حدثني أحمد بن عبد الله البكري عن ابن سنان البصري قال:
كان أحمد بن المعذل لي صديقًا، وكنت أغشاه كثيرًا، فلما قدم
[ ٣٦٧ ]
من سر من رأى، من عند أمير المؤمنين صرت إليه، ورأيت جلة أهل البصرة عنده، وقد كان الخليفة أكرمه، وخلع عليه ووصله بمال كثير، فلم أر أخاه عبد الصمد عنده فيمن أراه، فقلت: ما لي لا أرى أبا القاسم عندك؟ فقال: إن أبا القاسم أعزه الله وافتنى هديته في هذه الليلة التي قدمت فيها بما يكون من الأخ البار بأخيه، فإن أحببتم أريتكم ذلك، قلنا له: قد أحببنا، أصلحك الله، فمثله من بر، ومثله من وصل وأكرم أخاه. فرفع ثِنى وسادته وأخرج رقعة وإذا فيها:
وغاب وخصيتاه كأكرتين وآب وخصيتاه كنصف دُبّهْ
ولما أن أتته دريهمات من السلطان باع بهن ربه
وكان يذمهم في كل يوم يشي بالجهل والهذيان خُطبه
كسبت أبا الفضول لنا معابًا وعارًا قد شملت به وسبه
ولم نر مالكًا أجدى عليه كما أجدى على النرسي شعبه
ثم قال: هذا بره وإكرامه إياي. قلنا: بئس والله ما أهدى. وقبحنا فعله. فقال: إن لم يكن مع هذا غيره فنحن بخير، قلنا: وما عسى أن يكون؟ فقال: هيهات، أنا أعرف أبا القاسم أعزه الله.
ومما يستحسن له قوله:
ناديته وظلام الليل معتكر تحت الرواق دفينا في الرياحينِ
فقلت: قم. قال: رجلي لا تطاوعني فقلت: خذ. قال: كفى لا تواتيني
إنى غفلت عن الساقي فصيرني كما تراني سليب العقل والدين
[ ٣٦٨ ]
وله أيضًا:
لما رأيت البدر في أُفق السماء وقد تعلى
ورأيت قرن الشمس في أفق الغروب وقد تدلى
شبهت ذاك وهذه وأرى شبيههما أجلا
وجه الحبيب إذا بدا وقفا الحبيب إذا تولى
وهذا معنى ما سبقه إليه أحد: تشبيه الوجه مقبلا بالبدر، وتشبيه القفا موليًا بالشمس ليلة المقابلة ولكنه أخذه من كلام مشهور لأبي نواس ومسلم بن الوليد، كانا واقفين في الشماسية إذ أقبل غلام كأن خوط بانٍ، بوجه كالبدر، بهاء، فقال مسلم لأبي نواس: ويحك يا أبا علي أماترى هذا؟ قال: رأيته، فتبارك الله رب العاملين وخالق هذا، ثم ولي الغلام فإذا قفاه مستدير لم ير الناس مثله في الدنيا فتحيرا فيه فقال مسلم:
الوجه بدر والقفا شمس.
فقال أبو نواس: ووجه ذابح.
[ ٣٦٩ ]