هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية.
حدثني مسلم بن رياح الجريري قال: حدثني أبو رياح بن عمرو قال: قدم عمارة من البادية إلى الحضر حين اتصل بالناس شعره، وكان أشعر أهل زمانه، وكان ينحو نحو أبيه وجده، ولا يأخذ في معنى من المعاني إلا استغرقه، وكان نقي الشعر، محكم الرصف جيد الوصف، من أهل بيت الشعر، وكان مداحًا للخلفاء والوزراء والأشراف والملوك، فكسب مالًا عظيمًا وانصرف إلى البادية.
حدثني عمر: قال: قدم عمارة بن عقيل من البادية إلى الحضر، وهو
[ ٣١٦ ]
أفصح الناس، وأحسنهم هديًا وقصدًا، صحيح الدين، ليس عنده من المجون والسخف شيءٌ، فما رجع إلى البادية وهو مؤمن بحرف من كتاب الله، وذلك أنه وقع إلى قوم يقولون بالدهر، فعاشرهم فأفسدوا عليه دينه، فكان بعد ذلك لا يرجع إلى شيء من أمر الدين.
ومما يستجاد لعمارة بن عقيل:
عناء القلب من سلمى عناءُ وما أبدًا له منها عزاءُ
تكلفني هواها النفس جهلًا وخير نصيبها منها الرجاء
رقيقة مرشف المسواك، فيها مع الدل الملاحة والبهاء
غذاها عيش مرغدة وشيب تمدحها، وتعسفها النساء
تطببها له بصدود عمرو فأعيانا التطبب والدواء
وشر جزاء ذي نعمى نجرنا بنو عمرو إذا احتمل الجزاء
منعناهم بني سعد وعمروعبيد عصًا لسعد أو إماءُ
ومما يختار له أيضًا:
ويرفع المال أقوامًا وإن خملوا ويزري الفقر أقوامًا وإن كرموا
وقد رأيت رجالًا إذ رأيتهمُ خلو مواريثهم للناس واخترموا
[ ٣١٧ ]
لم يحملوا بالذي خلوا وراءهمُ ولم يحوزا به إلا الذي اجترموا
عُمار إن أحق الناس كلهم بأن تزور إمام الأمة الحكم
الواهب الألف والمخشى صولته والمحكم العقد لما خانت الأمم
والقائد الخيل نحو الثغر معلمة شعثًا تصلصل في أفواهها اللجم
وله أيضًا:
طرقت أميمة والعيون نيام شعثًا وأطلاحًا بهن أوام
أوقعن تحليل اليمين بقفرة يهماء طامسة بها الأعلام
جبن الدجى وجشمن كل تنوفة حتى كأن صحاحهن سقام
حيا الإله خيالها من زائر ومع التحية خيرة وسلام
أأميم إنك لو بليت خلائقي لعلمت أني ماجد بسام
شهاد أندية الكرام مزور وفر التلاد ملوم لوام
أشبهت آبائي فجئت كمثلهم كانوا الأُلى قدم لها وإمام
ومما يستحسن له قوله - والمرثية في أخيه -:
أخي يوم أحجار الثمام بكيته ولو حم يومي قبله لبكاني
[ ٣١٨ ]
تداعت له أيامه فاخترمنه وأبقين لي شجوًا بكل مكان
فليت الذي يبكي بعثمان غدوة دعا عند قبري مثلها فنعاني
فلو قسمت في الجن والإنس عبرتي عليه بكى من حرها الثقلان