حدَّثني أبو مالك السعدي قال: حدَّثني سعيد بن المثنى قال: قال يزيد بن مزيد: وجه إلى أمير المؤمنين الرشيد ذات ليلة في وقت يرتاب فيه البريء فذهبت ألبس ثيابي فعاجلني الرسول، فمضيت إليه، فلما مثلت بين يديه قال: يا يزيد، من الذي يقول:
[ ٢١٧ ]
ومن يفتقر منا يعش بحسامه ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
ونحن وصفنا دون كل قبيلة بشدة بأس في الكتاب المنزل
قلت: والذي أكرمك بالخلافة ما أعرفه. قال: فمن الذي يقول:
فإن يك جد القوم فهر بن مالك فحسبي فخرًا فخر بكر بن وائل
ولكنهم فازوا بإرث أبيهم وكنا على أمر من الأمر باطل
فقلت: لا وحقك يا أمير المؤمنين ما أعرفه. قال: بلى. أتظن يا يزيد أني أوطئك فراشي وبساطي، وأقلدك أمري. وأنا لا أعرف سرائرك ومخباتك؟ والله إن عيوني عليك حتى في فراشك، فلا تجعلن على نفسك سلطانا، هذا جلف من أجلاف ربيعة آويته عندك، ومكنته من مجلسك، فقال ما قال: فأتني به حتى أعرفه نفسه ليعلم أن ربيعة ليست كقريش. قال: فانصرفت وأحضرت بكر بن النطاح، فأعلمته القصة، وأمرت له بألفي درهم. وكان له عندي ديوان فأسقطته، وقلت له: الحق بالجزيرة، فخرج إليها، فلم يزل مستترًا بها حتى مات الرشيد، فرددته وزدت في عطائه ونزله.
قال: وحدثت أن بكرًا لما ورد على أبي دلف وقد مدحه، دعا به وقال: أنشدني، فأنشده، حتى إذا بلغ الموضع الذي يستمنحه فيه ويسأله قال: فأين ما قلت:
ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
فخجل بكر وأطرق مليًا، ثم قال: يا أيها الأمير، لو كان تحتي فرس من خيلك وفي يدي قناة من رماحك، وتقلدت سيفًا من سيوفك. لما قمت هذا المقام. قال: فدعا بجميع ما ذكره، وهميان فيه خمسمائة دينار ثم قال: امض فصدق قولك بفعلك.
[ ٢١٨ ]
فخرج من بين يديه. وأخذ طريق همذان يريد الجزيرة، فلما كان على مسيرة ثلاث من الكرج، استقبله مال عظيم قد حمل إلى أبي دلف من بعض نواحي أعماله، ومعه فرسان من رجاله، فشد عليهم، فقتل بعضهم، وهزم الباقين، واستولى على المال فذهب به. فلما بلغ الخبر أبا دلف ضحك وقال: لا نلوم إلا أنفسنا. نحن بعثناه على ذلك.
