حدَّثني إبراهيم بن معلى البصري قال: حدَّثني محمد بن عامر الحنفي قال: كان العباس بن الأحنف من بني حنيفة، وكان شاعرًا ظريفًا ومفوهًا منطقيًا مطبوعًا، وكان يتعاطي الفتوة على ستر وعفة، وله مع ذلك كرمٌ ومحاسن أخلاق وفضل من نفسه، وكان جوادًا لا يليق درهمًا ولا يحبس ما يملك، ويكنى أبا الفضل. حدَّثنا جابر بن عمرو الباهلي قال: حدثني ابن أبي العلاء قال:
[ ٢٥٣ ]
كان العباس بن الأحنف منشؤه ببغداد وكان من بني حنيفة، ويدلك على ذلك قوله:
فإن يقتلوني لا يفوتوا بمهجتي مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
حدَّثني عون بن جعفر عن محمد بن روح قال: وقع بين مسلم بن الوليد صريع الغواني وبين العباس بن الأحنف تهاجٍ في أمر كان بينهما، فقال له مسلم يهجوه:
بنو حنيفة لا يرضى الدعي بهم فاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبهم إني أرى لك وجهًا يشبه العربا
وحدثني أبو مالك عن الأجلح بن يزيد قال: كان العباس بن الأحنف صاحب غزل، رقيق الشعر، يشبه في عصره بعمر بن أبي ربيعة المخزومي في عصره، ولم يكن يمدح ولا يهجو، إنما كان شعره كله، في الغزل والوصف، وهو الذي يقول:
أشكو الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
لأخرجن من الدنيا وحبهم بين الجوانح لم يشعر به أحد
ألقيت بيني وبين الهم معركة فليس تنفد حتى ينفد الأبد
ومما يستحسن له قوله:
لو كنت عاتبة لسكن لوعتي أملي رضاك، وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلة صد الملول خلاف صد العاتب
ما ضر من قطع الرجاء ببخله لو كان عللني بوعد كاذب
وهذا المعنى يشبه قول الشاعر:
أميتني، فهل لك أن تردى حياتي من مقالك بالغرور
[ ٢٥٤ ]
أرى حبيبك ينمي كل يوم وجورك في الهوى عدلا فجوري
ومن بديع ما للعباس وطريفه ما ليس لأحد في معناه شيء يدانيه قوله:
أحرم منكم بما أقول وقد نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
وهو القائل أيضًا:
هبوني أغص إذا ما بدت وأمنع طرفي ولا أنظر
فكيف استتاري إذا ما الدموع نطقن فبحن بما أضمر؟
ومن بدائعه المليحة قوله:
بكت غير آنسة بالبكاء ترى الدمع في مقلتيها غريبًا
وأسعدها نسوة بالبكاء جعلن مغيض الدموع الجيوبا
أيا من تعلقته ناشئًا وشبت وما آن لي أن أشيبا
ويا من دعاني إلى حبه فلبيت حين دعاني مجيبا
وكم باسطين إلى حبلنا أكفهم لم ينالوا نصيبا
لعمري لقد كذب الزاعمون بأن القلوب تجاري القلوبا
ولو كان حقًا كما يزعمون لما كان يشكو محب حبيبا
وأنت إذا ما وطئت الترا ب صار ترابك للناس طيبا
وذكر أن الرشيد هجر جاريته ماردة وهي أم المعتصم، وكان يموت من عشقها، فتكبر أن يبدأها بالصلح، وتكبرت هي أيضًا، فصبرا على ذلك بأمر عيش، وكاد الرشيد يتلف. وكان وزيره الفضل بن الربيع، فأحضر
[ ٢٥٥ ]
الفضل العباس بن الأحنف، وعرفه القصة وقال: في ذلك شيئًا، فقال:
العاشقان كلاهما متجنب وكلاهما متعتب متغضب
صدت مهاجرة وصد مهاجرًا وكلاهما مما يعالج متعب
إن التجانب إن تطاول منهما دب السلو له فعز المطلب
فبعث إليه الفضل بالأبيات، فسر بها سرورًا، ولم يستتم الرشيد قراءتها حتى قال العباس أيضًا بيتين في ذلك هما:
لا بد للعاشق من وقفة تكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به راجع من يهوى على الرغم
فاستحسن الرشيد إصابته حالهما، وقال: والله لأصالحنها كما قال. وعرفت ماردة السبب في الشعر. ولم تدر من قائله. فسألت الرشيد فقال: لا أدري من صاحب الشعر. ولكن الفضل بن الربيع بعث به، فأرسلت إلى الفضل تسأله، فأعلمها، فأمرت له بألف دينار، وأمر له الرشيد بألفي دينار، وأمر له الفضل بخمسمائة دينار.
ومن بدائعه وصفه تمشي المرآة بالهوينا:
كأنها حين تمشي في وصائفها تمشي على البيض أو فوق القوارير