حدَّثني محمد بن يزيد المبرد قال: أخبرني علي بن القاسم قال: قال علي بن جبلة: زرت أبا دلف، وكنت لا أدخل عليه إلا تلقاني ببشره، ولا أخرج من عنده إلا أتبعني ببره، فلما كثر ذلك هجرته أيامًا حياء منه، فبعث إلي أخاه معقلًا فقال: يقول لك الأمير: لم هجرتنا وقعدت عنا؟ إن كنت رأيت تقصيرًا فيما مضى فاعذرنا فإنا نتلافاه فيما استقبل، وأزيد فيما تحب من برك، فكتبت معه إلى أبي دلف بهذه الأبيات:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنني لما أتيتك زائرًا وأفرطت في بري عجزت عن الشكر
[ ١٧٠ ]
قم الآن لا آتيك إلا مسلمًا أزورك في الشهرين يومًا أو الشهر
فإن زدتني برًا تزيدت جفوة فلا نلتقي طول الحياة إلى الحشر
قال: فلما نظر فيها معقل استحسنها - وكان أديبًا شاعرًا. يقدم في الأدب على أبي دلف - فقال لي: جودت والله أحسنت. أما إن الأمير سيعجب بهذه المعاني، فلما أوصلها إلى أبي دلف استحسنها وكتب إليّ:
ألا رب ضيف طارق قد بسطته وآنسته قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجيني فما حال دونه ودون القرى والعرف من نائلي ستري
فلم أعد أن أدنيته وابتدأته ببشر وإكرام وبر على بر
وزودته مالًا يرجى نفاده وزودني مدحًا يقيم على الدهر
ووجه إليّ الأبيات مع وصيف وألف دينار، وذلك حيث يقول علي بن جبلة في قصيدته الغراء، التي سارت في العرب والعجم، وهي التي يقول فيها:
إنما الدنيا أبو دلف بين باديه ومحتضره
فإذا ولي أبو دلف ولت الدنيا على أثره
حدثني ابن أبي جرير بن جبلة قال:
كل من في الأرض من عرب بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
إنما الدنيا أبو دلف بين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره
استشاط من ذلك وغضب وقال: ويلي على ابن الفاعلة يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف، وطلبه فهرب إلى الجزيرة. فكتب في طلبه
[ ١٧١ ]
وأخذه، فحمل إليه، فلما صار بين يديه قال: يا ابن اللخناء، أنت القائل للقاسم بن عيسى:
كل من في الأرض من عرب بين باديه ومحتضره
مستعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
فقال: يا أمير المؤمنين، عنيت أشكال قاسم وأشباهه من الناس، فأما أنتم فقد أتاكم الله بالفضل عن سائر عباده، لأنه اختصكم بالفضل والنبوة والكتاب والحكمة، وجمع لكم إلى ذلك الخلافة والصلاة والملك. وما زال يستعطفه حتى عفا عنه.
