وهو المعروف بابن أبي السعلاء.
حدثني عبيد الله محمد الأنصاري قال: حدثني الخصيب بن محمد قال: اجتمعت الشعراء يومًا بباب الرشيد. فسألوا الإذن، فلم يأذن لهم، ثم بدا له، فقال للحاجب: أخرج إليهم فقل لهم: من اقتدر أن يمدحنا بالدين والدنيا في ألفاظ قليلة فليدخل. فبادر ابن أبي السعلاء فاستأذن. فقال للحاجب: ادخله. فأدخله. فقال له الرشيد: أنشدني قولك:
أغيثًا تحمل الناق ة تحمل هارونا
فقال: أنشدك ما اخترته وشرطته اليوم، فقال: بل أنشدني الأبيات فأنشده:
أغيثًا تحمل الناق ة أم تحمل هارونا
أم الشمس أم البدر أم الدنيا أم الدنيا
ألا لا بل أرى كل ال ذي عددت مقرونا
[ ١٥٠ ]
على مفرق هارون فداه الآدميونا
قال: فأجزل له في العطاء، فاجتمع عليه الشعراء ففرق عليهم صلته. وكان الرسم في ذلك الزمان إذا وصل الخليفة أحدًا من الشعراء وحرم الباقين أن يصلهم ذلك الشاعر ويعطيهم على منازلهم ومراتبهم.
وكان ابن أبي السعلاء تصدى لهارون بالمدينة وهو حاج. وقد خرج عنها يريد مكة على راحلة، فارتجل هذه الأبيات التي كتبناها رافعًا بها صوته. وأعطاه عليها مالًا جزيلًا.
ومما يروي له في الرشد قصيدته التي يقول فيها - وقد قدم الرشيد قافلًا من غزاته وقد ظفر بهم وغنم:
قرت عيون المسلم ين بمقدم الملك الرشيد
قرت به عين القري ب من الرعية والبعيد
بين المنابر والمجا لس والمدائح والنشيد
هارون أنت خليفة صورت من كرم وجود
الناس من طين وأن ت البدر في فلك السعود
وهم كأيام الشهو ر وأنت فيهم يوم عيد
وهي طويلة مشهورة.
ومما يستحسن له مرثيته في الرشيد التي يقول فيها:
مات الإمام فعم أه ل الدين كلهم مصابة
عرين منه ركابه فتعطلت منه قبابه
وتفردت أجناده وخلا من الحراس بابه
[ ١٥١ ]
وأقام في ملحوده لا يرتجي منه إيابه
في الرمس مقترب المح ل لحافه منه ترابه
ما هابه القدر الذي أودى به غضًا شبابه
قد كان كل الناس تر جوه وكلهم تهابه
فاعتاقه ريب المنو ن وحان من أجل كتابه
وهي أيضًا طويلة سائرة.
ومما يستحسن له مرثيته لهارون:
يا ليلة السبت التي طلعت كواكبها نحوسا
كنت البسوس عليهم بل فقت في الشؤم البسوسا
قفل الغزاة وخلفوا هارون في جدث حبيسا
في غربة من أهل طو س فليتني فارقت طوسا
ترحًا لنا إن لم نقت ل عند مصرعه النفوسا
وهي أيضًا طويلة سائرة.
ومما يختار له قوله في الرشيد يمدحه:
قل للإمام الهاشمي الذي عليه تاج الملك معقود
بلغت بالجود مدى غاية قد كان عنها قصر الجود
هارون بدر باهر زاهر تنجاب عنه، الظلم السود
ومما يستملح قوله أيضًا:
إن للموكب نورًا ساطعًا بغشي العيونا
أترون البدر فيه أم أمير المؤمنينا
وولاة العهد عطفي هـ شمالًا ويمينًا
وأشعاره كثيرة، وهو من فحولة المحدثين المجيدين.
[ ١٥٢ ]
أخبار أبي الهول الحميري
حدثني إبراهيم بن محمد قال: حدثني محمد بن عبد السلام قال: غضب الفضل بن يحيى على أبي الهول في شيء وجده عليه - وكان عنده قبل ذلك في حالة رفيعة، وكان الفضل معجبًا بشعره، وكان يصله بالصلات السنية - فلما غضب عليه جفاه الناس وتنكروا له، فلم يدر بمن يتحمل عليه ويستشفع حتى يرضى عنه، فلما ضاق به ذرعه قال:
سما نحونا من غضبة الفضل عارض له زجل فيه الصواعق والرعد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد من الجرم ما يخشى عليّ به الحقد
فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره ورأيك فيما كنت عودتني بعد
فلما قرأ الفضل رقعته وقع فيها: رضاي عنك مقرون بإحساني إليك، فإن أردت أن أفرق بينهما لم أفعل. وحمل إليه صلة، واستغني بالأبيات عن الشفع.
مما يستملح له كلمته في العباس بن محمد يرثيه - وكان محسنًا إليه:
أتحسبني باكرت بعدك لذة أبا الفضل أو كشفت عن عاتق سترا
أو انتفعت عيناي بعد بنظرة وأني من حسناء مرتشف ثغرا
جفاني إذن يرمي إلى الليل مؤنسيوأضحت يمني من مكارمها صفرا
ولكنني استشعرت ثوب استكانة وبت كأن الموت يحفر لي قبرا
ومما يستحسن لأبي الهول قوله في الغزل:
وواحدة الجمال بلا شريك لها صفة تتيه على الصفات
[ ١٥٣ ]
لها خلقان من ملق وتيه هما زفا الحياة إلى الممات
وقلب لا يجيب إذا دعونا وطرف يستجيب لنا مواتي
وأحيانا تموتني بصد فينشرني التلاحظ بالغداة
دعي ذكر الصلاة فإن ذكري لوجهك بالصلاة لها قراتي
أصلي ساهيًا بك لست أدري إذا صليت كم كانت صلاتي
دهيت على المشيب بحب ريم يحاذر ظله حلك الفلاة
ومما يستحسن له قوله في الغزل:
إن أنل منكم ثلاث خصال كنت لو نلتها بأحسن حال
لا لمامًا ولا لثامًا ولا وع دًا وإن لم تفز لنا بوصال
وأنا العاشق لمتيم المش غوف والمستهام أخرى الليالي
يا مهني هناك جسم صحيح قد براني هواك بري الخلال
لو حملن الجبال عشر الذي بي من هواكم لأيقنت بزوال
ربما تجزع النفوس من الأم ر له فرجة كحل العقال
ومما يروى له قوله في بعض البرامكة:
أصبحت محتاجاَ إلى الضرب في طلبي المعروف من كلب
قد وقح السب له وجهه فصار لا ينحاش للسبّ
وأبو الهول من المحدثين المجيدين المشهورين.
[ ١٥٤ ]