حدثني الشيرازي قال: حدثني ابن أبي طاهر قال: سمعت أبا عبد الله ابن محمد يسأل الجهم بن بدر - معلم علي - أن يحبسه في المكتب لشيء وجد عليه، فحبسه إلى الظهر، وضاق صدره، فأخذ شق لوح وكتب فيه إلى أمه، وبعث به مع بعض الصبيان إليها من حيث لا يعلم أبوه:
يا أمنا أفديك من أم أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرح الصبيان كلهم وبقيت محصورًا بلا جرم
فلما قرأت الأم البيتين وثبت إلى لحية الجهم فنتفت أكثرها، فذهب الجهم بنفسه حتى أطلقه.
وحدثني أبو العباس الشاعر قال: حدثني ابن أبي عروبة قال: كان علي بن الجهم شاعرًا مفلقًا مطبوعًا، يضع لسانه حيث يشاء، وكان هجاء، فأولع بآل طاهر يهجوهم وينسبهم إلى الرفض. فمما عرض به قوله وهو محبوس:
[ ٣١٩ ]
تضافرت الروافض والنصارى وأهل الإعتزال على هجائي
وعابوني وما نبي إليهم سوى بصري بأولاد الزناءِ
وإنما عني بالروافض الطاهريين. وبأهل الاعتزال بني داود، وبالنصارى بختيشوع بن جبريل، فإنه كان يعاديه. ووجد عليه طاهر من ذلك، فما زالوا يكاتبون المتوكل في أمره ويحتالون، حتى أخرج إلى خراسان، فلما وقع في أيديهم صلبوه بباب الشاذياخ، فاجتمع الناس ينظرون إليه وقد صلب عريانًا، فقال وهو على خشبته:
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة ال إثنين مغموزًا ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملءَ عيونهمْ حُسنًا وملءَ قلوبهم تبجيلا
ما ضره أن بز عنه لباسه فالسيف أهول ما يرى مسلولا
فاتصلت الأبيات بالقوم فأنزلوه وأكرموه.
ومن خبيث هجائه:
بني متيم هل تدرون ما الخبر وكيف يستر أمر ليس يستتر
حاجيتكم: من أبوكم يا بني عصبٍ شتى ولكنما للعاهر الحجرُ
قد كان شيخكم شيخًا له خطرٌ لكن أمكم في أمرها نظر
فلم تكن أمكم والله يكلؤهامحجوبة دونا الأبواب والستر
كانت مغنية الفتيان إن شروا وغير محجوبة عنهم إذا سكروا
وكان إخوانه غرًا جحاجحة لا يمكن الشيخ أن يعصى إذا أمروا
قوم أعَفّاء إلا في بيوتكم فإن في مثلها قد تخلع العذر
[ ٣٢٠ ]
قوم إذا نسبوا فالأم واحدة والله أعلم بالآباء إذ كثروا
حدثني ابن أبي فنن قال: حدثني أبو عبد الله اليحصبي قال: لما قال علي بن الجهم وهو محبوس كلمته التي يخاطب فيها المتوكل: قالت:
حُبست فقلت ليس بضائري حبسي، وأي مهند لا يغمدُ
ثم قال حين صلب:
ما ضره أن بز عنه لباسه فالسيف أهول ما يرى مسلولا
حكموا له بأنه أشعر الناس، فأذعنت له الشعراء وهابته الأمراء.
ومما يختار له قوله:
هي النفس ما حملتها تتحملُ وللدهر أيام تجور وتعدلُ
ولا عار أن زالت عن الحر نعمة ولكن عارًا أن يزول التجمل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة وأفضل أخلاق الرجال التفضلُ
وله:
أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى
وأعلاك حتى لو أن السما تنال لجاوزتها مصعدا
فما بين ربك جل اسمه وبينك إلا نبي الهدى
وأنت بسنته مقتد وفيها نجاؤك منه غدا
ويستحسن له أيضًا قوله من رائيته في المتوكل:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعًا وبالشمس قالوا حق للشمس والبدر
ولو قُرنت بالبحر سبعة أبحر لما بلغت جدوى أناملك العشر
[ ٣٢١ ]
وله:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعًا بخسناك حظًا أنت أبهى وأكمل
ونظلم إن قسناك بالليث في الوغى فإنك أحمى للذمار وأبسلُ
فلا عرف إلا قد تجاوزت حده ولا بحر إلا سيب كفك أفضل
وهو ممن شهر بشعره، ووجد عند الخاصة والعامة، وليس قصدنا الاستقصاء، وفيما ذكرناه كفاية.