ومما يختار من شعره قوله لأبي دلف:
فكفك قوس والندى وتر لها وسهمك فيه اليسر فارم به عسري
وقوله أيضًا:
ولقد طلبنا في البلاد فلم نجد أحدًا سواك إلى المكارم ينسب
ومن طريف الشعر وبديعه قوله لأبي دلف:
نادي نداك فاتوا هم إذا امرا ن يدعوا فاهبا كل مستمع
زوروا الأمير وبيت الله تنتفعوا فاختار وجهك فينا كل منتفع
أراد قول الله ﷿: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا " ومما يستحسن أيضًا له قوله:
ليس الفتى بجماله وكماله إنّ الجواد بماله يدعى الفتى
ويستحسن أيضًا قوله:
فتى لا يراعي جاره هفواته ولا حكمه في النائبات غريب
حليم إذا ما الجهل أذهل أهله عن الحلم، مغشي الفناء نجيب
[ ٢١٩ ]
ومما يختار له قوله أيضًا:
أهدي إليك نصيحتي ومودتي قبل اللقاء شواهد الأرواح
وعلى القلوب من القلوب دلائل بالود قبل تشاهد الأشباح
ومما يختار له أيضًا:
لو كان خلفك أو أمامك هائبًا أحدًا سواك لهابك المقدار
ومن قلائد وأمهات قصائده قوله:
وليلة جمع لم أبت ناسيًا لكم وحين أفاض الناس من عرفات
ولم تنسنيك البيض بالخيف من منيّ وقد رحن أرسالًا إلى الجمرات
فطوفن بالبيت العتيق لياليا وزرن فناء البيت العرصات
كأن الدمى أشربن درعًا أوانس بدون لنا في العز والحبرات
يغيب الدجى ما لم يغبن ويختفي إذا كن منه الدهر مختفيات
جمعن جمالًا في كمال مبرز وسددن سلطانا على النظرات
فزودني شوقًا إليك، وحسرة عليك إلى ما بي من الحسرات
ذهبت بديباج الجمال ووشيه وصرن بما خلفت محتفيات
تطاول ليلي بالحجاز ولم أزل وليلي قصير آمن الغدوات
فيا حبذا بر العراق وبحرها وما يجتنى فيه من الثمرات
[ ٢٢٠ ]
كفى حزنًا ما تحمل الأرض دونها لنا من ذرا الأجيال والفلوات
أبا مريم قيلوا بعسفان ساعة وروحوا على اسم الله والبركات
ومروا على قبر النبي وأكثروا عليه من التسليم والصلوات
وتلقاء مجدٍ فاستحثوا ركابكم ولا تغفلوا فالحبس في الغفلات
إذا الغمرات استقبلتنا وأمعنت ففي خوضها المنجى من الغمرات
تجاهل عبد الله والعلم ظنه على عالم بالمرءذي الجهلات
ألست الخليع الجامع الرأس والذي يرد الصبا عودا على البدآت
وما زال لي إلفًا وأنسًا وصاحبًا أخًا دون إخواني وأهل ثقاتي
تناجت بما في قلبه عصيبة يمر لها حر على اللهوات
نديم ملوك يحملون تدللي حنينًا إلى الفتيان والفتيات
متى تشتمل بكر على بدارها أبت واثقًا بالجود والنجدات
وفي أسد والنمر أبناء قاسط أمان من الأيام والغيرات
وإن ذوي الإقدام والصبر والنهي لإخواننا ذهل على اللزبات
وإن تشتمل قيس عليّ وتغلب أبت واثقًا بالمال والثروات
وكم من مقام في ضبيعة معمر يضاف إلى الأشراف والسروات
[ ٢٢١ ]
وفي أكلب تلاد وطارف بعيد من التقصير والتبرات
وما الفتك إلا في ربيعة والغنى وذب عن الأحساب والحرمات
وقاد زمام الجاهلية منهم مناجيب سباقون في الجلبات
وقادوا جيوشًا أولا بعد أول أقر لها عاد بكثر أداة
مفاتيح أبواب الندى بأكفنا فسؤالنا يدعون بالشهوات
ذا هلك البكري كان تراثه سنان وسيفٌ قاضب الشفرات
ولم يدعوا من مال كسرى وجنده على الأرض شيئًا بعد طول بيات
إذا لم يسلطنا القضاء على العدا منوا وابتلوا من خوفنا بخفات
وكل قتيل من ربيعة ينتمي إلى حسب صعب المناكب عات
وأول ما اختطوا اليمامة واحتووا قصورًا وأنهارًا خلال نبات
وعاجت على البحرين منهم عصابة حمتها بأعلام لها وسمات
