حدثني أبو ريحان قال: قال لي سليمان بن علي: كان طول البطين اثني عشر شبرًا بأتم ما يكون من أشبار الناس، ولم ير في زمانه أحد أطول منه، وكان يرعب من رآه. وكان مع ذلك قبيح الوجه، فكان إذا أقبل لا يشك من يراه أنه شيطان، حتى يحاوره فيصيب منه آدب الناس وأفصحهم، وكان مع ذلك فاسقًا معلنًا بفسقه، وكان أحمق خلق الله مع ذلك الأدب والفصاحة.
حدثنا أبو عدنان قال: حدثنا عبد الصمد بن إبراهيم الخزري قال:
[ ٢٤٧ ]
عشق البطين جارية من أهل الرملة يهودية، فرام تزوجها، فأبى قومها أن يزوجوه لإسلامه، فلما رأى امتناعهم بذلك السبب تهود، ومكث على اليهودية سنين حتى تزوجها، ثم عاد إلى الإسلام. وفي البطين يقول أبو خالد الغنوي:
وإن حرًا أدى البطين بزحرةٍ ولم تنفتق أقطاره لرحيبُ
وإن زمانًا أنطق الشعر مثله وأدخله في عدنا لعجيب
ويحشر يوم البعث أما لسانه فعي وأما دُبره فطيب
وحدثنا عن الخصيبي قال: قال البطين - وكان من أهل حمص - لما خرج أبو نواس من العراق يريد مصر زائرًا للخصيب، وبلغنا أنه يجتاز بنا، لم أزل أترقب وروده حمص، حتى قيل: قد وفد، فمضيت إلى الحان فإذا برجل له هيئة، في إزار مُعصفر، وهو جالس على درجة الحان، في يده جردق من جرادق يفركها ويطرحها للعصافير، فسلمت عليه وقلت: أين نزل أبو نواس؟ قال: ويحك ألا نظرت إلى مظلمة الكفر، فلا تحتاج إن تسأل؟ فمضيت به إلى منزلي، فأقام عندي أيامًا ثم شيعته أميالًا.
وكان جيد الشعر محكمه، يشبه نمطه نمط الأعراب. وهو القائل:
لم أقل عند الكريهة يا ليتني في الخفض والدعة
بل تسربلتُ الحفاظ على ميت، في الصدر لم يمت
[ ٢٤٨ ]
وحسام لا يطيق صدًا كانصباب الكوكب الكفتِ
وُصلتْ بالموت هبته كاتصال السم بالحمة
فهو ما أحببت من وزرٍمطرق ما لم يهج حفتِ
يا أبا العباس ليس على جمجمات البين من صلتِ
مُنيتْ نفسي بواحدة منك لم تدرك ولم تفت
رعية العهد التي وصلت بقواها قوة المقة
فأذني من إضاعتها إن هذاك من الضعة
لم يزل شكريك متصلًا بلساني لك والشفة
فإذا قابلت معضلة كنت مصغاتي وملتفتي
وله أيضًا:
ذروني وكلبًا أنني اليوم إلبها كما هي لي في كل نائبة إلبُ
ألا لا أبالي عتب من كان عاتبا يمر برأسي دون ما رضيت كلبُ
ومما يستحسن له قوله:
لله قلب سما بحبكم لم يألُ في مرتقاه مرتفعا
[ ٢٤٩ ]
لم يضع الحب غير موضعه ولا سعى في السلوحين سعى
أحببت قلبي لما أحبكم وصار أمري لأمره تبعا
وهذا معنى بديع قلما يرزق الشاعر مثله، وفيها يقول:
شيعت قلبي إلى مشيئته متبعًا في الهوى ومتبعا
ورب قلب يقول صاحبه تعسًا لقلبي فبئس ما صنعا
يا من تعريتُ من تعطفه ومن كساه وتعطفي خلعا
ما هبت الريح من بلادكم إلا تقطعت إثركم قطعا
ولا استقلت من نحو بلدتنا إلا تمنيت أن نكون معا
ومما يستحسن له قوله أيضًا، وهي أيضًا كأنها أعرابية:
رميننا خمسة ورموا نُعيمًا وكان الموت للفتيان زينا
فلما لم ندع ندبًا ورمحا بركنا للكلاكل فارتمينا
فإنك لو رأيت بني أبينا وشدتهم وعكرتهم علينا
لعمر الباكيات على نعيم لقد عزت رزيته علينا
فلا تبعد نعيم فكل حي سيلقى من صروف الدهر حينا