وقال بعض الرواة - منهم ابن أبي فنن -: بل قتله. وذلك أنه قال: أما إني لا أستحل دمك بهذا القول. ولكن أستحله بكفرك وجرأتك على الله، إذ تقول في عبد مهين، تسوي بينه وبين رب العالمين، حين تقول:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد إلا قضيت بأرزاق وآجال
قال: فأمر فأخرج لسانه من قفاه، ثم قتله. والأولى عندنا أثبت، إنما مات علي بن جبلة حتف أنفه. والقصيدة هذه:
ذاد ورد الغي عن صدره فارعوى، واللهو من وطره
وأبت إلا الوقار له ضحكات الشيب في شعره
ندمي إن الشباب مضى لم أبلغه مدى أشره
انقضت أيامه سلما لم أهج حربا على غيره
[ ١٧٢ ]
حسرت عني بشاشته وذوي اليانع من ثمره
وصغت أذني لزاجرها ولما تشجي لمزدجره
إذ يدي تعصي بقوتها لا ترى ثأرًا لمثئره
والصبا سرح أطيف به فأصيب الأنس من نفره
ترعوي باسمي مسارحه ويلي ليلى بنو سمره
وغيور دون حوزته حزت خلف الأمن من حذره
ودم أهدرت من رشإ لم يرد عقلًا على هدره
بات يدني لي مقاتله ويفديني على نفره
فأتت دون الصبا هنةٌ قلبت فوقي على وتره
جارنا ليس الشباب لمن راح محنيًا على كبره
ذهبت أشياء كنت لها صارفًا حلمي إلى صوره
طرقت تلحى فقلت لها مذهب ما أنت من سوره
قدك من موف على أمل تحسر الأبصار عن نظره
إن من دون الغني جبلًا ستكوس العيس في وعره
[ ١٧٣ ]
يتناصلن السرى قذفًا قد كساها الميس من قتره
كم دجى ليل عسفن به يبتعثن الصبح من كسره
يتفرى عن مناسمها كتفري النار عن شرره
دع جدا قحطان أو مضر في يمانيه وفي مضره
وامتدح من وائل رجلًا عصر الآفاق من عصره
المنايا في مناقبه والعطايا في ذرا حجره
هضم الدنيا بنائله وأقال الدين من عثره
ملك تندى أنامله كابتسام الروض عن زهره
مستهل عن مواهبه كانبلاج النوء عن مطره
[ ١٧٤ ]
عقد الجد الأمور به حين لم ينهض بمتعره
فكفاها واستقل بها لم تصف وهنًا قوي مرره
جبل عزت مناكبه أمنت عدنان في ثغره
إنما الدنيا أبو دلف بين معراه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أًثره
لست أدري ما أقول له غير أن الأرض في خفره
يا دواء الأرض إن فسدت ومجير اليسر من عسره
رب ضافي الأمن في وزر قد أبت الخوف في وزره
وابن خوف في حشا خمر نشته بالأمن من خمره
وزحوف في مواكبه كصياح الحشر في أمره
قدته والموت مكتمن في مذاكيه ومشتجره
[ ١٧٥ ]
فغدا جيلوه عنه وقد طوت المنشور من بطره
زرته والخيل عابسة تحمل البوسي إلى عقره
خارجات تحت رايتها كخروج الطير من وكره
فأبحت الليل عقوته وقريت الطير من جزره
وعلى النعمان صفوتها فأقمت الميل من صعره
غمط النعمان صفوتها فرددت الصفو في كدره
وبقرقور أدرت رحا وقعة فلت شبا أشره
وتأنيت البقاء له فأبى المحتوم من قدره
وطغى حتى رفعت له خطة شنعاء من ذكره
قال أحمد بن محمد المظفر: قال لي شيخ من بني عجل من آل أبي دلف: كان قرقور هذا صعلوكًا، يقطع حوالي عمل أبي دلف، وكان شجاعًا بطلًا، لا يقاومه أحد، وكان قطع على مال جليل كان حمل إلى
[ ١٧٦ ]
أبي دلف من بعض النواحي، وقتل فرسانًا كانوا مع ذلك المال، فطلبه أبو دلف فلم يقدر عليه، وذلك أنه لم يكن يقيم في موضع ينسب إليه أو يعرف به إنما كان يصبح بمكان، ويمسي بمكان غيره، فضلت فيه حيلة أبي دلف، وطال عليه أمره، وكان أكثر ما يقطع وحده، وليس معه غير غلامين، وخرج يومًا أبو دلف يتصيد. وانقطع عن أصحابه في وحش طرده، حتى دفع إلى ثنية جبل، فلم يشعر حتى أقبل قرقور على فرس جواد يخرق الأرض خرقًا، فلما نظر إليه أبو دلف سقط في يده، فإنه كان وحده وكان قرقور لا تقوم له فوارس مثل أبي دلف، وعلم أنه إن ولي عنه هلك، فحمل عليه أبو دلف ونادى: يا فتيان، اليمن اليمن. فظن قرقور أن معه خيلًا قد كمنوا له فدهش وولى هاربًا، وأتبعه أبو دلف حتى وضع رمحه في ظهره، واعتمد عليه حتى أخرجه من صدره، ثم صرعه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه، وأدخله الكرج على رأس رمح. فذلك قول علي بن جبلة:
وطغى حتى رفعت له خطة شنعاء من ذكره
ويقال: إن رمحه حمل بين اثنين حتى أدخل الكرج.
