حدثني القاسم بن داوود قال: أخبرني الحسن العلويّ قال: كان سكن جارية محمود الوراق من أحسن خلق الله وجهًا، وأكثرهم أدبًا، وأطيبهم غناء، وكانت تقول الشعر فتأتي بالمعاني الجياد والألفاظ الحسان، وكان محمود قد رقت حاله في بعض الدهر، واختلت اختلالا شديدًا، فقال لجاريته سكن: قد ترين يا سكن ما أنا فيه من فساد الحال، وصعوبة الزمان، وليس بي وجلال الله ما ألقاه في نفسي ولكن ما أراه فيك، فإني أحب أن أراك بأنعم حال وأخفض عيش، فإن آثرت أن أعرضك على البيع فعلتُ، لعل الله ﷿ أن يخرجك من هذا الضيق إلى السعة، ومن هذا الفقر إلى الغنى.
قالت الجارية: ذلك إليك. فعرضها، فتنافس الناس ورغبوا في اقتنائها، وكان أحد من بذل فيها أحد الطاهريين مائة ألف درهم، وأحضر المال، فلما رأى محمود تلك البِدَر سَلِس وانقاد ومال إلى البيع، وقال: يا سكن البسي ثيابك واخرجي. فلبست ثيابها وخرجت على القوم كأنها البدر الطالع، وكان محمود - وهي كذلك - معها، فقالت سكن وأذرت دمعها: يا محمود، هذا كان آخر أمري وأمرك أن اخترت علي مائة ألف درهم؟ قال محمود: فتجلسين على الفقر والخسف؟ قالت: نعم، أصبر أنا وتضجر أنت، فقال محمود:
[ ٣٦٦ ]
أُشهدكم إنها حرة لوجه الله، وأني قد أصدقتها داري وهي ما أملك، وقد قامت علي بخمسين ألفًا. خذوا مالكم بارك الله لكم فيه، قال الطاهري: أما إذ فعلت ما فعلت فالمال لكما، ووالله لا رددته إلى ملكي. فأخذ محمود المال وعاش مع سكن بأغبط عيش.
وشعر محمود كثير، وأكثره أمثال وحكم ومواعظ وأدب، وليس يقصر بهذا الفن عن صالح بن عبد القدوس وسابق البربري.
ومن قوله:
يُثمل ذو الحزم في نفسه مصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه لما كان في نفسه مثلا
رأى الهم يُفضي إلى آخرٍ فصير آخره أولا
وذو الجهل يأمن أيامه وينسى مصارع من قد خلا
فإن بدهته صروف الزمان ببعض مصائبه أعولا
ولو قدم الحزم في نفسه لعلمه الصبر عند البلا
توفي محمود الوراق في حدود المائتين والثلاثين.