حدَّثني أبو منصور الخزري قال: حدَّثني النوفلي قال: قال محمد بن عباد المهلبي: قال لي المأمون، وقد قدمت من البصرة: كيف خلفت ظريف مصركم، ومن بدار أبي علي حكميكم - يعني أبا نواس - قلت: ومن يعني أمير المؤمنين؟ قال: من أنت عارف به ذاك الحسين ابن الضحاك الشاعر، أليس هو القائل:
رأى الله عبد الله خير عباده فملكه والله أعلم بالعبد
ثم قال: اكتب إليه واستقدمه. قلت: يا أمير المؤمنين، إن علته تمنعه من ذلك. قال: فخذ كتابنا إلى عاملنا بالبصرة بألف دينار يدفعه إليه. وقال الحسين بن الضحاك: كنت يومًا من أيام الشتاء بالمسجد الجامع بالبصرة، إذ جاء أبو نواس وعليه جبة خز سرية جيدة جدًا، وما كنت عهدت أنها له، فقلت: يا أبا علي، من أين لك هذه؟ قال: وما عليك
[ ٢٦٨ ]
من حيث جاءت منه. فأفكرت في أمره، فوقع لي أنه أخذها في تلك الساعة من مويس بن عمران، لأني كنت رأيته أقبل من باب بني تميم، فقمت كأني أريد، وخرجت من المسجد، فإذا بمويس، قد لبس جبة أسرى من تلك الجبة فقلت: كيف أصبحت يا أبا عمران قال بخير صبحك الله به. قلت: يا كريم الإخاء للإخوان قال: أسمعك الله خيرًا يا أخي. قلت:
إن لي حاجة فرأيك فيها أنا فيها وأنت لي سيان
قال: هاتها على اسم الله. قلت:
جبة من جبابك الخز كيما لا يراني الشتاء حيث يراني
فضم يده إلى صدره وقال: خذها على بركة الله، فخلعتها عنه ولبستها، وجئت وأبو نواس مكانه بعد، فلما رآها على قال: من أين جاءتك هذه الجبة؟ قلت: من حيث جاءت تلك. أعني ما عليه.
ومما يستحسن من شعره قوله في المجون:
وشاطري اللسان مختلق التكري هـ شاب المجون بالنسك
بات بغمي يرتاد صالية النا ر ويكني عن أبيت الملك
[ ٢٦٩ ]
دسست صفراء كالشعاع له من كف علج يدين بالإفك
يحلف في طبخها بملته ودين موسى ومنشئ الفلك
حتى إذا رنحته سورتها وأبدلته السكون بالحرك
كشفت عن عجنة مزعفرة في لين صينية من الفنك
فكان ما كان لا أبوح به في الناس من هاتك ومنتهك
وقد نسب العوام هذا أبي نواس، وذلك منحول، إنما هو للحسين ابن الضحاك.
ومما يستحسن له قوله:
محب نال مكتتما مناه وأسعده الحبيب على هواه
فأصبح لا يلام بما جناه من التقصير إنسان سواه
أسر ندامة الكسعي لما رأت عيناه ما فعلت يداه
وله في بعض الملوك:
سيبقى فيك ما يهدي لساني إذا فنيت هدايا المهرجان
قصائد تملأ الآفاق مما أحل الله من بسط اللسان
بها ينفي الكرى السارون عنهم ويلهو الشرب عن وتر القيان
وله أشعار كثيرة، وهو أحد المفتنين في الشعر، جيد المدح، جيد
[ ٢٧٠ ]
الغزل، جيد الهجو، كثير المجون، صاحب جد وهزل، وهو عندهم في بحار أبي نواس، بل هو شعرًا وأقل تخليطًا منه، وهو غلام أستاذه والبة بن الحباب.