حدَّثني جعفر بن إبراهيم بن نصير قال: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال:
[ ٢٧٩ ]
كان بين أحمد بن يوسف الكاتب وبين محمد بن يسير مودة، فكتب إليه يومًا يستزيره ليتآنسا ويتمتعا، فأجابه ابن يسير:
أجيء على شرط فإن كنت فاعلًا وإلا فإني راجع لا أناظر
ليسرج لي البرذون في وقت دلجتي وأنت بدلجاتي مع الصبح خابر
فأقضى عليه حاجتي ثم أنثنى إليك وحجام إذا جئت حاضر
يقصر من شعري ويحتف شاربي ومن بعد حمام معد وجامر
ودستيجة مملوءة بختامها يزودنيها طائعًا لا يعاسر
فكتب إليه أحمد بن يوسف مجيبًا له:
تشرط لما جاء حتى كأنه مغن مجيد أو غلام مواجز
وأقسم لولا حرمة هي بيننا لقفد بشار قفاه وياسر
وحدثني إبراهيم بن منصور النحوي قال: حدثني ابن أبي العلاء قال: فاخر رجل من الجلة يومًا ابن يسير، فقال له الرجل: يا هذا أتفاخرني وقد ركب جدي إلى الصيد في أربعة آلاف جارية، على أربعة آلاف برذون أشهب، على يد كل جارية بازي أبيض يصطاد الطواويس من أفرخة الزعفران؟ قال ابن يسير: " ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذه إلا اختلاق ". فحمله الرجل على برذون أشهب فاره، وأمر
[ ٢٨٠ ]
له بجارية حسنة، وكساه ثوب خز طاووسي، وحمله معه سلة زعفران. ثم قال: إن كان ما قلته باطلًا فما فعلته حق. قال ابن يسير: ما قلت أيضًا حق.
ومما يستحسن لابن يسير وسار له في العرب والعجم قوله:
لولا البنية لم أجزع من العدم ولم أجب في الليالي حندس الظلم
وزادني رغبة في العيش معرفتي ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم
أخشى فظاظة عم أو جفاء أخٍ وكنت أخشى عليها من أذى الكلم
إذا تذكرت بنتي حين تندبني جرت لعبرة بنتي عبرتي بدم
تهوى بقائي وأهوى موتها شفقًا والموت أكرم نزال على الحرم
وهذه ألفاظ كما سمعت في عذوبة الماء الزلال، ومعان أرق من السحر الحلال.
ومما يستحسن له قوله:
تخلى بهم في الفواد دخيل وأقلقه عزم النوى برحيل
وأبدى له وجه المنية يغتةً صدود حبيب وانحراف خليل
وساوره سقم وأسهره هوىً وروحه واش وابتكار عذول
وأسلمه صبر وبان عزاؤه فصودف حيًا في عيان قتيل
يرى لا طراد الدمع في صحن خده أخاديد شقت باستنان همول
على بدعة لما يرى الله خلقه فصوره فردًا بغير مثيل
[ ٢٨١ ]
تبدي كبدر لم يمر ببرجه كسوف ولم يكدر غداة أفول
أمات قلوبًا واستمال بأنفس تكشفن منه عن ذهاب عقول
خليلي إني قد رضيت قليله وإن كنت لا أرضى له بقليل
خليلي جثماني بكف نحوله ينادمه قلبي بكأس عليل
وهذا نمط كما تراه إنما هو السحر الحلال.
ومما يستحسن له قوله:
وصاحب السوء كالداء العياء إذا ما ارفض في الخد يجري من هنا وهنا
يبدي ويخبر عن عوراء صاحبه وما يرى عنده من صالح دفنا
فإن يكن ذا فكن عنه بمعزلة أو مات هذا فلا تشهد له خبنا
ولمحمد بن يسير حكم كثيرة، ومواعظ حسنة، وهو أنعت الناس للحيوان والطير والشاء، وما أشبه ذلك وله مرثية طويلة في بستان أكلته الشاء، ويقال أنه بستانه كان ذراعًا في ذراع، وقال بعضهم: بل كان شعيرًا تحت جرة ماء فهلك. ولم نذكرها خوف الإطالة.