حدثني أبو محرز الكوفي قال: أتى أبو فرعون الساسي أبا كهمس التاجر فسأله، فأعطاه رغيفًا من الخبز الحواري كبيرًا، فصار إلى حلقة بني عديٌ، فوقف عليهم وهم مجتمعون، فأخرج الرغيف من جرابه، وألقاه في وسط المجلس وقال: يابني عدي استفحلوا هذا الرغيف، فإنه أنبل نِتاج على وجه الأرض، قالوا: وما ذاك؟ فأخبرهم، فاجتمعوا إلى آبى كهمس التاجر فقالوا: عرضتنا لأبي فرعون وقد مزقنا كل ممزق.
ومما يستملح له - وكان من أفصح الناس وأجودهم شعرًا، وأكثرهم نادرة، ولكنه لا يصبر عن الكدية - قوله:
[ ٣٧٥ ]
رأيت في النوم بختي في زي شيخ أرتِّ
أعمى أصم ضئيلا أبا بنين وبنت
فقلت: حُييت رزقي فقال رزقك باستي
فكيف لي بدواءٍ يلين لي بطن بختي؟
وهو القائل أيضًا:
ليس إغلاقي لبابي أن لي فيه ما أخشى عليه السرقا
إنما أغلقه كي لا يرى سوء حالي من يجوب الطرقا
منزلٌ أوطنه الفقر فلو دخل السارق فيه سُرقا
لا تراني كاذبًا في وصفه لو تراه قلت لي: قد صدقا
وله أيضًا:
وصبية مثل فراخ الذر سود الوجوه كسواد القدرِ
جاء الشتاءُ وهم بِشَرِّ بغير ٌُمص وبغير أُزر
حتى إذا لاح عمود الفجر وجاءني الصبح غدوت أسري
وبعضهم ملتصق بصدري وبعضهم منحجر بحجري
أسبقهم إلى أصول الجدرِ هذا جميع قصتي وأمري
فارحم عيالي وتول أمري كنيت نفسي كنية في شعري
أنا أبو الفقر وأم الفقر
[ ٣٧٦ ]
وهذه القصيدة من خيارها: والذي أخذ فيه طريق الجد كلمته في الحسن بن سهل وقد أجمع الناس على حسنها وفصاحتها وهي قوله:
سُقيًا لحى باللوى عهدتهم منذ زمان ثم هذا عهدهم
عهدتهم والعيش فيه غرة ولم يناو الحدثان شعبهم
ولم يبينوا لنوى قذافة تقطع من وصل حبالي حبلهم
فليت شعري هل لهم من مطلب أو أجدن ذات يوم بدلهم
الناس أشباهٌ كما قد مثلوا وفيهم خير وأنت خيرهم
حاشا أمير المؤمنين إنه خليفة الله وأنت صهرهم
فأحسنوا التدبير لما ناصحوا وأمنوا العتب فطال نصحهم
إليك أشكو صبية وأمهم لا يشبعون وأبوهم مثلهم
قد أكلوا اللحم ولم يشبعهم وشربوا الماء فطال شربهم
وامتذقوا المذق فما أغناهم والمضغ إن نالوه فهو عُرسهم
لا يعرفون الخبز إلا باسمه والتمر هيهات فليس عندهم
وما رأوا فاكهة في سوقها وما رأوها وهي تنحو نحوهم
زعر الرءوس قرعت هاماتهم من البلا واستك منهم سمعهم
[ ٣٧٧ ]
كأنهم جناب أرض مجدب محل فلو يعطون أوجي سهمهم
بل لو تراهم لعلمت أنهم قوم قليل ريهم وشبعهم
وجحشهم أجرب منقور القرى ومثل أعواد الشكاعي كلبهم
كأنهم كانوا وإن وليتهمطرًا موالي وكنت عبدهم
مجتهدًا بالنصح لا آلوهم أدعو لهم يا رب سلم أمهم