هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة: وكان أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم أعتقه يوم الدار لأنه أبلى
[ ٤٢ ]
يومئذ. والدليل على ذلك قول مروان يذكر عتق أبي حفصة:
بنو مروان قوم أعتقوني وكل الناس بعدهم عبيد
حدَّثني عبد الرحمن بن محمد التميمي عن أبيه محمد بن حنظلة قال: قال شراحيل بن معن بن زائدة: عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد وهو في قبة وعديله يوسف القاضي وهما يريدان الحج، فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة فأنشده شعرًا؛ فقال يحيى في بيت: ألم أقل لك ألا ترجع إلى مثل هذا المعنى؟ ثم قال: يا أخا بني أسد، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم أسودٌ لها في بطن خفّان أشبل
همُ يمنعون الجار حتى كأنّما لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن كأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
فقال له أبو يوسف: - وقد أعجبته الأبيات -: من قائل هذه الأبيات يا أبا علي؟ قال يحيى: قائلها مروان بن أبي حفصة يمدح أبا هذا الفتى الذي تحت القبة؛ قال شراحيل: فرمقني أبو يوسف بعينه وأنا على فرسي.
[ ٤٣ ]
وقال: من أنت يا فتى حياك الله؟ قلت: شراحيل بن معن بن زائدة. قال شراحيل: فوالله ما مرت عليّ ساعة قط. كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحًا وسرورًا.
وكان يحيى بن أبي حفصة تزوج عمرة بنت إبراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاري على صداق عشرين ألف درهم، وسير إليها مهرها قبل أن يبنى بها، ولام الناس إبراهيم في ذلك وقالوا: زوجت عبدًا وفضحت نفسك وأباك.
وأرادوه على انتزاعها فأبى وعظم الأمر في ذلك جدًا ففي ذلك يقول إبراهيم:
فما تركت عشرون ألفًا لقائل مقالًا ولم أحفل مقالة لائم
فإن كنت قد زوجت مولى فقد مضت به سنّةٌ قبلي وحب الدراهم
ويقال: إن أبا حفصة كان يهوديًا، فأسلم على يدي عثمان، فأثرى وكثر ماله، وتولى الخزن لبني أمية، وتزوج خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم، وكان قيس بن عاصم سيد أهل الوبر، فقال في ذلك القلاخ الشاعر يهجو مقاتل بن طلبة:
نبئت خولة قالت حين أنكحها لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما في فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت قائدها برذنتها وبها التحجيل والغرر
[ ٤٤ ]
ومروان من المجيدين المحككين للشعر ومما يستحسن له مراثيه في معن بن زائدة، ومدائحه أيضًا العجيبة فيه. ويقال: إنه دخل على جعفر ابن يحيى البرمكي، وقد امتدحه بهذه القصيدة، فوقف ينشد:
أبر فما يرجو جواد لحاقه أبو الفضل سباق اللهاميم جعفر
وزير إذا ناب الخليفة حادث أشار بما عنه الخليفة يصدر
فقال ويحكّ! أنشدني مرثيتك في معن:
وكان الناس كلهم لمعن إلى أن زار حفرته عيالا
فأنشده إياها حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه، فلما سكن قال: أثابك أحد من ولده وأهله على هذه شيئًا؟ قال: لا. قال جعفر: فلو كان معن حيًا ثم سمعها منك، كم كان يثيبك عليها؟ قال: أربعمائة دينار. قال جعفر: لكني أظن أنه كان لا يرضى لك بذاك، وقد أمرنا لك عن معن بضعف ما قلت، وزدنا نحن مثل ذلك، فاقبض من الخازن ألفًا وسبعمائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك. فقال مروان يذكر ذلك، ويمدح جعفر، وزادها في مرثيته لمعن:
نفحت مكارمًا عن قبر معن لنا ممّا تجود به سجالا
فعجلت العطية يا بن يحيى بتأدية ولم ترد المطالا
فكافي عن صدى معن جواد بأجواد راحةٍ بذلت نوالا
[ ٤٥ ]
بني مالك خالد وأبوك يحيى بناء في المكارم لن ينالا
كأنّ البرمكي بكلّ مال تجود به يداه يفيد مالا
ومن قلائده وأمهات قصائده كلمته في معن بن زائده - وهو معن بن زائده بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس ابن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان - والقصيدة مختارة أولها:
أمسى المشيب من الشباب بديلًا ضيفًا أقام فما يريد رحيلًا
والشيب إذ طرد السواد بياضه كالصبح أحدث للظلام أفولا
وقال مروان يفتخر، وليس له فخر قديم ولا حديث غير الشعر، وكان ناصبياَّ معرّضًا في شعره بآل الرسول صلى الله عليه وعليهم:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما حلو القصيد ومره لجرير
