هو إسماعيل ين محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وكان شاعرًا ظريفًا حسن النمط مطبوعًا جدًّا، محكم الشعر مع ذلك، وكان أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار المناقب في الشعر. لم يترك لعلي بن أبي طالب ﵇ فضيلة معروفة إلا نقلها إلى الشعر.
حدَّثني محمد بن عبد الله السدوسي عن المدائني قال: كان أبو هاشم ينال من هذا الشراب، وولي سليمان بن حبيب بن المهلب الأهواز - وكان للسيد صديقًا - فرحل إليه من الكوفة، فأكرمه ورفع مجلسه ونادمه، وأقام عنده حينًا، وكان سليمان لا يشرب الشراب ويمنع من شربه ويتشدد فيه. فامتنع السيد من شربه فأضر ذلك به وتغير لونه، فقال له يومًا: أراك قد تغيرت عن الحال التي قدمت عليها، فقال: أصدقك أيها الأمير، كنت أنال من هذا الشراب فيمرئ طعامي ويشد عضدي ويقوي بدني، فأمسكت عنه مساعدة للأمير أصلحه الله، فصرت إلى ما ترى. فتبسم سليمان وقال: أحق ما يجب علينا من حق من يمدح آل الرسول صلى الله عليه وآله أن نحتمل له شرب النبيذ، فأصب منه فإنه غذاؤك. ثم كتب إلى عامله بالجبل أن احمل إلى أبي هاشم مائتي دورق ميفختج. ودفع الرقعة إلى السيد فقال: أصلح الله الأمير، البليغ من يوجز الكلام ويختصره، قال سليمان: وما رأيت من العيّ؟ قال: جمعك بين كلمتين مستغني بإحداهما، دع
[ ٣٢ ]
" مي " وامح فختج فقال: صدقت وحمل إليه ما أراد.
وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال لي السيد: اختصم رجلان في أبي بكر وعلي فأطالا ثم رضيا بأن يحكم بينهما أول طالع يطلع عليهما. فكنت ذاك - وأنا على بغلة، وهما لا يعرفانني - قال محمد: وكان السيد وسيمًا جسيمًا - فابتدر إليّ الشيعيّ منهما وقال: أصلحك الله، إنا اختلفنا؟ في شيء ورضينا بأول طالع علينا حكمًا فقلت ففي ماذا اختلفتما قال: أنا أقول: إن عليًا خير الناس بعد رسول الله. قال: فقلت: فماذا يقول هذا ابن الزانية؟ وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري راوية السيد: كان السيد أول زمانه كيسانيًا يقول برجعة محمد بن الحنيفة وأنشدني في ذلك:
حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى؟ يا بن الوصيّ وأنت حيّ ترزق
والقصيدة مشهورة.
وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري: ما زال السيد يقول: بذلك حتى لقي الصادق ﵇. بمكة أيام الحج، فناظره وألزمه الحجة فرجع عن ذلك. فذلك قوله في تركه تلك المقالة، ورجوعه عما كان عليه ويذكر الصادق ﵇:
تجعفرت باسم الله والله أكبر وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ويثبت مهما شاء ربي بأمره ويمحو ويقضي في الأمور ويقدر
وقال الأنصاري: قال العتبي: ادعى رجل على رجلٍ مالًا عند سوار
[ ٣٣ ]
القاضي، فطالبه سوار بالبينة، فلم يكن له شاهد إلا السيد ورجل آخر، فأحضرهما؛ فقال سوار: قد قبلنا شهادة أبي هاشم ولكن زدنا في الشهود، فظن السيد أنه رد الشاهد الآخر، فلما خرجا قال له الرجل: والله ما رد إلا شهادتك ولم يفصح بذلك خوفًا من لسانك وتبين الأمر على ما قال: فغضب السيد على سوار وهجاه وخرقه، وفيه يقول:
يا أمين الله يا من صور يا خير الولاة
إنّ سوار بن عبد الل هـ من شر القضاة
إن سوارًا الأعمى من ذوي جهر جناة
جملي نعثلي لكم غير موات
جدّه سارق عنز فجرة من فجرات
لرسول الله والقا ذفه بالمنكرات
والذي قام ينادي من وراء الحجرات
يا هناه أخرج إلينا إننا أهل هناة
فاكفنيه لا كفاه الل هـ شرّ الطارقات
فهجوناه ومن نه ج يصب بالفاقرات
[ ٣٤ ]
وبعث هذه الأبيات إلى المنصور. وكتب إليه سوار: يا أمير المؤمنين إن السيد رافضي يقول بالرجعة ويرى المتعة. فكتب إليه المنصور: إن بعثناك قاضيًا ولم نبعثك ساعيًا. وعزله وأقطع السيد أرضًا بالبصرة من أراضي الحجاج.
ومن جيد شعره قصيدته التي تسمى المذهبة وهي التي أولها:
ين التطرف بالولاء وبالهوى أإلى الكواذب من بروق الخلب
إلى أمية؟ أم إلى الشيع التي جاءت على الجمل الخدب الشوقب
تهوي من البلد الحرام فنبهت بعد الهدو كلاب أهل الحوأب
وهي قصيدة مشهورة جدًا، فاقتصرنا على ما أردناه منها. ومن مستحسن شعره في آل رسول الله صلى الله عليه وآله:
أتى حسنًا والحسين الرسولُ وقد برزا ضحوة يلعبان
وضمّهما ثم فدّاهما وكان لديه بذاك المكان
وطأطأ تحتهما عاتقيه فنعم المطية والراكبان
[ ٣٥ ]
والقصيدة أيضًا مشهورة، فاقتصرنا على ما ذكرناه فقط، وقصائد الجياد كثيرة لو اشتغلنا بذكرها لطال شغلنا، وقد حكوا عن بعضهم أنه قال: رأيت حمالًا عليه حمل ثقيل وقد جهده. فقلت: ما هذا؟ قال: ميميات السيد. وحكى عن السدري، أنه كان له أربع بنات، وأنه كان حفظ. كل واحدة منهن أربعمائة قصيدة من شعره، فحسبك هذا.
وحدثني الأنصاري قال: أخبرني المنذري قال: لما احتضر السيد نظر إليه غلامه وبكى، فقال له: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي وأنت تموت وليس لك كفن؟ فقال: إذا أنا قضيت فصر إلى صف الخزازين، فقل ألا أن السيد الحميري مادح آل رسول الله صلى الله عليه وآله قد مات ففعل، فوافاه سبعون كفنا فيها الوشي والدبيقي. فهذا خبره، وكان شعره ﵀.
[ ٣٦ ]