قال أبو عبد الله: هذا إنما هو من بني سعد، والشيباني غيره.
وكان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس، وكان طاهر بن الحسين ابن مصعب قد استخصه واختاره لمنادمته، فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر، وكان إذا سافر فهو عديله يحادثه ويسامره، وإذا أقام فهو جليسه يذاكره العلم ويدارسه، وكان طاهرًا أديبًا شاعرًا يحب الأدب وأهله. وكان لا ينفق عنده شيء من متعة الدنيا كما ينفق الأدب، وكان عوف من أهل حران. وقال قوم: من رأس العين. وأقام مع طاهر ثلاثين سنة
[ ١٨٥ ]
لا يفارقه، حتى ليسأله كثيرًا أن يأذن له في الإلمام بأهله والخروج إلى وطنه، فلا يجيبه إلى ذلك، وكان يعطيه الجزيل حتى كثرت أمواله، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص، وأنه يلحق بأهله، ويتمتع بما قد اقتناه ببلده. فلوى عبد الله بن طاهر عليه يده، وتمسك به، وأنزله فوق منزله التي كانت من أبيه - وكان من آدب الناس وأعلمهم بأيام العرب وأجودهم قولًا للشعر - فعاد معه عوف إلى حاله التي كان عليها مع أبيه من الملازمة في الحضر والسفر، واجتهد في التخلص فلم يقدر على ذلك، حتى خروج عبد الله بن طاهر من العراق يريد خراسان، وعوف عديله في قبة يسامره ويحادثه. فلما شارفوا الري، وقد أدلجوا سحرة، إذا بقمري يغرد على سروة. بأشجى صوت وأرق نغمة، فالتفت عبد الله إلى عوف فقال: يا أبا ملحم، أما تسمع هذا الصوت؟ ما أرقه وأشجاه! قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح
قال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد أيها الأمير. كان في هذيل أربعون شاعرًا مذكورًا محسنًا سواء المتوسطين، وكان أبو كبير، من أظهرهم وأقدرهم على القول.
قال عبد الله: عزمت عليك إلا أجزت هذا البيت. قال عوف: أصلح الله الأمير، شيخ مسن وأحمل على البديهة، وعلى معارضة مثل أبي كبير، وهو من قد علمت؟ قال عبد الله: عزمت عليك وسألتك بحق طاهر إلا
[ ١٨٦ ]
فعلت. فأنشأ يقول:
أفي كل عام غربة ونزوح أما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبي فهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة فنحت وذو اللب الحزين ينوح
على أنها ناحت فلم تر عبرة ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى فتضحي عصا التسيار وهي طريح
فإن الغني يدني الفتى من صديقه وعدم الغني للمعسرين طروح
فاستعبر عبد الله ورق له لما سمع من تشوقه إلى أهله وبلده، فقال: يا بن محلم ما أحسن ما تلطفت لحاجتك، واستأذنت في الرجوع إلى أهلك وولدك! وإني بك لضنين، وبقربك لشحيح، ولكن والله لا جاوزت مكانك هذا حتى ترجع إلى أهلك وولدك. وأمر له بثلاثين ألف ردهم نفقة، ورده إلى موضعه ذلك. وذلك حيث يقول:
يا بن الذي دان له المشرقان وألبس الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالشطاط انحنا وكنت كالصعدة تحت السنان
وعوضتني من زماع الفتى وهمه هم الهجين الهدان
[ ١٨٧ ]
وهمت بالأوطان وجدا بها وبالغواني، أين من الغوان
فقرباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة أوطانها حران فالرقمتان
سقى قصور الشادياخ الحيا من بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها أن تتخطاها صروف الزمان
وهذه القصور التي ذكرها في شعره كلها بمرو ونيسابور، وهي مساكن آل طاهر، وكان عوف قد ألفها لكثرة غشيانه إياها، ومقامه معهم فيها، ولذلك يدعو لها. ثم ودع عبد الله وخرج من عنده على أيسر حال، فلما كان في بعض الطريق عاجلته منيته فلم يصل إلى أهله، واتصل الخبر بعبد الله فاشتد ذلك عليه وجزع له.
وفي عبد الله بن طاهر يقول عوف يمدحه:
إليك فما حظي لغيري بصائر ولا أجلي إن حم عني بقاصر
أعف وأستغني وإني لمقتر فتستر عفاتي عليّ مفاقري
وإني ليأتيني الغنى غير ضارع فأدنو به من صاحبي ومجاوري
لساني وقلبي شاعران كلاهما ولكن وجهي مفحم غير شاعر
ولو كان وجهي شاعرًا أكسب الغنى ولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر
فتى يختشي أن يخدش الذم عرضه ولا يتقي حد السيوف البواتر
غليل وقد أوردت دلوي ببحره ولا عيب في ورد البحور الزواخر
[ ١٨٨ ]
وقال يذكر عبد الله وأجداده:
بنو مصعب للملك في السلم زينة وفي الحرب دون الملك بيض بواتر
وحول رواق الملك من آل مصعب ليوث لأعناق الليوث هواصر
فما حال عن ود الخليفة طاهر ولا زال حتى غيبته المقابر
وخلف عبد الله للملك ناصرًا وهل مثل عبد الله للملك ناصر
فتى لو أسرت نفسه كفر نعمة لحاربها حتى تصح الضمائر
ومما سار له في الدنيا قوله الطاهر، إذ وقف على الجسر وطاهر في حراقة ينحدر إلى دار السلطان، فقال عوف رافعًا صوته:
عجبت لحراقة ابن الحس ين كيف تسير ولا تغرق
وبحران، من تحتها واحد وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها وقد مسها كيف لا تورق
وكان عوف بن محلم سخيا على الطعام جدًا، صاحب شراب ولهو وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم، ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم.