ولقد هجا فأمض أخطل تغلب وحوى اللها ببيانه المشهور
كل الثلاثة قد أبر بمدحه وهجاؤه قد سار كل مسير
ولقد جريت مع الجياد ففتها بعنان لا شبم ولا مبهور
ما نالت الشعراء من مستخلف ما نلت من جاه وأخذ بدور
عزت معًا عند الملوك مقالتيما قال حيهم مع المقبور
[ ٤٦ ]
ولقد حبيت بألف ألف تثب إلا بسيب خليفة وأمير
ما زلت آنف أن أؤلف مدحه إلا لصاحب منبر وسرير
ما ضرني حسد اللئام ولم يزل ذو الفضل يحسده ذو والتقصير
وتظل للإحسان ضامنة القرى من كل تامكة السنام عقيري
أروى الظماء بكل حوض مفعم جودًا وأترع للسغاب قدوري
أعطى اللها متبرعًا عودًا على بدءٍ وذاك عليّ غير كثير
وإذا أهدرت مع القروم محاضرًا في موطن فضح القروم هديري
ومما يستحسن لمروان قوله:
يا من بمطلع شمس ثم مغربها إن السخاء عليكم غير مردود
قل للعفاة أريحوا العيس من طلب ما بعد معن حليف الجود من جود
قل للمنية لا تبقي على أحد إذ مات معن فما ميت بمفقود
والقصيدة مشهورة، وهي طويلة وإنما ذكرت فقرًا وعيونًا ومن أراد شعر القوم على الوجه فإن دواوينهم موجودة، ولا سيما هؤلاء المشهورين عند أكثر الناس، فأما من ليس يوجد شعره إلا عند الخواص فسنضمن الكتاب
[ ٤٧ ]
لهم قطعة صالحة، وصدرًا وافرًا، ليكون أكمل للفائدة عندنا، وسنورد من شعر مروان وطبقته من المعروفين القصائد التي يقل وجودها عند أكثر الناس، مثل كافيته وما أشبهها من مخزون شعره، والكافية هذه، وأولها:
لام في أم مالك عاذلا كا ولعمر الإله ما أنصفاكا
وكلا عاذليك أصبح مما بك خلوا، هواه غير هواكا
عذلا في الهوى، ولو جرباه أسعدا إذ بكيت أو عذراكا
كلما قلت: بعض ذا اللوم قالا إن جهلًا بعد المشيب صباكا
بثّ في الرأس حرثه الشيب لما حان إبان حرثه فعلاكا
فاسل عن أم مالك، وأنه قلبًا طالما في طلابه عنّاكا
أصبح الدهر بعد عشر وعشر وثلاثين حجة قد رماكا
ما ترى البرق نحو قران إلا هاج شوقًا عليك فاستبكاكا
قد نأتك التي هويت وشطت بعد قرب نواهم من نواكا
وغدت فيهم أوانس بيض كعواطي الظباء تعطوا الأراكا
كنت ترعى عهودهن وتعصي في هواهن كل لاح لحاكا
إذ تلاقي من الصبابة برحا وتجيب الهوى إذا ما دعاكا
عدّ عن ذكرهن واذكر هماما بقوى حبله عقدت قواكا
أين لا أين مثل زائدة الخيرات إلا أبوه؟ لا أين ذاكا
يا بن معن يفكُّ كلّ أسير مسلم لا يبيت يرجو الفكاكا
[ ٤٨ ]
وبه تفعض الرئيس لدى المو ت إذا اصطكت العوالي اصطكاكا
مطري أغر تلقاه بالعر ف قؤولا وللخنا تراكا
من يرم جاره يكن مثل ما را م بكفّيه أن ينال السماكا
لم تزل عند موطن يا بن معنعن مقام تقومه قدماكا
إنّ معنًا يحمي الثغور ويعطي ما له في العلا وأنت كذاكا
لا يضر امرأً إذا نال ودّا منك ألا يناله من سواكا
ما عدا المجتدي أباك. وما من راغب يجتديه إلا اجتداكا
ودّ كل امرئ من الناس لو كا ن أبوه لدى الفخار أباكا
قد وفى البأس والندى لك بالعق د، كما قد وفيت إذ حالفاكا
وأجاباك إذ دعوت بلبيك كما قد أجبت إذ دعواكا
فهما دون من له تخلص الود، وترعى إخاءه أخواكا
لست ما عشت والوفاء سناءٌلهما مخفرًا ولن يخفراكا
رفعت في ذرا المعالي قديمًا فوق أيدي الملوك طرًّا يداكا
وسما الفرع منك في خير أصل من نزار فطاب منه ثراكا
فبمعن تسمو، وزائدة الخي ر، وعبد الإله، كل نماكا
زين ما قدموا. ولم تلف صعبا في سلاليم مجدهم مرتقاكا
[ ٤٩ ]
أعصمت منكم نزارٌ بحبل لم يريدوا بغيره استمساكا
ورأبتم صدوعها بحلومٍ راجحات دفعن عنها الهلاكا
فأشارت معًا إليكم وقالت إنما يرأب الصدوع أولاكا
يئس الناس أن ينالوا قديمًا في المعالي لسعيكم إدراكا
إن معنا كما كساه أبوه عزة السابق الجواد كساكا
كم به عارفًا يخالك أيا هـ، وطورًا يخاله إياكا
لك من فضل بأسه يعرف البأ س، كما من نداه فضل نداكا
كل من قد رآه يعرف منه نسم الخير فيك حين يراكا
سبق الناس إذ جرى ثم صلي ت كما من أبيه جاء كذاكا
دانيًا من مدى أبيه مداه مثل ما من مداه أمسى مداكا
ماجدا النيل نيل مصر إذا ما طم آذيه كبعض جداكا
زاد نعمى أبي الوليد تمامًا فضل ما كان من جدي نعماكا
سخطك الحتف حين تسخط، والغنم إذا ما رضيت يومًا رضاكا
كل ذي طاعة من الناس يرجو ك كما كل مجرمٍ يخشاكا
وهذه القصيدة تسمى الغراء أخذ عليها من ابن معن مالًا كثيرًا. ويقال
[ ٥٠ ]
ما أخذ أحدٌ من الشعراء المتقدمين ولا المحدثين ما أخذ مروان بالشعر. كان رسمه على الخلفاء مائة ألف درهم.