ومن القصيدة:
أيّ يوميك اعتزيت له استضاء المجد من قتره
[ ١٧٧ ]
لو رميت الدهر عن عرض ثلمت كفاك من حجره
صاغك الله أبا دلف صيغة في الخلق من خيره
كل من في الأرض من عرب بين باديه إلى حضره
مسعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
وقد سارت هذه في أبي دلف مسير الشمس والريح، وأخذ منه بها مالًا جليلًا.
قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: حدثني ابن رزين قال: ولد علي بن جبلة أعمى. وقال غيره: بل كف بصره وهو صبي. وحدثني أبو حفص البصري قال: لما امتدح علي بن جبلة حميدا الطوسي واستأذن فدخل عليه ينشده قال: وما عسيت أن تقول فينا؟ وهل بقيت لأحد مدحًا بعد قولك في أبي دلف.
إنما الدنيا أبو دلف بين معراه ومحتضره
فإذا ولي حميد فعلى الدنيا السلام
قال: فتبسم حميد ولم يقل شيئًا. وتعجب كل من حضر المجلس
[ ١٧٨ ]
من جودة بديهته، لأنهم علموا أنه إنما قالهما على البديهة في ذلك الوقت، فأحسن حميد جائزته وأرغد له، وسار بيتاه في أبي دلف بين الخاصة والعامة، ولم يسر بيتاه في حميد حسب ذلك، وإنما يرويهما أهل الأدب وخاصة الناس وأهدى علي بن جبلة إلى حميد الطوسي في يوم نيروز - وأهدي الناس من فنون الهدايا ما بلغ خطرًا عظيمًا - هذه القصيدة، فسر بها حميد وقال: والله إنها أحب إلي من جميع ما أهدي إلى في هذا اليوم. وهي هذه:
دمن الدار دثور ليس فيهن مجير
بليت منها المغاني مثل ما تبلى السطور
قسم البين عليه ن رواح وبكور
وليال ساجيات نام عنهن السمير
فطوت أخبيه الحي كما يطوي الحبير
فاستجر بهم فدوت من نوى البين جرور
وبعينيك حمول ال حي والبين الشطير
[ ١٧٩ ]
كذرا النخل أشاعت رهوها الريح الدبور
خلفت بالدار جور وغدت في الظعن حور
بدلا ما استبدل الدا ئر فيها والمدير
نفرٌ مستجفلات لم ترببها الخدور
وبما أعتسف العي س أسدى أنير
وأزور الكاعب الخو د تواريها الستور
إذ عيون الدار صور وإذ الجيرة خير
اعذلي. إن سفاهًا من كبير لكبير
ألفت عينك عيني فأبى ذاك القتير
لم يدع لي ولأخدا نك ما يخشى الغيور
فارقدي ما وسنت عي نال، والنوم غزير
قلق الجسرة والرح ل عليها والضفور
وقران البيد بالبي د كما يلوي المرير
[ ١٨٠ ]
وقطًا نازعته المو رد والليل كفور
لم يذر في نواحي هـ من الصبح ذرور
بنواج حز منهنّ النجاء المستطير
لحميد وحميد قمر الأرض المنير
قال أبو العباس: ما سمعت أحسن من هذا التخلص من النسيب إلى المدح مع جودة هذه المعاني:
لو حمى الدنيا حميد لم يكن فيها فقير
ملك كلتا يديه بعطاياه درور
وكلا يوميه في الأر ض بشير ونذير
مستبد الشأو لا يب لغ مسعاه الفخور
إن من حاول في الأف ق اطلاعًا لحسير