وقدم مرة شاعر على عبد الله يقال له روح من البصرة، فامتدح عبد الله بقصيدة، ومدح عوفًا بأبيات، وقد أنزله عنده وأحسن إليه، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة جدًا، قال أنشدني ما قلت في الأمير - واستدل
[ ١٨٩ ]
بما سمع على ضعف نمط الرجل - فأنشده. فقال: لا توصلها إليه، فإن الأمير بصير بالشعر، وهو يقول منه الجيد القوي، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعًا ينفعك، ولكني أقول فيه مدحه، فانتحلها والقه بها. فأبى، وظن أنه يقول ذلك حسدًا، وكان الرجل رقيعًا لا يفطن لعيب نفسه، فقال له: فشأنك إذن وما تريد. فأنشد روح قصيدته عبد الله، فقال له: بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك؟ أيقبل مثل هذا حر؟ وردها عليه، فصار إلى عوف وشكا إليه، فقال له: ألم أنصحك؟ ألم أقل لك: إنه لا يقبل مثل هذا الشعر؟ فلما دخل عوف على عبد الله قال: ويحك يا أبا ملحم، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا؟ قال عوف: بلى، أعز الله الأمير، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل.
وفي ذلك يقول عوف:
أنشدني روح مديحًا له فقلت: شعر؟ قال لي: فايش
فخلت لما أن بدا منشدا كأنني في قبة الخيش
فقلت: زدني وتغنمته والثلج في الصيف من العيش
ومما يستحسن لعوف ويختار له من شعره - على أنه كله مختار ليس فيه بيت ساقط. ولا ناقص -:
وكنت إذا صخبت ديار قوم صحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم وأجتنب الإساءة إن أساءوا
[ ١٩٠ ]
وأبصر ما يريبهم بعين عليها من عيونهم غطاء
ومما يختار له قوله:
وصغيرة علقتها كانت من الفتن الكبار
كالبدر إلا أنها تبقي على ضوء النهار
قالت غبار قد علا ك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملو ك إلى القبور من الديار
يا هذه أرأيت لي لًا يستنير بلا نهار
قالت: ذهبت بحجتي عني بحسن الإعتذار
ومما يختار له أيضًا قوله:
وليلتنا طابت وطاب بها الهوى إلى أن بدا أو كاد منسلخ الفجر
فما عدلتها ليلة ذات نعمة ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
إذا هي قيست بالليالي وجدتها يكاد يساوي فضلها ليلة القدر
تمليتها حتى الصباح بطفلة مصورة أبهى من الشمس والبدر
قتول بعينيها خلوب بدلها سلوب لألباب الرجال وما تدري
ومما يروى له ويستحسن قوله:
سألت المحبين الذين تجشموا تباريح هذا الحب في سالف الدهر
فقلت لهم: ما يذهب الحب بعدما تنشب ما بين الجوانح والصدر
فقالوا: شفاء الحب حب تفيده لآخر أو نأى طويل على الهجر
[ ١٩١ ]
أو اليأس حتى تذهل النفس بعد ما رجت طمعًا واليأس عون على الصبر
قعيدك من حب أمالك رحمة ولا بك عني من توان ولا فتر
وقتلتني حينًا وحينًا أعشتني فأفنيت عمري بالأمانة والنشر
ومما يستحسن له وهو من السائر المشهور له قوله:
فما زالت الكأس تغتالها وتذهب بالأول الأول
إلى أن توافت صلاة العشاء ونحن من السكر لم نعقل
فمن كان يعرف حق النعيم وحق الجليس فلا يجهل
وما إن جرت بيننا مزحة تهيج مراء على السلسل
ومما يختار له أيضًا قوله:
وإني لذو حلم على أن سورتي إذا هزني قوم حميت بها عرضي
وإن طلبوا ودي عطفت عليهم ولا خير فيمن لا يئول ولا يغضي
وما كل ذي غش يضرك غشه ولا كل من يؤتى كرامته يرضي
ومعترض في القول غربت قوله وقلت له ليس القضاء كما يقضي
ركبت به الأهوال حتى تركته بمنزل ضنك لا يكد ولا يمضي
وإني لأجزي بالكرامة أهلها وبالحقد حقدًا في الشدائد والخفض
ومما يختار له قوله:
وإني لمن أحببت حبي دائم ولست بذي لونين أسود أبلق
[ ١٩٢ ]
مدوف يرى الخلان منه تظرفًا له خلق عند البلاء ممزق
يخالط إخوانًا له بملاقة وثر الأخلاء الخئون المملق
وإني لأستحيي الصديق وأتقي وكل امرئ لا يتقي الدمم أحمق
ومما سار له قوله:
ما ينزل الله بي أمرًا فأكرهه إلا سينزل بي من بعده الفرجا
يا رب أمرين قد فرجت بينهما من بعد ما اشتبكا في الصدر واعتلجا