ومن قلائده وأمهات شعره هذه اللامية:
كأن التي يوم الرحيل تعرضت لنا من ظباء الرمل أدماء مغزل
تصدّ لمكحول المدامع لابنٍ إذا خلفته خلفها، الطرف يعمل
وأشعاره كثيرة، ونوادره جمة.
وحدثني أبو مالك عن أبيه أن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أتى الحسن بن علي فقال: أنا مولاك - وكان قديمًا يكتب لعلي بن أبي طالب ﵇. فقال فيه مولى لتمام بن العباس بن عبد المطلب:
جحدت بني العباس حقٌ أبيهم فما كنت في الدعوى كريم العواقب
متى كان أولاد البنات كوارث يحوز ويدعى والداّ في المناسب
فسرق مروان هذا المعنى، وأودعه قصيدته التي يقول فيها:
أنّى يكون وليس ذاك بكائن لبني البنات وراثة الأعمام؟
فأخذ بهذا البيت مالًا عظيمًا.
ومما يستحسن من شعره كلمته في معن يرثيه ويذكر فعاله، وذلك قوله:
مضى لسبيله معنٌ وأبقى مكارم لن تبيد ولن تنالا
كأنّ الشمس يوم أصيب معنٌ من الإظلام ملبسه جلالا
[ ٥١ ]
هو الجبل الذي كانت نزار تهد من العدو به جبالا
تعطلت الثغور لفقد معنٍ وقد يروي بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأورثتها مصيبته المجللة اختلالا
وظل الشام يرجف جانباه لركن العز حين وهى ومالا
وكادت من تهامة كل أرض ومن نجدٍ تزول غداة زالا
فإن يعل البلاد له خشوع فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معنًا من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعنٍ إلى أن زار حفرته عيالا
ولم يك طالب للعرف ينوي إلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل ثقل ويسبق فيض نائلة السؤالا
وما عمد الوفود لمثل معن ولا حلوا بساحته الرحالا
ولا بلغت أكفّ ذوي العطايا يمينًا من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياض من المعروف مترعة سجالا
فليت الشامتين به فدوه وليت العمر مدّ له فطالا
ولم يك كنزه ذهبًا ولكن سيوف الهند والحلق الفضالا
وذابلة من الخطيّ سمرًا ترى فيهن لينًا واعتدالا
وذخرًا من محامد باقياتٍ وفضل لهًا به الإفضال نالا
[ ٥٢ ]
مضى لسبيله من كنت ترجو به عثرات دهرك أن تقالا
وقائلة رأت جسمي ولوني معًا عن عهدها قلبا فحالا
أرى مروان عاد كذي نحولٍ من الهندي قد فقد الصقالا
رأت رجلًا براه الحزن حتى أضر به وأورثه خبالًا
وأيام المنون لها صروف تقلب بالفتى حالا فحالا
كأن الليل واصل بعد معنٍ ليالي قد قرن به فطالا
فلهف أبي عليك إذ العطايا جعلن مني كواذب واعتلالا
ولهف أبي عليك إذ اليتامى غدوا شعثًا كأن بهم سلالا
ولهف أبي عليك لكل هيجا غدت تلقى حواضنها السمالا
ولهف أبي عليك إذ القوافي لممتدح بها ذهبت ضلالا
أقمنا باليمامة إذ يئسنا مقامًا لا نريد له زيالا
وقلنا: أين نرحل بعد معن وقد ذهب النوال فلا نوالا
سيذكرك الخليفة غير قالٍ إذا هو بالأمور بلا الرجالا
حباك أخو أمية بالمراثي مع المدح اللواتي كان قالا
أقام وكان نحوك كل عام يطيل بواسط الكور اعتقالا
وألقى رحلة أسفًا وآلى يمينًا لا يشد له حبالا
وأشعار مروان كثيرة جدًّا، ولو أوردنا عيون شعره لطال بها الكتاب، فليس له إلاّ كل عينٍ، ولسنا نخرج عن الحدّ الذي استنناه من الإيجاز والاختصار.
[ ٥٣ ]