وكفاه أنه يم تساميه البحور
أريحي منهب المال وبالسيف شتور
وركوب ثبح الخط ة يخشاها الجسور
ضمن الأرض حميد فهو للأرض خفير
[ ١٨١ ]
بيد تنهل خلفي ن فتحيي وتبير
يغلق المال عليها وبها تشجي الدثور
صامتي فرع المج د وزكته النجور
فله الحمد المبدي وله الحمد الأخير
كدر الناس وصا في النيل ما فيه كدور
وعجول بعطايا وعلى الروع قتور
ما أعز الله جارًا بسواه يستجير
يا أبا غانم الغن م على من يستمير
وأبا الأمن إذا ضا قت من الخوف الصدور
بك ركن الأرض يرسو ورحي الملك يدور
أنت للملك نصير ولك الله نصير
رب ملتف السرايا غرة منك الغرور
أبطرته دعة النعم ة والعز النمير
قدته بالخيل قودًا يوم قيد الخيل زور
[ ١٨٢ ]
وخميس تقبض الأر ض له، ظل يسير
تصل البيض خطاه وقنا الخط شجير
ويناحي، فيه للمو ت أيامي تمور
مثل ما لفّ إليه قزع المزن الصبير
قد تركت الطير سا لمة وهو عقير
يستهل العلق الصا يل منه العتير
أنت للصبح ضياء ليس للصبح نكير
وإلى مجدك ينمي كل مجد ويحور
وندى كفيك بحرٌ منه تنشق البحور
كل ذي مجد طويل عند مسعاك قصير
وقليل من أيادي ك على الناس كثير
فابق ما عد من الده ر سنوه والشهور
ومما يستحسن لعلي بن جبلة في الغزل قوله:
إني ليقنعني تعهد شكلة إن حال دون لقاء شكلة حائل
ويزيدني كلفًا بها هجرانها ويسرني عنها الحديث الباطل
وإذا تلكم عاذل في حبها أغرى الفؤاد به وزق العاذل
[ ١٨٣ ]
من أين امتحنت محاسن وجهها بهر العيون بها هلال مائل
شجيت خلاخلها بساق خدلة وشجيت عمدًا بالذي هو قائل
ومما يختار لعلي بن جبلة قوله:
أبيت فما تسعف وجرت فما تنصف
وتحلف لي بالهوى وتنكث ما تحلف
حبالك منحلة وودك مستطرف
وتهجرني واثقًا فثق فأنا المدنف
سأعطف من حيث لا تلين ولا تعطف
وأسكت لا أشتكي وأعرف ما تعرف
تجاوزت أقصى المنى فخلقك لا يوصف
فما تحته مثقل وما فوقه أهيف
حميد أبو غانم له الشرف الأشرف
مكارمه تنتمي وأمواله تتلف
شحيح على عرضه وفي ماله مسرف
له كنف ضامن على الأرض من يكنف
وقحطان تبهى به وتبهي به خندف
وتضحي به طبيّ على غيرها تشرف
ومما يختار له قوله في حميد أيضًا:
بطاعة الله طلت الناس كلهم ونصح هاد أمين الملك مأمون
حميد يا قاسم الدنيا بنائلة وسيفه بين أهل النكث والدين
[ ١٨٤ ]
أنت الزمان وقد يجري تصرفه على الأنام بتشديد وتليين
لو لم تكن كانت الأيام قد فنيت بالمكرمات ومات المجد مذ حين
طويت كل حشا منها على أمل إلى قرينة خوف منك مقرون
قال: وتكلم الناس في هذه الأبيات واستجهلوه لأنه جعل للمخلوق قدرة الخالق. إلا أنه قد ابتدأ فقال: بطاعة الله فعلت وصنعت. فكأنه أراد أنك بلغت بالله ﷿ ما بلغت. وهذا صحيح.