حدثني أحمد بن الهيثم قال: حدثني العرمزي قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال:
قال ابن وهيب الشاعر: والله لأحدثنك حديثًا ما مر بمسامعك مثله، إن أنت جعلته أمانة وكتمته علي، قلت: حدثني، قال: إنه ليس مما سمعت قط، قلت: كم هذا التعقد بالأمانة، حدثني ولا أخبر به أحدًا ما دمت حيًا، قال: بينا أنا بمكة أيام الموسم معها صبي يبكي، وهين تسكته ويأبى ولا يسكت، فأخرجت من فيها شق درهم فناولته الصبي فسكت، فتأملتها فإذا هي ذات وجه جميل وشكل رطب وظرف ليس بعده شيء، فقلت لها: أفارغة أنت أم مشغولة؟ قالت: بل مشغولة، وزوجي رجل من بني مخزوم، ولكني عندي فارغة ذات حر ضيق ووجه حسن وثبج كبير، أجمع لك هذا كله بأصفر سليم، قلت وما أصفر سليم؟ قالت: دينار، قلت: ليست هذه من شرائط الدنيا. هذه من شرائط الجنة، قالت: فهات إذن الشرط. فدفعت إليها فأخذته، وأخرجت آخر فقلت: اصرفي هذا في الطيب، قالت: إنها لا تمس الطيب للرجال، قلت: فاصرفيه في غيره، ثم مضت ودخلت زقاق العطارين فصعدت غرفة وقالت: اصعد، فصعدت، وصفقت بيدها لجارية لها فقالت: قولي لفلانة عجلي ولا تبطئي، فأقبلت جارية كأنها الشمس.
[ ٣١٠ ]
وقالت: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين ليحضرا: فقلت: هذا نعت علي بن أبي طالب ﵇. ثم جعلت أنظر إلى حسن وجه صاحبتها وحلاوة صورتها فكت أجن. وقالت لي صاحبتي: هذا التي ذكرت لك، وقالت للجارية: إني قد ذكرتك لهذا الفتى، وهو على ما ترين من الهيئة والجمال والنظافة والظرف، قالت: حياه الله وقربه، قالت: وقد بذل لك من الصداق دينارين، فقالت: يا أماه، أخبرته بشرطي؟ قالت: إني والله نسيت، فنظرت إليّ وقالت: إنها والله أشجع من عمرو بن معد كرب، وأكثر زهوًا من ربيعة بن مكدم، ولست تصل إليها حتى تسكر، فإذا سكرت ففيها مطمع فقلت: هذا هين. فإذا شيخان قد أقبلا، فخطب أحدهما وأجاب الآخر، فزوجاني ثم انصرفا، وأتينا بطعام فأكلنا، ثم أحضرت شرابًا فشربت وسقتني. فلما دب فينا الشراب غنت بهذا الصوت
راحوا يصيدون الظباء وإنني لأرى تصيدها عليّ حراما
أشبهن منك سوالفًا ومدامعًا فأرى لهن بذا ذماما
وهي توقع بقضيب على دواة. فوالله إني لأنتاب القيان منذ ثلاثين سنة إن كنت سمعت قط أحسن من صوتها، ولا غناء أحسن من غنائها، فكدت أطير طربًا وقلت: يا سيدة النساء ما سمعت بهذا الصوت قط، ولا عرفت هذا الشعر، قالت: بلى ولكن قام لمعبد فيه صوتان قلت: جعلت فداكن وليس إلا ما قلت؟ قالت: بلى ولكن ليس هذا وقته. فلما أمسينا قامت فصلت، وقمت فصليت. والله ما أدري كم صليت، حرصًا وطمعًا، وعدنا
[ ٣١١ ]
إلى شرابنا فشربت وناولتني، فلما مضت ساعة من الليل قلت لها: جعلت فداك أتأذنين لي في الدنو منك؟ قالت: قم أولا فتجرد وأمش مقبلًا ومدبرًا حتى أراك. فقمت وتجردت ومشيت وأنا منعظ، ولا أدري ما يراد بي، ثم وقعت بالقضيب على الدواة وغنت بأحسن صوت وأصنع غناء
كأني بالمجرد قد علته نعال القوم والخشب السواري
فلم افطن للحين الذي يراد بي، وقلت: جعلت فداك، أوليس لهذا البيت ثان؟ قالت: بلى، وسوف تسمعه بعد ساعة ثم قالت: امش حتى أراك بين يدي، ومشيت فقالت: توسط المجلس واقرب مني ففعلت، وهناك خرق إلى أسفل قد غطي ببواري ولا أعلم. فما وضعت رجلي عليه إذا أنا في سوق العطاري قائم، وإذا الشيخان قد كمنا لي بنعالهما، فضرباني حتى كدت أموت وأنا عريان، وإذا الصوت من الغرفة:
ولو علم المجرد ما أردنا لحاصرنا في الصحارى
فوالله يا أبا محمد لقد وقع على قفاي من النعال خفاف وثقال حتى رضضت، وإذا رجل يقول: ويلك رحلك لا ينذورا بك السلطان فنقع في بلية، فقمت وأنا مرضوض عريان متجرد حتى صرت إلى رحلي، فلما أصبحت وتهيأت للخروج مع أصحابي جعلت طريقي على سوق العطاري فنظرت فإذا الجارية في الغرفة فقالت لي: يا فتى هل لك في العود؟
[ ٣١٢ ]
قلت: أما على تلك الشرائط فلا. فسألت عنها فقيل: جارية من آل أبي لهب.
ومما يستحسن له من شعره قوله:
مات الثلاثة لما مات مطلبُ مات الحياء ومات الرغب والرهب
لله أربعة قد ضمهم كفن أضحى يعزى به الإسلام والعرب
يا يوم مطلب أبكيت أعيننا بعد الدموع دمًا ما دامت الحقب
فاذهب ذهاب غوادي المزن ما سفحتْ صوبًا على الأرض أو ما اخضرت العشب