وهم منعوا ما بين حلوان غيرة إلى الدرب درب الروم ذي الشرقات
وأما بنو عيسى فماه ديارهم إلى ما حوت جو من القريات
بنو حرة أدت أسودًا ضواريًا على الحرب وهابين للبدرات
[ ٢٢٢ ]
على أعظم بالرايحان ودايه مقدسة تحت التراب رفات
قفا واسألاها إن أجابت وجربا أبا دلف في شأنها الحسنات
فتى ما أقل السيف والرمح مخرجعداه من الدنيا بغير بيات
هو الفاضل المنصور والراية التي أدارت على الأعداء كأس ممات
أذاق الردى جلويه في خيل فارس ونصرًا فصاروا أعظما نخرات
وما اعتورت فرسان قحطان قبله على أحد في السر والجهرات
عدت خيله حمر النحور وخيلهم مخضبة الأكفال والربلات
وصبح صبحًا عسقلان بعسكر بكى منه أهل الروم بالعبرات
سعى غير وان عن عقيل وما سلا ولم يعد عن حرمان فالسلوات
فبيتهم بالنار حتى تفرقوا على الحصن بالقتلى أشد بيات
وجاس تخومات البلاد مصممًا على أهلها بالخيل والغزوات
نفى الكرد عن شعبي نهاوند بعدما سقى فرض القربان بالرفقات
وأورد ماء البشر بالبيض فارتوت وعلّ رماحا من دم نهلات
ولم يثنه عن شهر زور مصيفها وورد أجاج الشرب غير فرات
[ ٢٢٣ ]
ومن همذان قارعته كتيبة فآبت بطير النحس النكبات
وبالحرشان استنزل القوم وحده يخرون للأذقان والجبهات
ولم ينج منه طالب قبل طالب وقد أوسعا في الطعن هاك وهات
بدين أمير المؤمنين ورأيه ندين وننفي الشك الشبهات
فكل قبيل من معد وغيرها يرى قاسمًا نورًا لدى الظلمات
ولو لم يكن موت لكان مكانه أبو دلف يأتي على النسمات
أبا دلف أوقعت عشرين وقعة وأفنيت أهل الأرض في السنوات
تركت طريق الموت بالسيف عامرًا تخرقه القتلى بغير وفاة
صبرت لأن الصبر منك سجية على غدرات الدهر ذي الغدرات
إلى أن رفعت السيف والرمح بعدما سموت فنلت النجم بالسموات
ولبيت هارون الخليفة إذ دعا فألفيته في الله خير موات
فأمنت سربًا خائفًا ورددته وألفت عجلًا بعد طول شتات
أعدت اللحا فوق العصا فجمعتها وقد صيروا عجم العصا عبرات
وألبست نعماك الفقير وغيره وأتبعت برًا واصلًا بصلات
فعزك مقرون بعلم وسؤدد وجودك مقرون بصدق عدات
وما افتقدت منك القبائل ساعة جوادًا يبذ الرمح حلف هبات
ومالك ظللتنا منك بالخير نعمة جعلت لها أمثالها أخوات
بسطت الغنى والفتك والخير والندى بشدة إقدام وحسن أناة
[ ٢٢٤ ]
أبو دلف أفنى صفاتي مديحه وإني ليكفي الناس بعض صفاتي
به ارتد ملك كاد يودي وأسبغت على آل عيسى أفضل النعمات
بني قاسم مجدًا رفيعًا بيوته وشاد بيوت المجد بالعزمات
وأشبه عيسى في نداه وبأسه وفي حبّه الإفضال والصدقات
وأشبه إدريس الذي حد سيفه تشب به النيران في الفلوات
كأن جياد المقليين في الوغى جهنم ذات الغيظ الزفرات
أبوه عمير قاد أبناء وائل إلى العز الكشاف للكربات
بنو دلف بالفضل أولى لأنهم معادن أيقان بما هو آت
كأن غمام العز حشو أكفهم إذا طبق الآفاق بالديمات
هذا البيت أقرت الشعراء قاطبة أنه لا يكون وراءه حسن ولا جودة معنى، على أن القصيدة كلها نمط واحد دونه الديباج.
إذا زرتهم في كل عام تباشروا ولم يغفلوا الإلطاف والنفحات
فكم أصلحوا حالي وأسنوا جوائزي وأجروا على البذل والنفقات
وإني على ما في يدي من حبائهم كمعن ومثلي طلحة الطلحات
فمنية قومي أن أخلد فيهم ومنية أعدائي نفاد حياتي
أنا الشاعر المملي على ألف كاتب ويسبق إملائي سريع فرات
فأبدي ولا أروي لخلق قصيدة وأحسب إبليسًا لحسن وراتي
[ ٢٢٥ ]