واسمه عبد الملك بن عبد الرحيم. حدَّثنا أبو مالك الأنصاري قال: حدَّثني أبو الأسود الشاعر قال: كان الحارثي شاعرًا مفلقًا مفوهًا مقتدرًا مطبوعًا، وكان لا يشبه بشعره شعر المحدثني الحضريين. وكان نمطه نمط الأعراب. ولما قال قصيدته المعروفة العجيبة انقاد الشعراء وأذعنوا. وهو أحد من نسخ شعره بماء الذهب، والقصيدة التي ذكرناها هي هذه:
هأنذا يا طالبي ساعي محتضر بزي إلى الداعي
أحمي حمى من غاب من مذحجٍ ويحمد الشاهد إيقاعي
[ ٢٧٥ ]
لا هلع في الحرب هاع إذا ريق فيها كل هلواع
قد باضت الحرب على هامتي وصممتني أذني واعي
واستودعتني مقلتي أرق لا يضع الجنب لتهجاع
مستحصد المرة ذي همة ضرار أقوام ونفاع
لا توجد الغرة منه وإن هيج به هيج بمنصاع
أشوس ينضو الدرع عن منكب مثل سنان الرمح شعشاع
كما ترى أفطح ذا رقطة تنجاب عنه هبوة القاع
فاجتمعت الشعراء والأدباء على أن هذه الأبيات ليست من نمط عصره، وأن لا أحد يطمع في مثلها، ولعمري إنه لكلام مع فصاحته وقوته يقدر من يسمعه أنه سيأتي بمثله، فإذا رامه وجده أبعد من الثريا، وكذلك الشعر المتناهي الذي ليس قبله في الجودة غاية، وقد سئل بعض العلماء فقيل له ما الشعر عندك؟ قال: السهل الممتنع.
وللحارثي قصيدة يرثي فيها أخاه سعيد بن عبد الرحيم ليست بدون قصيدة
[ ٢٧٦ ]
متمم التي يرثي أخاه مالكًا، وهي على روي تلك، يقول فيها:
فما أم خشف أودعته قراره من الأرض وانساحت لترعى وتهجعا
خليس كلون الأيهقان ابن ليلة أمر قواه أن ينوء فيركعا
ويهتز في الممشي القريب كأنه قضيب من البان التوى فترعرعا
فظلت بمستن الصبا من أمامه تنغم في المرعى إليه ليسمعا
إذا أغفلت نادت وإن ناب نبأة على سامعها تذكر طلاها فتربعا
فخالفها عاري النواهق شاسب أخو قفرة أضحى وأمسى مجوعا
فأنهل منه بعد عل ولم يدع لملتمس إلا شريحًا مذعذعا
فجاء برياه نسيم من الصبا صباحًا ودر جر ثكلًا فأرجعا
وهذا كلام يعجز الشعراء ويفضحهم، وفيها يقول:
وأبيض وضاح الجبين كأنه سنا قمر أوفى على العشر أربعا
ولولا خروجنا من شرط الكتاب لكان إثبات هذه القصيدة خيرًا من تركها، وإن كنا قد كتبنا في بعض المواضع القصائد الطوال، وإنما نشبت منها ما لم يكن موجودًا عند أكثر الناس، وأما الموجود المشهور فلا نورد ما طال منه،
[ ٢٧٧ ]
وإنما نقتصر من كل قصيدة على هذه الأبيات اليسيرة، بل ربما اقتصرنا على ذكر القصيدة وبيت واحد منها فقط، كما صنعنا في أخبار السيد ونظرائه، وإنما سمينا أمهات قصائد.
ومما يستحسن له أيضًا كلمته في أخيه وهي التي يقول فيها:
إن سليما وإن ظرفًا وإن جريالة شمولا
نعيم دنيا وكل دنيا مصيرها عنه أن تزولا
إذا أرت فرحة أخاها مالت إلى ترحة بديلا
وكل خير وكل شرّ فيها قمين بأن يحولا
إن سعيدًا شقيق نفسي أبقى لنفسي جوىً دخيلا
ومن جيد شعره وإن كان كل شعره جيدًا:
أتى دون حلو الوعد من تكتم المطل وأيّ هوىً يبقي إذا لم يكن بذل
فقالت وأبدي الوجد ما دون صدرها فلم يبق باب دون سر ولا قفل
أأشعرت بي أهلي عشية زرتنا جهارًا، وما عذري رقد شعر الأهل
فقلت فذا قد كان ما ليس راجعًا فهل عندكم إلا التحفظ. والعذل
فقالت وما أزرى بنا من تحفظ علينا وقولي في عواقبه الذحل
[ ٢٧٨ ]
فقلت لها ما زرتكم قاصدًا لكم وإن كان ما في الناس لي ولكم مثل
وما جئتكم عمدًا ولكن ذا الهوى إلى حيث يهوي القلب تهوي به الرجل
والحارثي هو القائل:
ولا يستخص القدر من دون جاره ليشبع والجيران يمشون جوعا
أناف بإبقاء على العرض مالهفأنجح إذ أكدى البخيل وأوضعا
له راحةٌ فيها الحبا لصديقه وأخرى لمن عادى بها السم منقعا
أجل عن العور الهواجر سمعه ونزهة من أن يقال فيسمعا
إذا نال من أقصى عرا المجد غاية سما طالبًا من تلك أسنى وأرفعا
هذا البيت سجدة للشعراء، ولو لم يكن في كتابنا إلا شعرًا الحارثي لكان جليلا.