ش في أمن من الحد
وقد روى بعضهم أن هذه الأبيات لدعبل في أبي سعد، والأبيات التي قبلها لابن وهيب في الأشعث.
ومن جيد يا يروي لأبي سعد قوله لمحمد بن منصور:
أظنك أطغاك الغنى ونسيتني ونفسك والدنيا الدنية ما تنسي
وحدثني ابن رومان الكاتب عن أبيه قال: كنت عند المطلب بن عبد الله ابن مالك الخزاعي وعنده أبو سعد، إذ أقبل دعبل، فالتفت المطلب إلى أبي سعد فقال له: حرك لي دعبلا - وكان المطلب حقد على دعبل قوله:
تنوط مصر بك المخزيات وتبصق في وجهك الموصل
- فقال أبو سعد: كفيتك. فلما دنا دعبل من المجلس أنشأ أبو سعد يقول:
لدعبل نعمة نمت بها ليست له ما حييت أنساها
أدخلنا بيته وأكرمنا ودس إمراته فنكناها
فغضب دعبل وقال على البديهة:
يا أبا سعد قوصرة زاني الأخت والمره
لو تراه وقد جثا خلته عقد قنطره
أو ترى الأير في أسته قلت: بيت بمقطره
أو تراه يلوكه قلت: زبد بسكره
[ ٢٩٦ ]
أو تراه يشمه قلت مسك بعنبره
أجج العبد ناره وهو للنار كندره
أبد الدهر خلفه فارس في مؤخره
وحدثني يعقوب بن ناصح البردعي قال: لما قال دعبل هذه الأبيات، وخرج من عند المطلب، جعل يفرق على صبيان الكتاب الزبيب والنبق ويقول لهم: إذا مر بكم أبو سعد فصيحوا:
يا أبا سعد قوصرة زاني الأخت والمره
ففعلوا، فطال عليهم، فهرب من بغداد إلى الري، وأقام بها حتى مات. وحدثني أبو جعفر قال: أبو سعد يأخذ نفسه بآلات الأشراف وكان دعيًا، وبآلات الشجعاء وكان جبانًا، وربما جلس على مزرد. ولكن كان جيد الشعر وهو القائل لدعبل:
ولولا معد وأيامها وأنهم السنخ والمنصل
لضاق الفضاء على أهله ولم يك ناس ولا منزل
وزلزت الأرض زلزالها وأدخل في أست أمه دعبل
وهو كثر الشعر جيده.
[ ٢٩٧ ]