حدثني أبو علي الحسين بن بسطام قال: قال أبو تمام الطائي: كان أشجع السلمي رديء المنظر قبيح الوجه، مصابًا بعين، وكان على قلب الرشيد ثقيلًا من بين الشعراء، فدخل عليه يومًا فقال: يا أمير المؤمنين
[ ٢٥٠ ]
إن رأيت أن تأذن لي في إنشادك، فإني إن لم أظفر منك ببغيتي في هذا اليوم فلن أظفر بها. قال: وكيف؟ قال: لأني مدحتك بشعر لا أطمع من نفسي ولا من غيري في أجود منه، فإن أنا لم أهزك في هذا اليوم فقد حرمت منك ذلك إلى آخر الدهر. فقال: هات أذن نسمع، فأنشده قصيدته الميمية التي يقول فيها:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا هدا سلت عليه سيوفك الأحلام
فلما بلغ هذين البيتين اهتز الرشيد وارتاح وقال: هذا والله المدح الجيد والمعنى الصحيح، لا ما عللت به مسامعي هذا اليوم - وكان أنشده في ذلك اليوم جماعة من الشعراء - ثم أنشده قصيدته التي على الجيم وهي قوله:
ملك أبوه وأمه من نبعة منها سراج الأمة الوهاج
شربا بمكة في ذرا بطحائها ماء النبوة ليس فيه مزاج
فلما سمع هذين البيتين كاد يطير ارتياحًا ثم قال: يا أشجع، لقد دخلت إليّ وأنت أثقل الناس على قلبي، وإنك لتخرج من عندي وأنت أحب الناس إليّ. فقال له: فما الذي أكسبتني هذه المنزلة؟ قال له: الغنى، فاسأل ما بدا لك. قال: ألف ألف درهم. قال: ادفعوا إليه.
ومما يستجاد له قوله في الرشيد:
قصر عليه تحية وسلام نشرت عليه جمالها الأيام
فيه اجتلى الدنيا الخليفة والتقت للملك فيه سلامة ودوام
كانت كنوز مآثر فأثارها ملك على آرائه عزام
من لي بالعصرين يعتوراني والعام يدفع في قفاه العام
[ ٢٥١ ]
أدناك من ظل النبي وسيلة وقرابة وشجت بها الأرحام
وصلت يداك السيف يوم تعطلت أيدي الرجال وزلت الأقدام
وهي مختارة يقول فيها:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد
ومختار شعره في الرشيد وف مكة. فمما له في الرشيد قوله، وقد ركب في يوم عيد ركبة لم ير الناس مثلها أحسن هيئة وأتم زينة وأكمل أداة وأكثر قوادًا وجندًا:
لا زلت تنشر أعيادًا وتطويها تمضي بها لك أيام وتثنيها
مستقبلًا جدة الدنيا وبهجتها أيامها لك نظم في لياليها
العيد والعيد والأيام بينهما موصولة لك، لا تفنى وتفنيها
ليهنك النصر والأيام مقبلة بالنصر والعز معقود نواصيها
والقصيدة طويلة، وهي مشهورة، فاقتصرنا على ذكرها.
ولأشجع في محمد بن منصور بن زياد يرثيه بقصيدته التي أولها:
أنعى فتى الجود إلى الجود ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتى أصبح معروفة منتشرًا في البيض والسود
أنعى فتى مص الثرى بعده بقية الماء من العود
أنعى فتى كان بمعروفه يملأ ما بين ذرا البيد
قد ثلم الدهر به ثلمة جانبها ليس بمسدود
فأصبحا بعد تساميهما قد جمعا في بطن ملحود
[ ٢٥٢ ]
الآن تخشى عثرات الندى وعدوة البخل على الجود
وأشجع هو القائل في ابن صبيح:
له نظر ما يغمض الأمر دونه تكاد ستور الغيب عنه تمزق
ويختار له مرثيته في أخيه:
خليلي لا تستبعدا ما انتظرتما فغير بعيد كل ما كان آتيا
ألا تريان الليل يطوي نهاره وضوء النهار كيف يطوي اللياليا
هما الفتيان المرديان إذا انقضت شبيبة يوم عاد آخر ناشيا
ويمنعني من لذة العيش أنني أراه إذا فارقت لهوا برانيا
كأن يمني يزم فارقت أحمدا أخي وشقيقي فارقتها شماليا
وأشجع هو الذي يقول:
داء قديم في بني آدم صبوة إنسان بإنسان