حدَّثني أحمد الخليل عن محمد بن هارون بن سليمان قال: اجتمع يومًا من الأيام عند عيسى بن عمر أبو محمد اليزيدي وسلم الخاسر، فقال سلم لليزيدي: اهجني على روى امرئ القيس:
رب رام من بني ثعل مخرج كفيه من ستره
فقال له أبو محمد - وكان عفيفًا تقيًا -: مالك ولهذا؟ قال سلم: كذا أريد. قال اليزيدي: ما أغناك عن التعرض للشر. فلتسعك العافية: - وأراد سلم أن يوهم عيسى أنه عييّ مفحم لا يقدر على الشعر - قال سلم:
[ ٢٧٢ ]
إنك لتحتجز مني غاية الاحتجاز. وهاجه، قال عيسى: بالله يا أبا محمد إلا فعلت: فأخذ نعله وقبلها وكتب تحتها:
رب مغموم بعافية غمط النعماء من أشره
وامرئٍ طالت سلامته فرماه الدهر من غيره
بسهام غير مشوية نقضت منه عرا مرره
وكذاك الدهر منقلب بالفتى حالين في عصره
يخلط العسر بميسرة ويسار المرء في عسره
عق سلم أمه سفهًا وأبا سلم على كبره
كل يوم خلفه رجل رامح يسعى على أثره
يولج الغرمول سبته كولوج الضب في جحره
قال سلم: هكذا يكون والله استدعاء الشر، ما كان أغناني عن هذا! فقال له عيسى بن عمر: لا أبعد الله غيرك، ولا أتعس إلا جدك. قد كان الرجل يستعفيك ويحتجز منك إبقاء على مروءته، فأبيت إلا أن يدخلك في حر أمك.
ومما يستحسن له من شعره:
مرضت فأمرضت شكواك قلبي وكنت أنام فاستعصى منامي
ولو كان المريض يزيد حسنًا كما تزداد أنت على السقام
[ ٢٧٣ ]
لما عيد المريض إذن، وعدت له الشكوى من النعم العظام
وقال وقد انصرف من مكة سالمًا:
يا فرحتا إذ صرفنا أوجه الإبل نحو الأحبة بالإزعاج والعجل
نحثهن وما يرمين من دأب لكن للشوق حثًا ليس للإبل
وله في الأصمعي يهجوه:
رأيت قريبًا أبا الأصمعي كثيرًا فواضحه شامله
إذا قام يعثر في شمله وتقتاده أذن مائله
وما أنت هل أنت إلا امرؤ إذا صح أصلك من باهله
وله في غزله وكان لا يرغب فيه:
حبيبي لا يزور ولا يزار وفيه عن مواصلتي نفار
وعيني لا تجف لها دموع معاقبة سواكبها غزار
على وجه تطيف به صفاتي فتغرق في المحاسن أو تحار
كأن الخمر يغذو وجنتيه وحسبك ما تزينه العقار
كليل الطرف يجرحه إذا ما تحير فوق وجنته احمرار
قضيب البان قامته، ويخطو بدعص نقًا يغص به الإزار
وحدثني أبو عبد الله التنوردي قال: حدَّثنا محمد بن الأشعث
[ ٢٧٤ ]
المكي قال: قدم علينا اليزيدي مكة في رجب فأقبل على العبادة والاجتهاد والصوم والصدقة. وكان أصحابنا من أهل الأدب مجتمعون له ليؤانسوه فيقول: ما شيء أحب إلي من مشاهدتكم ومحادثتكم، ولكن هذا بلد يتقرب فيه إلى الله بالأعمال الصالحة، وإنما أقيم شهرًا أو شهرين ثم انصرف إلى بلدي، فإن رأيتم ألا تجروا في مجلسي رفثًا ولا خنًا ولا هجاءً في شعر ولا غيره فافعلوا.
وقال بمكة أشعارًا كثيرة في الموعظة والحكمة، ولا يتعدى ذلك إلى غيره. وأشعاره كثيرة، وهو مؤدب المأمون.