حدثني ابن الأخوص محمد بن عبد الملك الثقفي قال: أخبرني عمرو ابن أيوب العامري قال: وفد ابن ميادة على الوليد ين يزيد بن يزيد بن عبد الملك فأنشده شعرًا له فيه،
[ ١٠٥ ]
فاستحسنه منه أمره بملازمته، ففعل، فلما عنده طويلًا امتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بحرة ليلي حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت علىّ تمائمي وقطعن عني حيث أدركني عقلي
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة تطالعن من هجل حفيٍّ إلى هجل
فإن كنت عن تلك المواطن حابسي فأسبغ عليّ الرزق واجمع إذن شملي
فقال له الوليد: قد أمرنا لك بمائتي ناقة سوداء، ومائتي ناقة حمراء، تضيء هذه من هنا، وتظلم تلك من هنالك، فخذ الكتب بذلك إلى مصدّق كلب يدفعها إليك. فأخذ ابن ميادة الكتب ومضى نحوه، فلما قرأ كتابه قال له: أعفني من الجعودة وقد كان أمر له بها جعادا، فأبي أن يقبلها إلا جعادا كما أمر له، وتماحل هو المصدق في ذلك، وكتب ابن ميادة إلى الوليد يعلمه ذلك، وضمن كتابه هذين البيتين:
ألم يبلغك أن الحيّ كلبًا أرادوا في عطيتك ارتدادا
أرادوني بها لونين شتى وقد أعطيتها دهمًا جعادا
فكتب الوليد إلى المصدق يتوعده ويأمره أن يسلمها إليه - كما أمر - برعاتها وأدواتها. فأقبل يسوقها حتى أقبل بها على حيه.
واسمه الرماح بن أبرد، وميادة أمه، وكانت أم ولد، وهو من بني
[ ١٠٦ ]
مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان ابن ميادة يضرب أمه في صباه ويقول:
اعر نزمي مياد للقوافي
يريد أنه سيهجو الناس فيهجونه ويذكرون أمه.
وأبوه من ولد ظالم بن الحارث بن ظالم المري وهو القائل يفتخر بذلك:
سقتني سقاة من آل ظالم بأرشية أطرافها في الكواكب
وبقي ابن ميادة حتى أدرك أيام بني العباس. وقد مر على جعفر بن سليمان ابن علي وهو والي البصرة فأنشد:
يا جعفر الخيرات يا جعفر ليتك لا تنعى ولا تقبر
فلما رأى جعفر ركاكة هذا الشعر وخفته قال: يا رماح. قال: لبيك أيها الأمير. قال: أتمدح الوليد بن يزيد الفاسق بمثل ذلك الشعر وتمدحني بمثل هذا؟ قال: أيها الأمير إن مدح الشاعر على قدر العطية. وما علي من فسق الوليد وقد أعطاني أربعمائة ناقة برعاتها وعبيدها وآلاتها؟ والله لا قلت أبدًا أنه فاسق ولو ضربت عنقي فإن إحسانه يمنعني عن ذلك، فأعجبه ما رأى من شكره ووفائه للرجل بعد الموت وذهاب الدولة، فأمر له بأربعمائة ناقة، وقال له: قل الآن مثل شعرك الذي تقول فيه، فقال:
كنت امرأً أرمى الزوائل مرة فأصبحت قد ودعت رمى الزوائل
وعطلت قوس اللهو من شرعاتها وصارت سهامي بين رثّ وناصل
[ ١٠٧ ]
إذا حل أهلي بالجناب وأهلها بمنعرج العلان من ذي أذابل
فقل: خلة ضنت عليك بوصلها تقطع منها باقيات الوصائل
يمنونني منك الوصال وقد أرى بأني لا ألقاك من دون قايل
وما أنس من الأشياء لا أنس قولها وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول
وكان ابن ميادة جيد الغزل، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء، وكان مطبوعًا، وهو الذي يقول:
كأن فؤادي في يد علقت به محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإنني أظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدري: أيغلبني الهوى إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وما يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
فهذه معان وألفاظ يعجز عنها أكثر الشعراء، فإنه قد جمع إلى اقتدار الأعراب وفصاحتهم محاسن المحدثين وملحهم، وهو القائل:
أقول لركب قافلين رأيتهم ببئر سليم من صراد وأشجع
ألا إن بلغتم سالمين فأبلغوا تحية مرميّ بسهمين موجع
ومما يختار له قوله
هاج البكاء وعاق منه صدوح خطباء باكية على التفراح
[ ١٠٨ ]
تدعو هديلا في ذرا عبرية عيناء ليس عيونها بصواح
ناحت بما علمت ولست بنائح وأبت على دأب الدلال بصاح
ومما يستحسن له قوله:
سل الله صبرًا واعترف بفراق عسى بعد بين أن يكون تلاق
ألا ليتني قبل الفراق وبعده سقاني بكأس للمنية ساق